بعد تعيين «وليامز»: ماذا تخبئ الأجندة الأميركية لليبيين؟

رغم الجدل الذي واكب أنباء تعيين الدبلوماسية الأميركية ستيفان ويليامز في منصب نائبة مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة مطلع هذا الأسبوع، إلا أن صدور قرار الأمين العام أنطونيو غوتيريش الإثنين الماضي قطع الشك باليقين.

للاطلاع على العدد 137 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ليس فقط في قرار دخول القائمة بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا القمرة الأممية في طرابلس بعد 10 أشهر في سفارة بلادها، لكنه -ووفق مراقبين للشأن الليبي- يمثل إشارة دالة على مرحلة جديدة يخطوها الدور الأميركي في الملف الليبي بعد نضوجها في مطابخ بيوت التفكير الأميركية.

تطورات الأحداث خلال الشهرين الماضيين طرحت اسم ويليامز بقوة على الملف الليبي في 3 مناسبات مهمة

تطورات الأحداث خلال الشهرين الماضيين طرحت اسم ويليامز بقوة على الملف الليبي في 3 مناسبات مهمة، ربما تؤشر لمرحلة جديدة تقودها الولايات المتحدة في الملف الليبي:

الأول، خلال لقاء السفيرة الأميركية مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج في طرابلس في 31 من مايو الماضي، بحضور قائد «أفريكوم» الجنرال توماس والدهاوزر، ورحبت بمؤتمر باريس لكنها أبدت تحفظاً أميركياً على عقد الانتخابات مفاده بأن «اعتقاد الولايات المتحدة بأنّه يجب إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، ولكن يجب أن يتمّ التحضير لها جيداً لتجنّب المزيد من عدم الاستقرار».

الثاني: في الخامس من يونيو الماضي، خلال رعايتها مؤتمر الإصلاح الاقتصادي في تونس، والذي جرى خلاله الإعلان عن حزمة إجراءات لإصلاح منظومة الاقتصاد الليبي، وخلال الاجتماع نقلت القائمة بالأعمال الأميركية قلق المجتمع الدولي والمؤسسات النقدية الدولية من الوضع الاقتصادي في ليبيا.

للاطلاع على العدد 137 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أما المحطة الأخيرة فكانت في مصراتة، حين التقت في السابع والعشرين من يونيو الماضي برفقة وفد من ضباط الأفريكوم مع نواب وضباط ومسؤولين في مصراتة. وأشادت السفيرة بشجاعة أبناء المدينة «حين قدموا التضحيات لهزيمة الجماعات الإرهابية بما في ذلك تنظيم داعش في سرت».

نقطة فاصلة
ولم تكد تمر ستة أيام على زيارتها مصراتة، حتى جاء انتقال ويليامز من تمثيل الولايات المتحدة إلى بعثة الأمم المتحدة، لتضع نقطة فاصلة على تسلسل الأحداث منذ مايو الماضي، حين بدت واشنطن وكأنها تعيد ترتيب أوراقها في ظل صراع النفوذ الفرنسي والإيطالي المتواصل، لتوضع علامة استفهام مستقبلية كبيرة حول أجندة المسؤولة الأميركية في البعثة، وطبيعة تأثير واشنطن المستقبلي في ملف تقول إنها أنفقت فيه 635 مليون دولار منذ العام 2011.

يشار إلى أن ويليامز تمتلك خبرة تزيد على 24 عاماً في الحكومة والشؤون الدولية بما في ذلك توليها منصب نائب رئيس بعثة الولايات المتحدة الأميركية في العراق في عامي (2016–2017)، والأردن خلال عامي (2013-2015)، والبحرين في الفترة من 2010 إلى 2013.

وتولت الدبلوماسية الأميركية منصب كبير المستشارين لشؤون سورية وفي السفارات الأميركية في كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت والباكستان، وشغلت منصب الموظف المسؤول المعني بشؤون الأردن في واشنطن، وعملت نائبة مدير شؤون مصر والشام، ومدير مكتب المغرب العربي، وقبيل التحاقها بالعمل في وزارة الخارجية الأميركية، عملت في القطاع الخاص في البحرين.

واشنطن التي لا تبدي تحمساً لمخرجات اجتماع باريس، والخاصة بعقد الانتخابات قبل نهاية 2018

وبعيداً عن السيرة الذاتية التي ارتكزت على خبرة عمل واسعة في الشرق الأوسط، منذ مايو الماضي، فإن واشنطن التي لا تبدي تحمساً لمخرجات اجتماع باريس، والخاصة بعقد الانتخابات قبل نهاية 2018، وهو ما أبرزته تصريحات المسؤولة الأممية الحالية (المسؤولة الدبلوماسية السابقة)، وحينها أصدر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى دراسة حول «مأزق الانتخابات الليبية» ونشرت قبل أكثر من شهر من تولي ويليامز منصبها الجديد.

في دراسته المنشورة في مايو الماضي، حث المعهد المقرب من دوائر صنع القرار الأميركية «بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا» على صرف الانتباه عن الانتخابات في عام 2018 والتركيز على تنفيذ بنود خطة العمل الأكثر إلحاحاً والمدرجة بالفعل في جدول أعمال الأمم المتحدة (خطة عمل سلامة) وهي: «عقد اجتماع لمؤتمر وطني هذا الصيف، كما حدث في الزاوية في 13 مايو (تنتهي هذا العام صلاحية 75 من 104 مجالس بلدية في ليبيا).

الدراسة حثت الأمم المتحدة أيضاً على مواصلة الحوار مع الميليشيات لوضع خطة عمل توحدها»

الدراسة حثت الأمم المتحدة أيضاً على مواصلة الحوار مع الميليشيات لوضع خطة عمل توحدها»، وقال «يجب أن تساهم الولايات المتحدة أيضاً في حوار الميليشيات من خلال إرسال فريق يتألف من ضباط من ذوي الخبرة من العراق لتقديم المشورة للأمم المتحدة بشأن التوسط في التحالفات القبلية»، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان حوار مصراتة جزءاً من هذه الاستراتيجية.

إذاً، يبدو أن بيوت الخبرة الأميركية، وأحد المفارز المهمة لصناعة القرار الأميركي، تضع رهاناً على الدور الأممي، إذ اقترح الباحث بين فيشمان، الذي عمل مديراً لشؤون شمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي في الفترة بين 2011 و2013، وكاتب الدراسة، تطوير العمل السابق مع المجالس البلدية لكي تؤدي المجالس المنتخبة حديثاً دوراً أكبر في تصميم مشاريع التنمية وتنفيذها، وهو ما يحظى بقبول بعض الأطراف الداخلية مثل الإخوان الذين طالبوا بـ: « نظام حكم محلي لامركزي يمنح سلطات واسعة للوحدات الإدارية».

للاطلاع على العدد 137 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ترافق هذا التوجه الأميركي مع حملة إعلامية واسعة ضد مقترح الانتخابات، إذ اتهمت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، الدول الغربية بترك ليبيا لتمزّق نفسها، عبر السماح بالدعوة لإجرائها في غياب مؤسسات مستقرة، محذرة في مقال للكاتب جاسون باك، من أن «حديث الحكومات الغربية الفضفاض عن الانتخابات كان سبباً رئيساً في إثارة الرغبة في الصراع بعد عام من الهدوء».

أما مجلس العلاقات الخارجية فاعتبر أن تخطي وضع الدستور واستعجال وضع قوانين الانتخابات سوف يكون أسوأ شيء، مشيراً إلى أن تخطي الدستور والإسراع في قوانين الانتخابات سيكون خطأ أكثر خطورة. وقال إن «كلاً من الدستور والقوانين الانتخابية المتوازنة ضروريان لإجراء الانتخابات التي تعمل على التقدم بدلاً عن تقويض التقدم. ومع ذلك يبدو أن الخطة التي تم التوصل إليها في باريس ستحاول تجاوز هذه الخطوات الحاسمة أو الإسراع بها».

هذه التطورات والضغوط الإعلامية ربما تحمل إشارات مهمة على طبيعة مهمة نائبة المبعوث الأممي الجديدة، ومن ثم دور أميركي مباشر في إدارة التفاعلات وترتيب جدول أعمال البعثة الأممية من الداخل

ويقول متابعون للشأن الليبي إن هذه التطورات والضغوط الإعلامية ربما تحمل إشارات مهمة على طبيعة مهمة نائبة المبعوث الأممي الجديدة، ومن ثم دور أميركي مباشر في إدارة التفاعلات وترتيب جدول أعمال البعثة الأممية من الداخل، وهو ما كشفه الموقف الإيطالي الأخير الصادر عن وزيرة الدفاع الإيطالية، إليزابيتا ترينتا، التي قالت إنها طلبت مساعدة واشنطن للقيام بدور قيادي في إحلال السلام في ليبيا، وذلك خلال مباحثات كانت أجرتها مع مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون في العاصمة الإيطالية روما الشهر الماضي.

وكشفت المسؤولة الإيطالية عن تماهٍ واضح مع الموقف الأميركي من الانتخابات من خلال التأكيد أنها «ليست أفضل ما يمكن القيام به»، موضحة أن الولايات المتحدة كانت شاهدة على ما يحدث في العراق عندما تُسرِّع الأمور، وفي هذا السياق، جاءت مطالبة جريدة «لا ستامبا» الإيطالية إلى بإرساء تحالف عملي وفعلي بين الولايات المتحدة وإيطاليا لإدارة الوضع في ليبيا والتصدي لسعي فرنسا، توجيه العملية السياسية في البلاد وإزاحة إيطاليا وضرب مصالحها.

وأشارت الجريدة في افتتاحيتها إلى أن الزيارة المقررة لرئيس الوزراء جوزيبي كونتي إلى واشنطن واجتماعه نهاية الشهر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجب أن تكون مناسبة لنسج هذا التحالف.

التحرك الأميركي بدأ يركز على دول الجوار خلال زيارة قام بها وفدان من مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين إلى تونس لبحث مستجدات الملف الليبي

ليس هذا فحسب، بل إن التحرك الأميركي بدأ يركز على دول الجوار خلال زيارة قام بها وفدان من مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين إلى تونس لبحث مستجدات الملف الليبي مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، إذ شملت النقاشات المبادرة التونسية لإيجاد تسوية سياسية في ليبيا، ونتائج الجهود التونسية في إنجاح المبادرة.

ووسط هذا التطورات المفاجئة والتحركات الأميركية الهادئة، يتوقع متابعون للشأن الليبي دوراً مهماً لواشنطن خلال المرحلة المقبلة، قد تدفع نحو تغيير قواعد اللعبة، وربما تعيد ترتيب أوراق المشهد الليبي، بما يتماشى مع رؤية أميركية جديدة، قد تكون «اللامركزية والبلديات» نواتها الرئيسة.

للاطلاع على العدد 137 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط