دراسة: مقتل 387 مدنيا و988 مسلحا في غارات جوية منذ 2011 في ليبيا

خلصت دراسة مشتركة أجرتها جماعة «إيروورز» ومؤسسة «نيو أميركا» البحثية إلى الحرب الجوية متعددة الأطراف في ليبيا التي أعقبت إطاحة القذافي في العام 2011 أسفرت عن مقتل نحو 387 مدنيا و988 مسلحا.

وحللت الدراسة، التي نشرت الأسبوع الماضي، تداعيات 2158 ضربة جوية نفذتها على الأقل 7 أطراف محلية ودولية في ليبيا منذ سبتمبر 2012، الأمر الذي يؤكد الطبيعة المشحونة والممزقة في ليبيا بعد الثورة. وأشارت إلى أنه «منذ ساعدت سلسلة من الضربات الجوية التي قادها حلف شمال الأطلسي في إطاحة القذافي في العام 2011، انزلق البلد إلى صراع أهلي مشتعل شهد إنشاء حكومات متنافسة وصعود جماعات مسلحة، بما في ذلك فرع محلي فتاك لتنظيم داعش استغل المناطق التي لا تخضع لرقابة لتعزيز قوته».

و«إيروورز» هي جماعة معنية بمراقبة تداعيات الحرب ضد تنظيم «داعش» في ليبيا وسورية والعراق ومقرها لندن، فيما تركز مؤسسة «نيو أميركا» ومقرها واشنطن على السياسات العامة بما في ذلك دراسات الأمن القومي. وتمثل دراسة «إيروورز» و«نيو أميركا» أول تحليل شامل لحصيلة القتلى من جراء العمليات الجوية العسكرية في ليبيا في الفترة التي أعقبت الثورة.

وخلص الباحثون القائمون على الدراسة، التي استخدمت حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي ومصادر أخرى لتقييم وقائع منفردة، إلى أن نحو 237 مدنيا على الأقل قتلوا نتيجة تلك الضربات الجوية وبحد أقصى 387، فيما أصيب 324 آخرون على الأقل من جراء الغارات. وعلى الرغم من أن حصيلة القتلى تلك تبدو أقل بكثير من التي سببتها الضربات الجوية الغربية ضد مسلحين في العراق وسورية، فقد أظهرت إحدى السمات المهمة للصراع الليبي، وهي أنه يتميز بطبيعة قاتمة وغامضة.

أفريكوم»: لا توجد إحصاءات ذات مصداقية لوفيات في صفوف المدنيين جراء العمليات الأميركية

وجاء في الدراسة أن «الضربات الجوية المتكررة في ليبيا لم تنفذها الفصائل المحلية المتنافسة والولايات المتحدة فقط، بل أيضا، وبقدر أقل من الشفافية، فرنسا والإمارات ومصر». وأضافت أنه جرى الإفصاح علنا عن أقل من 50% من الضربات الجوية المذكورة، الأمر الذي أدى لإثارة التساؤلات بشأن المسؤولية والمساءلة عند وقوع وفيات في صفوف المدنيين.

ضحايا الضربات الجوية المحلية
وخلصت الدراسة إلى أن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني، وهو من ضمن اللاعبين المحليين في ليبيا «مسؤول عن الجزء الأكبر من الوفيات في صفوف المدنيين منذ 2012». كان حفتر تعهد مدعوما بقوى خارجية بما في ذلك روسيا بتطهير ليبيا من المسلحين المتشددين الذين اشتد عودهم منذ مقتل القذافي.

وتوصل الباحثون إلى أن الجيش الوطني بقيادة حفتر يعتقد أنه شن أكثر من 1100 ضربة جوية أسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 95 ولا يزيد على 247 مدنيا. وقال الباحثون إن غالبية تلك الهجمات نفذت في مدن شرقية بما في ذلك بنغازي ودرنة والهلال النفطي.ويقدر عدد الضربات الجوية التي نفذتها حكومة الوفاق الوطني بنحو 54 ضربة، أسفرت على الأرجح عن وفاة 63 شخصا.

ذكرت الدراسة أن الإمارات شنت نحو 35 ضربة جوية على الأقل في ليبيا، فيما نفذت مصر 42 ضربة جوية. وحصد الباحثون أن الولايات المتحدة كانت صاحبة الدور العسكري الأكثر تأثيرا في ليبيا من بين القوى الخارجية الأخرى التي تدخلت في الفترة التي أعقبت الثورة، إذ نفذت المقاتلات الأميركية نحو 525 ضربة جوية على مسلحين منذ سبتمبر 2012.وتضمنت الضربات الأميركية عملية استمرت أربعة أشهر ونصف الشهر في العام 2016 لطرد تنظيم «داعش» من سرت.

وتوصلت الدراسة إلى أن العمليات الجوية الأميركية في تلك الفترة تسببت في مقتل ما بين 11 إلى 75 مدنيا، رغم قول القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» إن عملياتها لم تتسبب في أي وفيات مؤكدة في صفوف المدنيين أثناء تلك الفترة.

وقال الناطق باسم «أفريكوم»، مارك تشيدل، إن القيادة العسكرية لم تر أي إحصاءات ذات مصداقية لوفيات في صفوف المدنيين مرتبطة بالعمليات الأميركية في ليبيا، مضيفا: «لم نر أي أدلة أو معلومات أخرى من شأنها أن تغير استنتاجاتنا»، وقال الباحثون إن الولايات المتحدة قدمت شرحا لضرباتها الجوية في ليبيا بشفافية أكبر، وإن لم تكن كاملة، مقارنة بالدول الأخرى التي أرسلت طائرات إلى ليبيا.

إحجام عن إعلان المسؤولية
توصلت الدراسة إلى أنه في كثير من الأحيان كان يصعب تحديد من المسؤول عن ضربة جوية بعينها في ليبيا، عندما تحجم الفصائل المحلية والفاعلون الخارجيون عن إعلان مسؤوليتهم عنها، ويلقي الليبيون باللوم على أطراف متعددة. وقال كريس وودز، رئيس مؤسسة «نيو أميركا»: «لم يعلن أي طرف مشترك في القتال مسؤوليته عن أي من الوفيات في صفوف المدنيين في ليبيا منذ العام 2012، وهذا استمرار لما شهدناه من الناتو في 2011»، واصفا الأمر بأنه «مأساة للشعب الليبي». وذكر نائب رئيس مؤسسة «نيو أميركا» بيتر بيرغن: «إنها إحدى الحروب المنسية في العالم، لم ينه تدخل الناتو الصراع؛ بل عجل بمرحلة جديدة وليبيا الآن ساحة للحرب بالوكالة».

وأرجع الباحثون انخفاض حصيلة القتلى تلك مقارنة بأكثر من ستة آلاف في سورية والعراق، إلى انخفاض الكثافة السكانية في ليبيا، وربما إلى ضعف التقارير الإعلامية بشأن الضربات الجوية، إذ إن أبراج الهواتف المحمولة استهدفت في الصراع، وتفتقر البلاد إلى جماعات المراقبة التي لعبت دورا مهما في الصراع السوري، وخلصت دراسة «إيروورز» و«نيو أميركا» إلى أن ما يقرب ما يتراوح بين 778 و988 مسحلا قتلوا من جراء الضربات الجوية التي نفذت في ليبيا في الفترة بين سبتمبر 2012 ويونيو 2018.

وأضافت الدراسة أن تلك الضربات الجوية نفذت في مدن بنغازي وسرت ودرنة، وهي مناطق كانت تمثل ذروة الصراع أثناء الثورة الليبية وتدخل حلف شمال الأطلسي «ناتو» في العام 2011، ورأت الدراسة أن سيطرة تنظيم «داعش» على أراض في كل من درنة وسرت في عامي 2015 و2016 ساهمت في زيادة كثافة الضربات الجوية على المدينتين. وقالت إن أكثر من 132 ضربة جوية تسببت في وفاة 83 مدنيا نسبت إلى أكثر من طرف في وقت واحد، إذ قد يحمل البعض فرنسا مسؤولية ضربة فيما يلقي آخرون باللوم على الجيش الوطني.

وبحسب مؤسسة «نيو أميركا» فقد عمت الفوضى ليبيا إلى حد كبير منذ تدخل حلف «ناتو» عام 2011 إذ يتنافس طرفين رئيسين هما حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني على السلطة، مشيرة إلى أن كلا الطرفين ينفذان ضربات جوية على مناطق في الداخل، إلى جانب الغارات التي تنفذها البلدان التي تدعم كل طرف.

زيادة حدة الصراع
ورغم التقارير العديدة التي تفيد بوقوع قتلى مدنين جراء تلك الضربات الجوية، فلم تعلن حكومة الوفاق والجيش الوطني أو البلدان التي تدعمهما وقوع وفيات في صفوف المدنيين بسبب الضربات التي ينفذونها، مضيفة أنه يصعب تحديد مسؤولية كل طرف عن ضربات بعينها للتحقق من إدعاءات تضرر المدنيين منها بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع التي كانت هدفا لتلك الغارات.

وبحسب الدراسة فالحرب الجوية في ليبيا تشارك فيها الولايات المتحدة الأميركية مستهدفة تنظيمي «داعش» و«القاعدة» دعما لحكومة الوفاق الوطني، فيما تنفذ مصر والإمارت ضربات جوية بهدف دعم الجيش الوطني في مجابهة «الميليشيات الإسلامية». فيما تشن فرنسا بدورها غارات جوية تستهدف مقاتلين إسلاميين معلنة دعمها للتعاون مع الجيش الوطني في مكافحة الإرهاب، وذلك رغم التزامها إلى جانب الدول الغربية الأخرى بمساندة حكومة الوفاق.

وتسببت الضربات الجوية التي ينفذها الجيش والوطني وحكومة الوفاق إضافة إلى الدول الأربع الأخرى في زيادة حدة الصراع في ليبيا التي تعاني من وضع هش بالفعل، فضلأ عن كونها تمثل سابقة سيئة للصراع في المستقبل، إذ أن كثيرا من تلك الضربات لم تصرح به الجهات الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة، وحلف «ناتو» والجامعة العربية كما كان الحال عند تدخل «ناتو» في العام 2011، وفقا للدراسة.

ورأت الدراسة أنه رغم موافقة حكومة الوفاق الوطني على الضربات الجوية الأميركية، وهو الأمر المحتمل كذلك بالنسبة لفرنسا، فالفوضى لا تزال تعم سماء ليبيا، ممثلة في تجاهل الأطراف المشاركة في الإعلان عن كثير من الضربات الجوية التي تنفذها وكذلك الوفيات في صفوف المدنيين من جرائها، فضلا عن غياب أي ضغط دولي على تلك الأطراف للقيام بمثل تلك الإفصاحات.

ولفتت إلى أن كلا من مصر وفرنسا دافعتا عن ضرباتهما الجوية مستخدمتين مبدأ الدفاع عن النفس، قائلتين إن تلك الضربات تستهدف جماعات إرهابية تهدد أمنهما، مضيفة أن الوضع مختلف بالنسبة للإمارات التي لم تلجأ لمثل تلك الحجة، إذ تستهدف عملياتها العسكرية في ليبيا تقويض الإسلاميين والتي تنفذ دون موافقة حكومة الوفاق، وكذلك دون وجود مبرر لكونها دفاعا عن النفس.

وقالت إن الولايات المتحدة هي الأكثر شفافية بشأن الضربات الجوية التي تنفذها في ليبيا من بين الدول المشاركة في الحرب الجوية، وإن الخسائر البشرية من جراء الضربات الأميركية كانت محدودة نسبيا، مرجعة ذلك إلى صعوبة التغطية الصحفية في مناطق مثل سرت والتي شهدت قدرا كبيرا من الغارات، فضلا عن انخفاض قدرات المراقبة المحلية بين الليبيين.

وتوصلت الدراسة إلى أن نقص التقارير الدولية بشأن الحرب الجوية ساعد في إخفاء حقيقة أن الدولة المتدخلة في ليبيا تختار عدم الإفصاح عن الضربات الجوية التي تشنها، إذ أن الغارات التي أعلن رسميا عنها أقل من 50 % من إجمالي الغارات التي جرى رصدها.

طالع: العدد 136 من جريدة الوسط

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط