خارطة النفط الليبي.. الحقول والموانئ والشركات (1 ـ 2)

خلال أسبوعين عاد الصراع على النفط إلى صدارة الأحداث الليبية، إثر هجوم قوات الجضران التي تسببت في إغلاق موانئ الهلال النفطي 3 سنوات منذ العام 2013، وحتى سبتمبر 2016، ليدخل النفط مجددًا دوامة الانقسام بعودة الحديث عمن له الشرعية والولاية على «قوت الليبيين».

لكن بعيدًا عن صراع الأطراف الليبية الذي امتد إلى ورقة النفط نفسها، وقبل الخوض فيما ستؤول إليه نتائج هذا الانقسام، يبقى من المهم رسم «بروفايل» عن «قوت الليبيين» الذي يتصارعون عليه دوليًا بأدوات محلية.

أين تقع بالضبط البنية التحتية لصناعة النفط والغاز؟ وماهي أحواض النفط الرئيسية، ومكونات تلك الصناعة من حقول ومصاف وموانئ، وماهي شركات النفط الأجنبية العاملة في ليبيا؟ وفي ظل أي قانون تعمل تلك الشركات وماهو المقصود باتفاقيات تقاسم الإنتاج؟

أسئلة يجيب عنها الخبير النفطي الليبي د. محمد أحمد في هذه الدراسة*:

يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة تكاد تكون مطلقة على نشاطات الصناعة النفطية في الدخل القومي، وبناء على بيانات صندوق النقد الدولي، فإن 96% من الدخل الحكومي كان من النفط والغاز، بينما وصلت نسبتهما من الصادرات 97%، وقد كانت نسبة النفط الخام 79% الذي جلب ما يقارب 4 مليارات دولار شهرياً لخزينة الدولة في 2012.

وقد أدت التقلبات السياسية الحادة التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية إلى انخفاض كبير في الصادرات النفطية، وبالتالي في الدخل من النفط، كما أفضت إلى تأخير في خطط التوسع في الإنتاج التي كانت موضوعة للوصول إلى مليوني برميل يومياً في 2020.

البنية التحتية
تقوم البنية التحتية الحالية لصناعة النفط والغاز في ليبيا أساساً على إنتاج النفط الخام والغاز، ونقلهما إلى ساحل البحر المتوسط، إما لتصديرهما إلى الأسواق العالمية أو تكريرهما والحصول منهما على مشتقات تستعمل في السوق المحلية والباقي يتم تصديره.

ويتركز إنتاج النفط والغاز في الجنوب الليبي باستثناء حقول صغيرة في البحر في الشمال الغربي بالجرف الملاصق لجمهورية تونس. وهكذا فإن البنية التحتية تتكون من نشاطات الحفر والرفع والتخزين في مناطق الإنتاج، ثم نشاطات الضخ عبر الأنابيب المارة بأقاليم مختلفة على البر، و التخزين في الموانئ النفطية على البحر وإعادة تصديرها بحرياً، وأخيرا التكرير وفصل الغازات وتخزينها وصنع البتركيماويات والأسمدة ومعظمها على الساحل لتسهيل التصدير.

وقد جرى تنفيذ الجزء الأكبر من هذه البنية التحتية باستثمارات مشتركة بين الحكومة الليبية، متمثلة في المؤسسة الوطنية للنفط، وشركات إنتاج عالمية دخلت ليبيا خلال فترات زمنية ممتدة، قلب هذه الاستثمارات وأكبرها هي الحقول الممتدة في حوض السدرة النفطي في وسط ليبيا وجنوبها الشرقي وكانت شركتا «أكسون» الأميركية و«موبيل» البادئتين بالإنتاج، وعلى مر أكثر من 50 سنة الآن تطورت الصناعة وامتدت شرقاً وغرباً وجنوباً لتصل إلى ما هي عليه الآن.

تاريخياً اختلفت بنية الصناعة النفطية في ليبيا من ناحية وجود شركات نفطية أجنبية متعددة أكثر داخل الدولة مقارنة بالدول المنتجة الأخرى، التي عادة ما كانت تتعامل مع شركة واحدة أو «كونسورتيوم» من الشركات المتحالفة.

وتواجدت في ليبيا الشركات التي كان يطلق عليها الشركات المستقلة مثل «أوكسيدنتال» و«فنترشهال» و«فيبا» و«إيني» الإيطالية إلى جانب الشركات الكبرى «أو كارتل الشقيقات السبع». هذه النقطة مثيرة للجدل سواء على مستوى البنية التحتية أو على الإجراءات والتعامل التجاري، ولها مزاياها الاستراتيجية وعيوبها التنافسية المكلفة.

طالع العدد 136 من جريدة الوسط الليبية

قانونياً، فإن الإنتاج النفطي مغطى بقانون البترول للعام 1958، الذي ينص على الملكية العامة للاحتياطات النفطية، وينظم القانون وتعديلاته اللاحقة عمل الشركات على الأرض، وفقاً لامتيازات تعطيها الدولة لشركة معينة تغطي مساحات لأراضٍ معينة في إقليم الدولة البري أم البحري، ولدى تحقيق الشركة لأي اكتشاف نفطي لها حق الحصول على نسبة معينة من الإنتاج مقابل ضريبة تدفعها للدولة والمفترض أن تدخل الدولة كمشارك ثانٍ في الاستثمار في مرحلة التطوير، وهي مرحلة إعداد الكشف النفطي للإنتاج عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط.

و تجدر الإشارة هنا إلى أنه وبعكس الروتين العادي في الاستثمار الأجنبي فإن المستثمر هنا «الشركة الأجنبية» يحصل على السلعة بصورة مادية ومن ثم يبيعها مباشرة في الأسواق العالمية «دون الدخول في الدورة النقدية المحلية» أي بمعنى آخر فإنه يحصل قيمة مبيعاته خارجياً وبالعملة الصعبة وتبقى الضريبة تدفع محلياً بتحويلات خارجية من الشركة إلى خزينة الدولة. هذا النظام يطلق عليه في الصناعة النفطية العالمية اتفاقات تقاسم الإنتاج.

ولا يعدو اليوم منح امتياز لشركة ما للتنقيب والإنتاج كونه إعطاء رخصة مقاولات لشركة محورية تقوم بدور الوسيط بين الدولة الليبية وعديد الشركات المتخصصة والخدمية للقيام بالعمل داخل الإقليم الليبي.

وتكمن المشكلة هنا في الاحتكار المزدوج الذي تتمتع بها المؤسسة والشركة الأجنبية وهو ما يمنع من تطور قطاع خاص نفطي محلي فعال، وبالتالي يمنع نقل جزء من قيمة النشاطات النفطية إلى الاقتصاد المحلي.

مكونات الصناعة النفطية
ينتج النفط الخام من عدة أحواض رسوبية من ليبيا (حوض سرت، حوض مرزق، حوض غدامس)، ويتركز الإنتاج بكثافة من حوض سرت النفطي، الذي كان الأسبق في الاكتشاف. وكما سبقت الإشارة يتم الإنتاج والتجميع من عدة حقول والضخ إلى الساحل للتصدير عن طريق شركة منتجة. الخام أو المزيج الذي ينتج عن إنتاج الشركة نفسها عادة ما يتم تصديره منفرداً تحت اسم تجاري معروف في السوق العالمية.

ـ منظومة خام السرير تنتجها شركة الخليج العربي وهي عبارة عن مزيج لخامات نفطية منتجة من حقول النافورة وحقول السرير، ويتم ضخها إلى ميناء مرسى الحريقة النفطي في طبرق للتصدير ويعتبر هذا المزيج من أكبر الخامات إنتاجاً، حيث وصل إلى نحو 350 ألف برميل يومياً، يضاف إلى ذلك خام مسلة، المنتج من المنطقة نفسها بكمية تصل أحياناً إلى 120 ألف برميل يومياً، وهو في الأساس يعتبر المغذي لمصفاة رأس لانوف إلا أنه يمكن ضخه مع منظومة السرير إلى طبرق في حال تعطل المصفاة.

ـ منظومة خامي «آمنا» و«سيرتيكا» وتنتجهما تحالف شركتي بتروكندا وسن كور ووينترشل الألمانية في شركة مشتركة مع المؤسسة الوطنية للنفط وهي «الهروج». ويأتي إنتاج هذا الخام الذي يصدر عن طريق ميناء رأس لا نوف النفطي من حقل آمال في حوض سرت.

ـ منظومة خام الزويتينة وهي تأتي من إنتاج حقل انتصار أو جالو وتنتجه شركة الزويتينة للنفط التي هي شركة مشتركة بين «أوكسيدنتال» و«إو أم في» النمساوية بمعدل إنتاجي تقريباً 25 ألف برميل يومياً.

ـ منظومة خام البريقة، أقدم الخامات الليبية الذي اكتشفته وأنتجته شركة أكسون العالمية للنفط، ولفترة طويلة من الزمن كان يشكل لب الإنتاج النفطي، وقد انسحبت الشركة الأميركية في بداية الثمانينات بعد المواجهات السياسية بين ليبيا والولايات المتحدة، وكانت أكسون تعتقد أن حقول تغذية هذا الخام في زلطن وزلة قد استنفدت، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في الحصول على كميات تجارية منها، إلا أنه بجهود العاملين في القطاع النفطي وتأسيس شركة سرت للنفط المملوكة بالكامل للمؤسسة تم الاستمرار في الإنتاج بكميات أقل ولكنها مازالت تجارية.

ـ منظومة خام السدرة وينتج الخام بشركة مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط وتحالف ثلاث شركات أميركية هي «كونكو» و«فيليبس» و«هس»، ويعتبر خام السدرة هو الخام القائد للنفط الليبي من حيث إنه الأكثر إنتاجاً مع اقتراب مواصفاته من خام القياس العالمي برنت وقبوله بالأسواق العالمية من ناحية الثقة بالمنتج وإجراءات التسليم والشحن المصممة بتقنية عالية مقارنة ببعض الموانئ الأخرى.

ـ منظومة خام أبو الطفل الذي تنتجه شركة مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، ويأتي من حقول النفط بنفس الاسم أبو الطفل شمال شرق مدينة جالو، وهو خام ذو كثافة ويحتوي على نسبة كبيرة.

ـ منظومة خام مليتة وينتج بشركة مشتركة بين المؤسسة وشركة إيني من حقول الوفاء حوض غدامس جنوب غرب ليبيا، ويصاحبه إنتاج غاز ومكثفات يتم شحنها إلى ميناء مليتة النفطي بالقرب من مدينة صبرات.

ـ منظومة خام الشرارة ويتم الإنتاج عن طريق شركة مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة ربسول الإسبانية، وهذا من الخامات النفطية الجديدة ذات الجودة العالية من ناحية الكثافة والمحتوى الكبريتي المنخفض، ويتم ضخ الخام إلى مصفاة الزاوية، حيث يتم تكرير 120 ألف برميل يومياً منه ويصدر الباقي عن طريق البحر إلى الأسواق العالمية

ـ المنظومات البحرية وهي أولاً منظومة خام البوري، الذي ينتج بشركة مشتركة مع إيني الإيطالية وقد بدأ إنتاج هذا الخام في منتصف الثمانينات، وهو خام ثقيل ذو محتوى كبريتي مرتفع إلى حد ما ويتم إنتاجه وتصديره عن طريق تسهيلات بحرية متقدمة تكنلوجياً.

ـ أما المنظومة الأخرى وهي خام الجرف فهي منتجة من قبل شركة مشتركة بين المؤسسة وشركة توتال الفرنسية، وينطبق عليه إلى حد كبير ما ينطبق على خام البوري من ناحية الجودة وطرق التسليم.

العدد المقبل: المصافي ومصانع البتروكيماويات والغاز الطبيعي والمكثفات النفطية

*د. محمد أحمد/خبير نفطي ليبي

المزيد من بوابة الوسط