هل تنجح أوروبا في إنشاء مراكز حماية دولية للمهاجرين؟

لا يزال ملف الهجرة غير الشرعية يواجه تحديات تحاول إيطاليا (أكثر المتضررين)، تجاوزها من خلال التمسك بإنشاء مراكز حماية دولية للمهاجرين، وهو التوجه الذي ترفضه ليبيا بشكل قاطع، في وقت يكثف فيه المجتمع الدولي من مساعيه للخروج بتوصيات واقعية إزاء هذا الملف المعقد.

البداية جاءت بزيارة وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، الإثنين، طرابلس، واقترح خلالها إنشاء مراكز استقبال مهاجرين في الحدود الجنوبية الليبية، حين قال خلال لقائه وزير الداخلية بحكومة الوفاق عبدالسلام عاشور: «اقترحنا إنشاء مراكز استقبال تقع على الحدود الجنوبية لليبيا»، وفق تغريدة عبر حساب الوزير الإيطالي بموقع التواصل «فيسبوك»، لافتا إلى أن «أماكن استقبال المهاجرين في إيطاليا ستكون مشكلة لنا ولليبيا نفسها لأن تدفقات الهجرة لن تنقطع».

في أعقاب ذلك جدد نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أحمد معيتيق، رفض ليبيا القاطع لإقامة معسكرات تستقبل المهاجرين على التراب الليبي، لافتا إلى أن ليبيا هي بلد عبور وليست مصدرا لتدفق المهاجرين، داعيا الأوروبيين إلى الاتفاق معا فيما يخص ملف الهجرة.

سالفيني: هناك تشاطر كامل (لوجهات النظر) بين ليبيا وإيطاليا، بينما لا يمكن قول الشيء نفسه بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، أو بين ليبيا ودول أوروبية أخرى، التي ألحقت الضرر بليبيا»

ورغم وضوح تصريحات سالفيني، لكنه عقد مؤتمرا صحفيا فور عودته إلى روما، قال فيه إن تصريحاته في ليبيا كانت تتعلق بإنشاء مراكز حماية دولية للمهاجرين في «الحدود الخارجية» الجنوبية لليبيا وليس داخل التراب الليبي، قائلا: «عندما كنت أتحدث عن مراكز الحماية وتحديد الهوية في الحدود على ليبيا، كنت أعني الحدود الخارجية لليبيا».

وبشأن نتائج زيارته، أشار سالفيني بالقول: «نادرا ما وجدت تطابقا في النوايا مثل ما لمسته اليوم مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فائز السراج، ومع كل السلطات التي التقيتها»، متابعا: «هناك تشاطر كامل (لوجهات النظر) بين ليبيا وإيطاليا، بينما لا يمكن قول الشيء نفسه بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، أو بين ليبيا ودول أوروبية أخرى، التي ألحقت الضرر بليبيا».

وخلال مباحثات رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وماتيو سالفيني، أعلن وزير الداخلية الإيطالي عزم بلاده لعب دور رائد في الساحة السياسية لتعزيز المصالحة والاستقرار في ليبيا، لافتا إلى أن «إيطاليا تستطيع فعل ذلك بفضل خبرتها، ووجودها في البلاد بسفارة تابعة لها، وبقائها على المسافة نفسها مع كل الأطراف»، منوها بأن رجال الأعمال الإيطاليين يودون الاستثمار في ليبيا، منوها بأن ليبيا تريد تعزيز العلاقات مع إيطاليا.

وبالإضافة إلى ما سبق اتفق السراج مع سالفيني على وضع صيغة شاملة لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية تأخذ في الاعتبار أبعادها المختلفة الأمنية والاقتصادية والإنسانية، كما أكد المسؤولان إعطاء أهمية كبرى لتأمين الحدود الجنوبية عبر برامج لتدريب القوات الليبية والاهتمام بالتنمية المكانية، وذلك خلال لقاء بمقر المجلس وفق المكتب الإعلامي للسراج.

من جانبه اقترح نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، تنظيم مؤتمر عن الهجرة غير الشرعية في النصف الأول من شهر سبتمر المقبل، يهدف إلى معالجة ملف الهجرة من خلال رؤية ليبية - إيطالية واضحة، مؤكدا أن المؤتمر هو حل لهذا الملف الشائك الذي عانت منه ليبيا معاناة كبيرة بقدر إيطاليا أو أكثر، مشيدا بدور إيطاليا الداعم.

معيتيق: ليبيا تتفق مع الشركاء الأوروبيين في الكثير من وجهات النظر، ولكن ترفض بشكل قاطع إنشاء معسكرات على التراب الليبي

ولفت إلى أن برنامج ليبيا لمكافحة الهجرة السرية جاهز، مشيرا إلى أن ليبيا تتفق مع الشركاء الأوروبيين في الكثير من وجهات النظر، ولكن ترفض بشكل قاطع إنشاء معسكرات على التراب الليبي، معربا في الوقت نفسه عن أمله في مساعدة الجانب الأوروبي خصوصا إيطاليا للقضاء بشكل نهائي على تدفقات الهجرة، موضحا أن المشاركة الأوروبية يجب أن تكون من خلال البرنامج الليبي.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع الزيارة، خططا لإنشاء مراكز استقبال لاجئين للحد من أزمة الهجرة التي يعقد بشأنها الاتحاد اجتماعا طارئا هذا الأسبوع، لكن جريدة «ذا غارديان» البريطانية قالت إن الاقتتال للسيطرة على موانئ نفطية في ليبيا يمثل عقبات أمام هذه الخطط..

وبعد يومين من الزيارة تعهد ماتيو سالفيني، بمنح السلطات الليبية 12 قارب دورية وبتدريب طواقم بخفر السواحل للتصدي للهجرة غير الشرعية المنطلقة من الشواطئ الليبية، وفق ما ذكرت وكالة «آكي» الإيطالية.

وأضاف سالفيني، في تصريحات للصحفيين على هامش مداخلة بمجلس النواب في روما مساء الأربعاء: «سيتم منح 12 قارب دورية إلى ليبيا مع ما يترتب على ذلك من تدريب للطواقم لمواصلة حماية الأرواح في البحر المتوسط».

ولفت إلى أن «إيطاليا دربت 213 ضابطا من خفر السواحل الليبي، ويمكن تدريب 300 آخرين ضمن عملية صوفيا الأوروبية»، لافتا إلى أنه «استنادا إلى آخر بيانات المنظمة الدولية للهجرة التي تم تحديثها في شهر مارس الماضي، يوجد في ليبيا 662 ألف مهاجر، 91% منهم ذكور و10% من القصر».

وثيقة من 10 نقاط
وبعد يوم من زيارة المسؤول الإيطالي، قدمت روما وثيقة طرحها رئيس الوزراء جوزيبي كونتي في قمة قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي غير الرسمية في بروكسل حول المهاجرين، محذرا أوروبا أنها أمام تحد حاسم إذا فشلت في تنفيذ سياسة فعالة لتنظيم تدفقات الهجرة وإدارتها، إذ أنها تخاطر بفقدان كامل البناء الأوروبي.

ودعت الوثيقة التي اطلعت «الوسط» على نسخة منها، وجاءت في 10 نقاط، للتحرك من إدارة الطوارئ، إلى الإدارة الهيكلية لظاهرة الهجرة، من خلال ضبط التدفقات الأولية (القدوم) في أوروبا، ومن ثم يمكن تنظيم التدفقات الثانوية (عمليات النزوح داخل أوروبا) في وقت لاحق.

كما شددت على ضرورة «إقامة مراكز الحماية الدولية في دول العبور، لتقييم طلبات اللجوء وتقديم المساعدة القانونية للمهاجرين، وأيضا للعودة الطوعية، ولهذا الغرض يجب على الاتحاد الأوروبي العمل مع المفوضية ومنظمة الهجرة العالمية».

ضرورة إنشاء مراكز استقبال للمهاجرين في عديد البلدان الأوروبية لحماية حقوق المهاجرين، بالإضافة إلى إصلاح نظام دبلن، وتقوية الحدود الخارجية، ودعم خفر السواحل الليبي

وطالبت الوثيقة بتكثيف الاتفاقات والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والبلدان التي يغادر منها المهاجرون، ضاربة مثالا بنجاح الخطة في كل من ليبيا والنيجر، اللذين ساعدا في تقليص عدد رحلات المغادرة بنسبة 80% خلال العام 2018، كما نصت على ضرورة إنشاء مراكز استقبال للمهاجرين في عديد البلدان الأوروبية لحماية حقوق المهاجرين، بالإضافة إلى إصلاح نظام دبلن، وتقوية الحدود الخارجية، ودعم خفر السواحل الليبي.

وطالبت إيطاليا أيضا بـ«إعادة تمويل الصندوق الاستئماني بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا (الذي يبلغ حاليا إجمالي السحب على المكشوف 500 مليون يورو)، وهو ما يؤثر أيضا على مكافحة الهجرة غير الشرعية على الحدود الليبية - النجيرية.

عقبات أمام الخطة الأوروبية
إزاء ما سبق أبرز تقرير لجريدة «ذا غارديان» البريطانية عقبات أمام خطة أوروبية لإنشاء مراكز استقبال مهاجرين في ليبيا، حين قالت إن الاقتتال للسيطرة على موانئ نفطية في ليبيا يمثل عقبات أمام خطط الاتحاد الأوروبي لإنشاء مراكز استقبال لاجئين في البلد للحد من أزمة الهجرة التي يعقد بشأنها الاتحاد اجتماعا طارئا الأسبوع المقبل.

وبحسب تقرير الجريدة، فقد اعترف دبلوماسيون أوروبيون كبار سرا بأن خطط إحلال الاستقرار بليبيا، التي تعتمد عليها الآمال طويلة المدى لإنهاء أزمة الهجرة التي تعانيها أوروبا، خرجت عن مسارها بصورة سيئة.

ووفق الجريدة، فالاتحاد الأوروبي يأمل في إنشاء مراكز لاستقبال المهاجرين في شمال أفريقيا، حتى لا ينقل جميع طالبي اللجوء الذين يجري إنقاذهم من البحر أثناء مهمات البحث والإنقاذ إلى إيطاليا، إلا أن المقترحات تعتمد أيضا بدرجة ما على المصالحة السياسية في ليبيا، التي ستؤدي إلى تعزيز الأمن ويجعل المناخ أقل مواءمة لمهربي البشر.

دبلوماسيون: القتال الأخير أظهر كيف أن ليبيا لا تزال بعيدة عن المصالحة السياسية، وأوضح أنه لا توجد جدوى من تنظيم انتخابات رئاسية إذا شابها عنف ولم تحترم كل الأطراف نتائجها»

لكن دبلوماسيين يقولون إن خطط إجراء انتخابات رئاسية في ليبيا هذا العام تبدو أقل احتمالا على نحو متزايد بعد معركة دامت أسبوعا للسيطرة على موانئ نفطية في البلد وانتهت بإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية النفطية الحيوية في البلد.

ونقلت الجريدة عن الدبلوماسيين الأوروبيين قولهم: «إن القتال الأخير أظهر كيف أن ليبيا لا تزال بعيدة عن المصالحة السياسية، وأوضح أنه لا توجد جدوى من تنظيم انتخابات رئاسية إذا شابها عنف ولم تحترم كل الأطراف نتائجها»، لافتة إلى أن الحاجة لتحقيق مصالحة بين الليبيين تصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى بالنسبة للسياسيين الأوروبيين في الوقت الذي تستجمع فيه الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة قواها بتسليط الضوء على قلقها إزاء أزمة الهجرة.

فكرة تدبير مراكز (للمهاجرين) تثير ريبة عديد الساسة الأوروبيين بسبب الأوضاع المهينة الموجودة في مراكز الاحتجاز في ليبيا»

لكنها رأت أن «فكرة تدبير مراكز (للمهاجرين) تثير ريبة عديد الساسة الأوروبيين بسبب الأوضاع المهينة الموجودة في مراكز الاحتجاز في ليبيا»، إذ قال رئيس لجنة حقوق الإنسان الفرعية بالبرلمان الأوروبي، أنطونيو بانزيري، إن أي تعاون مستقبلي يتحتم أن يكون مشروطا بغلق مراكز الاحتجاز الحالية.

وقالت المديرة المشاركة لقسم أوروبا ووسط آسيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، جوديث ساندرلاند، إن الخطة الأوروبية تثير مجموعة من التساؤلات: «من سيدبر المراكز؟ ما الضمانات المتاحة؟ هل سيكون للمنظمات غير الحكومية والمحامين حق الوصول لتلك المراكز؟ ما شروط الاستقبال؟ كيف ستتم حماية المجموعات الضعيفة؟ هل ستكون هناك احتمالات حقيقية لدى الأشخاص لإعادة توطينهم في الاتحاد الأوروبي؟».

واعتبرت «ذا غارديان» أن إحدى الصعوبات تتمثل في أنه سيجري منح عدد أقل نسبيا من طلبات اللجوء في مراكز معالجة بيانات طالبي اللجوء في أفريقيا، إذ أن الغالبية العظمى من طلبات اللجوء في إيطاليا يتم رفضها بعد تقييمها بحجة أن طالب اللجوء هو مهاجر لأسباب اقتصادية، وعلى الأرجح سيحدث مثل ذلك في بلدان مثل النيجر.

وقالت إن ذلك الأمر لا يقدم إجابة بشأن ما إذ كان طالب اللجوء الذي سيرفض طلبه سيكون له الحق في العودة الطوعية إلى بلده أو بدلا من ذلك السعي للوصول إلى أوروبا بطريقة أخرى، لافتة إلى أن المشكلة الحالية الأكبر في إيطاليا تتمثل في السرعة التي يتم بها تقييم طلبات لجوء المهاجرين الأفارقة وترحيلهم، وليس عدد الوافدين الجدد، الذي يتباطأ بصورة ملحوظة.

المزيد من بوابة الوسط