الهلال النفطي.. يفتح ملف «شرعية» مؤسسة النفط مقراً وتبعية!

حرائق الهلال النفطي. (الإنترنت)

دخل الصراع على النفط الليبي مرحلة حاسمة، تراجعت فيها التكتيكات العسكرية مقابل أوراق الضغط السياسية، وهو ما ترجمته المواقف التي أعقبت قرار القيادة العامة للجيش الإثنين الماضي تسليم المنشآت النفطية إلى مؤسسة النفط التابعة للحكومة الموقتة، بما لقيه من رفض دولي وتأكيد على شرعية المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس من قبل الأمم المتحدة وأميركا وشركائها الدولين، مع إشارات أممية واضحة نحو الاستعداد للعمل مع الشعب الليبي والمؤسسات الليبية المشروعة لتحقيق توزيع عادل للثروة الطبيعية للبلاد.

للاطلاع على العدد 136 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

فيما أعاد هذا التطور الهام التأكيد على حجم التباينات في المشهد الداخلي المنقسم، إذ وصل تباين المواقف إلى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق عبر تصريحات مناقضة لموقف المجلس صدرت عن أحد أعضائه، ولم يختلف الحال في مجلس النواب الذي اختلف تقدير أعضائه للقرار الذي اعتبر محللون أنه ورقة هامة في الصراع العسكري والتنافس السياسي بين أطراف محلية ودولية.

مسلسل أزمات الهلال النفطي
بدأت هذه الحلقة من مسلسل أزمات الهلال النفطي بعد أيام على استعادة الجيش الموانئ والمرافق النفطية، إذ أرجع الناطق باسم القيادة العامة، العميد أحمد المسماري تسليم المنشآت النفطية إلى مؤسسة النفط في بنغازي إلى سبيين، هو أن «المجموعات الإرهابية تحصل على الدعم المالي وعلى الآليات والأسلحة والذخائر وتعقد اتفاقات مع المرتزقة التشاديين من أموال النفط الذي نقوم نحن بتأمينه»، وأن الجيش «فقد رجالًا وآليات وقدرات ولم يتسلم من المؤسسة الوطنية للنفط درهمًا واحدًا ولم تخصص دينارًا للجيش الذي يتمكن دائمًا من التحرير والتطهير والتمكين».

يشار إلى أن قوات الجيش استعادت السيطرة على كامل منطقة الهلال النفطي الأسبوع الماضي، إثر اشتباكات خاضتها مع قوات تابعة لآمر حرس المنشآت النفطية فرع الوسطى السابق إبراهيم الجضران التي سيطرت الخميس 14 يونيو الجاري على ميناءي السدرة ورأس لانوف. وأظهر تسجيل مصور جرى تداوله الإثنين الماضي القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، وإلى جانبه آمر سلاح الجو اللواء صقر الجروشي عند استقباله آمر غرفة عمليات الهلال النفطي العميد أحمد سالم، وظهر سالم وهو يعطي التمام لحفتر بالقول: إن «الحقول والمنشآت النفطية تحت السيطرة التامة».

قيادة الجيش توجه كتابًا رسميًا إلى مؤسسة النفط في بنغازي يقضي بتسلم الموانئ النفطية في المنطقة الشرقية

وفور صدور قرار تسليم الموانئ النفطية لمؤسسة النفط في بنغازي، وجهت قيادة الجيش كتابًا رسميًا إلى مؤسسة النفط في بنغازي يقضي بتسلم الموانئ النفطية في المنطقة الشرقية، وهو ما جاء بعد اجتماع حضره القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني في البيضاء.

لكن المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس اعتبرت أنّ «القيادة العامة لا تتمتع بأي سلطة قانونية تمكّنها من السيطرة على صادرات النفط في ليبيا»، وحذرت في بيان «الشركات من الدخول في عقود لشراء النفط من المؤسسات الموازية»، قائلة: «لن يتم تكريم هذه العقود وستتخذ المؤسسة جميع الإجراءات القانونية المتاحة ضدها».

ويقول رئيس مجلس إدارة المؤسسة مصطفى صنع الله: «هناك مؤسسة وطنية شرعية واحدة للنفط، معترف بها لدى منظمة البلدان المصدرة النفط، الأوبك، ومن قبل المجتمع الدولي، كما تعتبر الصادرات من قبل المؤسسات الموازية غير قانونية، وستفشل كما فشلت في الماضي»، وأعادت مؤسسة النفط التذكير بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2362 .

للاطلاع على العدد 136 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في المقابل، أعلنت مؤسسة النفط في بنغازي -على لسان رئيسها سعيد- «احترام العقود السابقة المبرمة كافة من الشركات المستفيدة من النفط الليبي والموقعة مع مؤسسة طرابلس كونها المؤسسة الشرعية»، لافتًا إلى «تفعيل فروع المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس وسبها سعيًا للقضاء على المركزية».

انقسام واضح في الرئاسي
وترجمت المواقف الصادرة عن المجلس الرئاسي وبعض أعضائه انقساما واضحا، إذ رفض المجلس قرار القيادة العامة، وطالب في بيان مجلس الأمن بإيقاف أي عمليات بيع للنفط «غير قانونية»، معتبرا أن تسليم الموانئ النفطية لكيان غير شرعي يرسخ الانقسام ويزيد التوتر، وفي نفس السياق أعاد نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق التذكير بأن قرارات مجلس الأمن تحظر التعامل مع غير المؤسسة الوطنية للنفط، متعهدا بملاحقة أية مبيعات نفطية خارج شرعيتها.

في المقابل، كانت تصريحات نائب رئيس المجلس الرئاسي فتحي المجبري المناقضة لموقف الرئاسي ، إذ دعا إلى حوار بين كافة الأطراف انطلاقًا من قرار القيادة العامة للجيش، بعدما قال إنه يتفهم الإجراء الذي اتخذته القيادة، وأرجع في بيان تأييده قرار القيادة العامة للجيش إلى ما وصفها بـ«استمرار ثقافة الإقصاء والتهميش وعدم العدالة في توزيع موارد البلاد».

في هذه الأثناء، سجل المجلس الأعلى للدولة حضورا في المشهد، من خلال مباحثات أجراها رئيس المجلس خالد المشري والمبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة حول آخر المستجدات المتعلقة بالهلال النفطي، فيما لم يكشف البيان الصادر عن مجلس الدولة تفاصيل هذه المباحثات.

للاطلاع على العدد 136 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

واعتبر عضو المجلس أبوالقاسم قزيط، أن الأسباب التي قدمها المسماري «موجودة فعلاً، لكن طريقة المعالجة تكتنفها خطورة كبيرة»، معترفًا بأن «عوائد النفط تمول الميليشيات فعلاً، وبعض الأموال تتسرب إلى مجموعات معادية لقيام الدولة، وأن سياسة التجويع التي يمارسها الصديق الكبير يجب أن توقف بحزم»، لكنه عاد ليشير إلى أن «صدور القرار من القيادة العامة للجيش، وتجاوز البرلمان، يعزز مخاوف البعض من أن المسار الديمقراطي مهدد بالعسكرة»، وفق قوله.

عوة للخروج بمظاهرات
وانقسمت الآراء في مجلس النواب بين مؤيد ومعارض للقرار، إذ خرجت دعوة للخروج بمظاهرات تأييد للقرار على لسان عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، طارق الجروشي، الذي قال «نفد صبر الشعب الليبي في معاناة سيطرة الميليشيات على مؤسسات تتحكم في رزق الليبيين».

لكن عضو مجلس النواب فرج عبد الملك، اعتبر إن قرار القيادة العامة للجيش تسليم الحقول والموانئ بالهلال النفطي «جانبه الصواب وسيزيد البلاد انقسامًا في الوقت الذي نسعى فيه جميعا إلى لم الشمل من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية»، فيما رأى عضو مجلس النواب، مصباح دومة أوحيدة، أن إدخال مناطق النفط في ليبيا في صراعات مسلحة سيزيد الأوضاع سوءًا وسيؤدي إلى إضعاف ليبيا التي تمر بظروف «كارثية».

أوحيدة : معالجة هذه الأحداث يبدأ بتفعيل القرارات السابقة الخاصة بنقل مقر المؤسسة الوطنية للنفط إلى مدينة بنغازي وتفعيل الاتفاق السياسي بالخصوص

وأعاد قرار الإثنين الماضي الحديث عن إعادة المؤسسة إلى مقرها الأصلي في مدينة بنغازي بعد أن نقله القذافي إلى العاصمة طرابلس، ثم ما أعقب ذلك من صدور قرار في عهد حكومة علي زيدان بإعادة المؤسسة لبنغازي. واعتبر أوحيدة أن معالجة هذه الأحداث يبدأ بتفعيل القرارات السابقة الخاصة بنقل مقر المؤسسة الوطنية للنفط إلى مدينة بنغازي وتفعيل الاتفاق السياسي بالخصوص، خاصة إعادة هيكلة المؤسسة الوطنية للنفط وتسمية شخصيات قادرة على إدارتها ذات كفاءة»، ونصح عضو مجلس الدولة أحمد لنقي بالإسراع فى إتمام عملية النقل وإتمام مشروع المقر، وتوحيد المؤسسة بشقيها في شرق وغرب البلاد، وإنشاء فرع لها في بنغازي يباشر الاختصاصات المخولة له ويشرف على عمليات انتهاء المبنى الجديد ونقل أعمال المؤسسة إلى مدينة بنغازي .

في هذه الأثناء، خرجت المواقف الدولية لتؤيد عودة الموانئ والمرافق النفطية إلى سلطة مؤسسة النفط في طرابلس، إذ جاءت دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش إلى وقف التصعيد وإعادة جميع الموانئ والحقول النفطية إلى سلطة المؤسسة المعترف بها دوليًّا. وذكَّـر غوتيريش، في بيان وزعه الناطق باسمه، بقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2259) لسنة 2015، الذي شدد على ضرورة توحيد المؤسسات الليبية، وأكد الحق الحصري للمؤسسة الوطنية للنفط بالعاصمة طرابلس في تصدير الخام، لكن بيان الناطق الأممي نقل استعداد «الأمم المتحدة للعمل مع الشعب الليبي والمؤسسات الليبية المشروعة، وجميع أصحاب المصلحة لتحقيق توزيع عادل ومنصف للثروة الطبيعية للبلاد كجزء من ليبيا سلمية ومستقرة ومزدهرة».

وجاء البيان الأممي في أعقاب بيان آخر أصدرته حكومات الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا، الأربعاء، أعربا عن قلقها العميق إزاء خطوة الجيش، مشددة الدول الأربع على ضرورة «أن تظل هذه الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط الشرعية وتحت الرقابة الوحيدة لحكومة الوفاق الوطني، على النحو المبيّن في قرارات مجلس الأمن الدولي رقم (2259) لسنة 2015 و(2278) لسنة 2016 و(2362) لسنة 2017».

الدول الأربع: أي محاولة للالتفاف على نظام عقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سيسبّب ضررًا بالغًا لاقتصاد ليبيا، ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية

وحذرت الدول الأربع «أنّ أي محاولة للالتفاف على نظام عقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سيسبّب ضررًا بالغًا لاقتصاد ليبيا، ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوّض استقرارها الأوسع. وسيحمّل المجتمع الدولي أولئك الذين يقوّضون سلام ليبيا وأمنها واستقرارها المسؤولية كاملة».

ووسط هذه التطورات المتلاحقة والمواقف الواضحة، جاءت توقعات مؤسسة استشارات أميركية من زيادة مخاطر توقف إنتاج النفط الليبي، في حين سجلت أسواق النفط العالمية أجواءً من الغموض عقب هذا التطور، إذ يقول مدير مؤسسة «تريفكتا» لاستشارات الطاقة، سوكريت فيجاياكار، «الخطوة تزيد مخاطر توقف إنتاج النفط الليبي»، موضحًا: «مؤسسة النفط في طرابلس هي الكيان القانوني الوحيد الذي له الحق في بيع النفط».

وفي محاولة لفهم أسباب ما حدث، اعتبر الخبير النفطي الليبي د. محمد أحمد أن الليبيين وقعوا في مأزق الاعتراف الدولي مقابل القوة على الأرض، وقال «إن هذا الوضع لا يقود الا لمزيد من الصراع العبثي»، فيما يرى الباحث الاقتصادي علي الصلح أن «المشكلة الحقيقة هي المراهنة الدولية علي أطراف الأزمة، وهذه السياسة تسمى بإعادة توزيع الخطر علي الخصوم»، مشيرا إلى أن «تلك المراهنة تربط العقود المستقبلية واختيارات الأسواق».

لكن المحلل الاقتصادي والرئيس السابق لهيئة سوق المال سليمان الشحومي قال إن القرار يحظى بتأييد عاطفى باعتباره يتحدث عن تجفيف منابع تمويل الإرهاب، لكنه توقع أن يقود هذا القرار نحو «انهيار كبير علي مستوي ايرادات المالية العامة للدولة ويحرمها من فرصة القيام ببرنامج اصلاح اقتصادي تشكلت ملامحه الأساسية وصار لزاما تطبيقه و سيربك عمليات الإنفاق المتعثرة أساسا»، ليبقى مسلسل الصراع على النفط رهن سؤال أكبر حول الانقسام، فيما يرجح محللون تزايد معاناة المواطن الليبي نتيجة هذا التطور.

للاطلاع على العدد 136 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط