الصراع على النفط يعود إلى دوامة الانقسام

دخل الصراع على النفط الليبي حلقة جديدة عقب قرار القيادة العامة للجيش تسليم المنشآت النفطية إلى مؤسسة النفط التابعة للحكومة الموقتة، وهو ما أثار موجة جدل واسعة حول شرعية القرار الذي رفضه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، واعتبره مخالفًا لقرار «مجلس الأمن رقم 2362»، و«اتفاقات باريس»، كما فتح القرار الباب أمام تساؤلات بشأن مآلات حركة التجارة النفطية، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعيشها البلاد.

لم تكد تمر أيام على استعادة الجيش الموانئ والمرافق النفطية، حتى جاء قرار القيادة العامة للجيش، أمس الإثنين، بتسليم المنشآت النفطية إلى مؤسسة النفط التابعة للحكومة الموقتة، وهو ما علله الناطق باسم القيادة العامة، العميد أحمد المسماري، قائلاً: إن «المجموعات الإرهابية تحصل على الدعم المالي وعلى الآليات والأسلحة والذخائر وتعقد اتفاقات مع المرتزقة التشاديين من أموال النفط الذي نقوم نحن بتأمينه».

وأضاف المسماري: أن «الجيش توقع دعمًا من كل مؤسسات ليبيا وكل القطاعات وكل المكونات السياسية والاقتصادية» بعد تحرير الموانئ النفطية العام 2016»، وقال: «لم نحصل على أي دعم أو مساندة، ومئات الملايين تصرف على تأمين الهلال النفطي وفي كل مرة نفقد رجالًا وآليات وقدرات ولم نتسلم من المؤسسة الوطنية للنفط درهمًا واحدًا ولم تخصص دينارًا للجيش الذي يتمكن دائمًا من التحرير والتطهير والتمكين».

المسماري: لم نتسلم درهما أو دينارا
وفور صدور القرار، سلمت قيادة الجيش كتابًا رسميًا إلى مؤسسة النفط في بنغازي يقضي بتسلم الموانئ النفطية في المنطقة الشرقية، وهو ما جاء بعد اجتماع حضره قائد القيادة العامة للجيش الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني في البيضاء.

جاءت هذه التطورات المتلاحقة بعد أن استعادت قوات الجيش السيطرة على كامل منطقة الهلال النفطي الأسبوع الماضي، إثر اشتباكات خاضتها مع قوات تابعة لآمر حرس المنشآت النفطية فرع الوسطى السابق إبراهيم الجضران التي سيطرت الخميس 14 يونيو الجاري على ميناءي السدرة ورأس لانوف.

وأظهر تسجيل مصور جرى تداوله الإثنين القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، وإلى جانبه آمر سلاح الجو اللواء صقر الجروشي عند استقباله آمر غرفة عمليات الهلال النفطي العميد أحمد سالم، وظهر سالم وهو يعطي التمام لحفتر بالقول: إن «الحقول والمنشآت النفطية تحت السيطرة التامة».

وفي أول رد فعل لها على القرار، اعتبرت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس أنّ «القيادة العامة لا تتمتع بأي سلطة قانونية تمكّنها من السيطرة على صادرات النفط في ليبيا»، وحذرت في بيان «الشركات من الدخول في عقود لشراء النفط من المؤسسات الموازية»، قائلة: «لن يتم تكريم هذه العقود وستتخذ المؤسسة جميع الإجراءات القانونية المتاحة ضدها».

اقرأ أيضا: مؤسسة استشارات أميركية تتوقع زيادة مخاطر توقف إنتاج النفط الليبي

ويقول رئيس مجلس إدارة المؤسسة مصطفى صنع الله: «هناك مؤسسة وطنية شرعية واحدة للنفط، معترف بها لدى منظمة البلدان المصدرة النفط، الأوبك، ومن قبل المجتمع الدولي، كما تعتبر الصادرات من قبل المؤسسات الموازية غير قانونية، وستفشل كما فشلت في الماضي».

مؤسسة النفط لفتت إلى أن «ما قامت به القيادة العامة لا يختلف عمّا قام به المجرم إبراهيم الجضران، ولذلك يجب إدانة مثل هذه الأفعال بشدّة من قبل المجتمع الدولي والشعب الليبي كافة»، ورأت أن القيادة العامة «أدارت ظهرها لاتفاقات باريس والمصلحة الوطنية والطريق إلى السلام. كلّ ما نتمناه اليوم هو أن تعيش ليبيا في أمن وسلام».

قرار مجلس الأمن 2362
وأعادت مؤسسة النفط التذكير بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2362، مشيرة إلى أن القرار «كان صريحًا عندما دان المحاولات غير القانونية لتصدير النفط من ليبيا، بما في ذلك النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة، من قبل المؤسسات الموازية التي لا تعمل تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني».

في المقابل، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للحكومة الموقتة، فرج سعيد، لـ«بوابة الوسط»: «تشكيل لجنة ستشرع في زيارة الهلال النفطي غدًا أو بعد غد كأقصى تقدير لتقييم الأضرار»، لافتًا إلى أنهم سيقررون رفع حالة القوة القاهرة عن الموانئ النفطية «بناءً على تقييم الأضرار».

في الوقت نفسه، أعلنت مؤسسة النفط في بنغازي -على لسان سعيد- «احترام العقود السابقة المبرمة كافة من الشركات المستفيدة من النفط الليبي والموقعة مع مؤسسة طرابلس كونها المؤسسة الشرعية»، لافتًا إلى «تفعيل فروع المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس وسبها سعيًا للقضاء على المركزية».

الأمر نفسه ورد على لسان الناطق باسم الحكومة الموقتة، حاتم العريبي، الذي قال إن «جميع التعاقدات مع الشركات النفطية ستكون كما هي، مشيرًا إلى ضمان التوزيع العادل لعوائد النفط لجميع المناطق الليبية في شرق وغرب وجنوب ليبيا، والحفاظ على أموال وثروات الليبيين.

لكن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق طالب كلا من مجلس الأمن الدولي ولجنة العقوبات بتتبع وإيقاف أي عمليات بيع قانونية قد تحدث بسبب هذا الفعل، منوها في بيان رسمي إلى القرار رقم 2362 الذي يدين كل المحاولات غير القانونية للتصرف في النفط الليبي من أي مؤسسات موازية.

في الوقت نفسه انعكس إنقسام المشهد على مواقف أعضاء المجلس الرئاسي، إذ قال نائب رئيس المجلس، أحمد معيتيق، إن المؤسسة الوطنية للنفط هي القناة الوحيدة الشرعية المصدرة النفط وإدارة الموارد النفطية في ليبيا. لكن نائب رئيس المجلس، على القطراني، عبر عن دعمه الكامل قرار القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر، بشأن تسليم الموانئ النفطية إلى المؤسسة الوطنية للنفط تابعة للحكومة الموقتة.

وأكد في بيان أن الموارد النفطية هي ملك لليبيين كافة ولا يجوز لأي طرفٍ حرمان جزء من الشعب الليبي من التمتع بعائداتها، مضيفًا: «حان الوقت ليتحصل كل إقليم على نصيبه من عوائد النفط».

مخاطر توقف إنتاج النفط
وما بين رفض المؤسسة في طرابلس وتعهدات في بنغازي، جاءت توقعات مؤسسة استشارات أميركية زيادة مخاطر توقف إنتاج النفط الليبي بعد قرار القيادة العامة للجيش تسليم المؤسسات والموانئ النفطية لمؤسسة النفط التابعة للحكومة الموقتة، في حين سجلت أسواق النفط العالمية أجواءً من الغموض عقب هذا التطور.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مدير «تريفكتا» لاستشارات الطاقة، سوكريت فيجاياكار، قوله «الخطوة تزيد مخاطر توقف إنتاج النفط الليبي»، موضحًا: «مؤسسة النفط في طرابلس هي الكيان القانوني الوحيد الذي له الحق في بيع النفط».وسيطر التوتر على أسواق النفط اليوم، فيما اعتبرته «رويترز» انعكاسًا لـ«عدم التيقن بشأن صادرات الخام الليبية»، إذ سجلت العقود الآجلة لخام برنت عند 74.80 دولار للبرميل مرتفعة سبعة سنتات بنسبة 0.1% عن إغلاقها السابق.

ووسط هذه التوترات يبقى مسلسل الصراع على النفط رهن سؤال أكبر حول الانقسام، فيما يرجح محللون تزايد معاناة المواطن الليبي نتيجة هذا التطور.

اقرأ أيضًا: مؤسسة النفط: قرار تسليم المنشآت تجاوز لقرارات مجلس الأمن.. وما قامت به القيادة العامة لا يختلف عن الجضران
 

المزيد من بوابة الوسط