أحداث الهلال النفطي.. خسائر باهظة وجرس إنذار للعملية السياسية

جانب من أحداث الهلال النفطي

أعادت أحداث الهلال النفطي التي دارت أحداثها خلال الأسبوع الماضي، التداخل بين الثورة النفطية والصراع السياسي إلى الواجهة من جديد، لكنها لم تكن أمرًا مفاجئًا، إذ سبق أن أعلن آمر منطقة الخليج العسكرية العميد خليفة امراجع في 27 مايو الماضي حالة النفير القصوى بمنطقة الهلال النفطي، تزامنت مع أنباء عن حشود تسعى للتقدم نحو المناطق المتاخمة لمناطق الهلال النفطي.

وبقيت الأوضاع على ما هي عليه حتى حلّ هجوم الجضران وقواته يوم الخميس قبل الماضي بأحداثه الساخنة والمتسارعة، التي لم تكتف بتداعيات بشرية ومادية باهظة تضاعف الأزمة، بل تركت أسئلة حول من المستفيدين والدوافع التي تقف وراء الهجوم.

أسبوع الخسائر
وخلال سبعة أيام ما بين الهجمات واستعادة السيطرة على منطقة الهلال النفطي، أسبوع من الخسائر المتراكمة التي تكبدها الاقتصاد الليبي وصلت إلى 33 مليون دولار في اليوم، جرّاء فقدان 450 ألف برميل يوميًا، فضلاً عن تكلفة بمئات الملايين من الدولارات لإعادة الإعمار، وفقما يكشفه التسلل الزمني لأحداث الأسبوع على النحو التالي:

في فجر 14 يونيو الجاري، استعاد الهلال النفطي الذكريات السيئة لمشهد حرائق المرافق النفطية، واستيقظ الجميع على صور تداولتها صفحات التواصل الاجتماعي لسحب الدخان التي تتصاعد من خزان نفطي لم يتبين موقعه بدقة، ومع تطور الأحداث تكشفت حقيقة هجوم شنه الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية (الوسطى) إبراهيم الجضران، وهي المنطقة الواقعة بين الوادي الأحمر، كيلو متر شرق مدينة سرت، وحتى رأس لانوف، التي تعتبر منطقة مغلقة عسكرياً (وفق تصريحات العميد المبروك الفرجاني المسؤول بالغرفة لـ«الوسط)».

الظهور الإعلامي للجضران
في اليوم نفسه، عاود الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية إبراهيم الجضران الظهور الإعلامي بعد غياب لأكثر من عام ونصف العام عقب استعادة الجيش السيطرة على الهلال النفطي، وفي تسجيل فيديو أعلن الجضران تجهيز قوة تضم حرس المنشآت النفطية والقوات المساندة من أبناء قبيلتي المغاربة والتبو وبقية أبناء منطقة الهلال النفطي، وأصدرت قواته بياناً وصف فيه ما يحدث في منطقة الهلال النفطي بأنه «معركة رفع الظلم عن سكان الهلال النفطي وليست معركة من أجل مطمع شخصي أو قبلي أو جهوي أو حزبي».

وارتبط اسم إبراهيم الجضران بقفل الموانئ النفطية فيما يعرف بمنطقة الهلال النفطي (شمال شرق ليبيا) بعد أن ظل مسيطراً عليها بين سنوات 2013 و2016، مما أدى إلى توقف إنتاج وتصدير النفط الليبي خلال السنوات الثلاث. وفي سبتمبر من العام 2016 أعلنت القيادة العامة للجيش سيطرتها على ميناءي السدرة ورأس لانوف الرئيسيين إثر هجوم مباغت تحت اسم «عملية البرق الخاطف». واستطاعت قوات ما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي» في أوائل مارس العام 2017 السيطرة على منطقة الموانئ النفطية، إلا أن ذلك لم يستمر سوى أيام تمكنت بعدها قوات الجيش من طرد تلك القوات وألحقت بها خسائر كبيرة، وأحكمت سيطرتها الكاملة على المنطقة.

«القوة القاهرة»
عقب اندلاع الاشتباكات، كان إعلان مؤسسة النفط حالة «القوة القاهرة» ووقف عمليات شحن النفط الخام وإجلاء موظفيها من ميناءي رأس لانوف والسدرة، وطالبت الجضران بالخروج الفوري المباشر دون أي قيد أو شرط من منطقة الهلال النفطي، محذرة من كارثة بيئية ودمار للبنية التحتية سيكون لها أثر هائل على القطاع النفطي وعلى الاقتصاد الوطني.

خسائر الإنتاج
وحسب تقديرات المؤسسة، فإن خسائر الإنتاج النفطي بلغت أكثر من 400 ألف برميل، كما حذر رئيسها مصطفى صنع الله من أن استمرار هجوم «المارق إبراهيم الجضران» سوف يسبب خسائر ستصل إلى أكثر من 800 مليون دولار شهرياً، بالإضافة إلى خسائر بمئات الملايين من الدولارات لإعادة البناء، وعشرات المليارات كفرص بيعية ضائعة».

لكن الجضران طالب الأحد «المجتمع الدولي بتشكيل لجنة لزيارة منطقة الهلال النفطي للوقوف على حقيقة الوضع القائم»، وفي محاولة لإظهار حسن النية أعلن تسليم الهلال الأحمر الليبي عدداً من الجثث سواء كانوا من قتلى الجيش أو من «الجنسيات الأفريقية»، بالإضافة إلى «إطلاق عدد من الجرحى الذين أُصيبوا أثناء القتال»، فيما أعلن «الهلال الأحمر» الليبي بإجدابيا بدء عمليات تسلم محتجزين، وانتشال جثث بمنطقة رأس لانوف، دون أن يذكر أية تفاصيل حول هوية أصحاب الجثث.

حرائق الخزانات
في هذه الأثناء، كشف تطور الأحداث حقيقة صورة الخزان النفطي في أول أيام الاشتباكات، إذ أعلنت مصادر نفطية، الأحد، انهيار الخزان رقم 2 وانتقال النيران إلى حوض التصريف (البت)، حيث أصبح ﻻ يمثل خطراً على باقي الخزانات، وهو ما أكدته مؤسسة النفط من «فقدان الخزانين رقمي 2 و12 في ميناء رأس لانوف بعد هجوم الخميس الماضي، ما أدى إلى انخفاض السعات التخزينية من 950 ألف برميل إلى 550 ألف برميل من النفط الخام، حسب تقديرات المؤسسة.

ويقدر رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله عدد خزانات النفط في ميناء رأس لانوف بنحو 13 خزاناً قبل ثورة 17 فبراير، موضحاً: أصيب منها 8 خزانات في الحروب الماضية وبقي منها 5، قبل أن يصاب 2 آخران، ما يعني أن ما تبقى هو 3 خزانات فقط.وتزايدت وتيرة الاتهامات بانضواء مرتزقة أفارقة وعناصر من الطوارق في صفوف قوات الجضران، إذ اتهمت مؤسسة النفط «مرتزقة أفارقة في صفوف ميليشيات الجضران بارتكاب عمليات سطو واستيلاء على الممتلكات الشخصية لموظفي المؤسسة»، فيما نفى المجلس الاجتماعي لقبائل الطوارق تلك الاتهامات في بيان أكد أن المجلس «بريء من أي شخص من أبناء المكون، تسول له نفسه المساس بوحدة وسلامة التراب الليبي أو العبث بثرواته التي هي ملك لكل أبناء الوطن».

كذلك نفى عضو المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة فرج محمد غميض، ما تردد عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الإعلامية عن مساندته أو تقديم أي دعم لـ«قوات الجضران» التي سيطرت على الموانئ النفطية مؤخراً من خلال هجمات مسلحة. في ما نفى المجلس المحلي بمدينة بني وليد ما نشر عن مشاركة بعض الشباب من المدينة في الحرب الدائرة بمنطقة الهلال النفطي.

حشد عسكري وتحرير المنطقة
وعسكرياً، حشد الجيش نحو 20 ألف مقاتل وسط البلاد لتحرير منطقة الهلال النفطى بالكامل، وأطلق عملية عسكرية كبيرة لتأمين ثروات الليبيين ومع استمرار اشتباكات الكفر والفر بين الجيش وقوات الجضران كان حديث الأخير عن «تعرض خزانات شركة الهروج النفطية للقصف ببراميل متفجرة بعد تحليق الطيران فوقها».

ومع استمرار الاشتباكات والكر والفر بين الجانبين كان لقاء القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر مع آمر غرفة عمليات الهلال النفطي العميد أحمد سالم، وفي توقيت متزامن وصلت قوتان من الإدارة العامة لأمن المنافذ التابعة لوزارة الداخلية بالحكومة الموقتة إلى ميناءي البريقة وأجدابيا للمشاركة في تأمينهما، ومساندة قوات الجيش في «عملية تحرير» الموانئ النفطية، التي انتهت بالسيطرة الكاملة الخميس الماضي 21 يونيو.

تفاعل سياسي
وسياسياً، عبر المجلس الرئاسي عن موقف واضح من تطورات الأحداث في الهلال النفطي عبر بيان اعتبر أن «القوة المسلحة التي قامت بالهجوم خارج الشرعية»، وذلك رغم إعلان الجضران في أول ظهور له أن الحقول والموانئ النفطية مفتوحة وتحت شرعية حكومة الوفاق الوطني المدعومة دولياً ومؤسسة النفط، في الوقت نفسه حمل مجلس النواب المسؤولية لـ«كافة الأطراف الداعمة لميليشيات الجضران وسرايا الدفاع عن بنغازي»، لكن بقي سؤال أسباب وتوقيتات هذا التطور قائمة.

وربط عضو مجلس النواب عن الزنتان عبد السلام نصية بين الدعوة للانتخابات الرئاسية والهجوم على الهلال النفطي، وقال نصية في تصريحات: «إن أصحاب المصالح دائماً يتحركون وبعنف ضد مقدرات الليبيين عندما يتم الحديث عن انتخاب رئيس للبلاد».

وأعاد التذكير بما حدث في العام 2014، وقال: «عندما أقرت مقررات لجنة فبراير تم الهجوم على المطار واجتياح المدن وإشعال حرب في غرب ليبيا قادت إلى تقسيم المؤسسات وإفشال انتخاب الرئيس». وتابع: «اليوم وبعد اتفاق باريس و تحديد موعد للانتخابات الرئاسية وأصبح هناك أمل في أن نخرج من مربع القيادة الجماعية وإنهاء التدخل الخارجي تحرك أيضاً أصحاب المصالح وأشعلوا حرباً على قوت الليبيين وتم تدمير المنشآت النفطية».

وتساءل نصية حول من الذي ساند ودعم هذه القوات وأين كانت؟ وكيف تحركت بهذه الأعداد من الآليات في ظل السيطرة الجوية للدول الإقليمية على الأجواء الليبية؟

عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب طارق الجروشي كان أكثر تحديداً في اتهاماته، إذ وصف الهجوم على الحقول والموانئ النفطية بأنه «مخطط من مخابرات دول لا تريد استقرار ليبيا»، وأشار إلى أن «هناك دولاً غير راضية عن مخرجات اجتماع باريس، وما نتج عنه من تحديد موعد لانتخابات رئاسية وبرلمانية تخرج ليبيا من الأزمة الراهنة»، قائلاً إن «تركيا وقطر، بالإضافة إلى شبهات تدور حول إيطاليا، هي مَن تقف وراء الهجوم على منطقة الهلال النفطي».

الموقف الدولي
ووسط هذه التساؤلات والتوقعات، كان الموقف الأميركي والأوروبي واضحاً من تطورات ما يحدث بالتأكيد على دور مؤسسة النفط في إدارة الموارد النفطية، إذ عبرت الناطقة باسم خدمة العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل مايا كوسيانسيتش عن موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لسيطرة المؤسسة على الحقول والمنشآت النفطية، لتذهب العائدات إلى البنك المركزي. 

فيما دعت واشنطن كل الأطراف المسلحة للانسحاب فوراً من المنشآت النفطية، وقالت الخارجية الأميركية في بيان: «ترى الولايات المتحدة أنه ينبغي أن تظل هذه الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط، وتحت إشراف حكومة الوفاق الوطني وحدها».

وشددت على أن ‏منشآت النفط وإنتاجه وإيراداته هي ملك الشعب الليبي، وينبغي أن تظل تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط وفقاً لقراري مجلس الأمن الدولي رقمي 2259 و2278، في هذه الغضون تجري لندن مشاورات مع الشركاء الدوليين في مجلس الأمن لمناقشة الإجراءات الممكن اتخاذها بشكل جماعي لمساعدة ليبيا في هذا الخصوص»، وأكد السفير البريطاني لدى ليبيا فرانك بيكر، أن بلاده «تتعامل مع هذا الموضوع بكل جدية».

لكن بقيت المخاوف من تحذيرات بعثة الأمم المتحدة للدعم من من «أن هذا التصعيد الخطير يعرض اقتصاد ليبيا للخطر، ويهدد بإشعال مواجهة واسعة النطاق في البلاد»، إذ أنها تحذيرات تجد لها شواهد ملموسة على الأرض.

عودة الإنتاج
وبالتزامن مع السيطرة الكاملة التي فرضتها قوات الجيش على الموانئ، أطلق رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله تصريحات من فيينا حيث يشارك في اجتماع لمنظمة «أوبك»، عبّر فيه عن أمله في أن يستأنف العمل يميناءي رأس لانوف والسدرة خلال «اليومين المقبلين».

جانب من أحداث الهلال النفطي

المزيد من بوابة الوسط