«فورين بوليسي»: إجراء انتخابات مبكرة في ليبيا دون مؤسسات قوية يحفز الصراع ولا يحله

قالت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية في تقرير تحليلي إن الدعوة لإجراء انتخابات في ليبيا بنهاية العام الجاري في غياب مؤسسات مستقرة، في ظل التنافس على النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي، لن يعيد بناء الدولة، بل سيدمرها تمامًا.

وقال معد التقرير الباحث جيسون باك إن المجموعات المسلحة في ليبيا تتنافس للمرة التاسعة منذ 2011 للسيطرة على منطقة الهلال النفطي ذات الأهمية الاستراتيجية، والتي يضم موانئ السدرة ورأس لانوف، أكبر موانئ التصدير بالبلاد.

ولفت إلى أن منطقة الهلال النفطي ظلت لسنوات تحت سيطرة قوات ابراهيم الجضران، الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية، حتى تحركت قوات الجيش، بقيادة المشير خليفة حفتر، وسيطرت عليها في سبتمبر 2016.

وفي مارس 2017، حاولت سرايا «الدفاع عن بنغازي» السيطرة على المنطقة، لكنها فشلت، وفي 14 يونيو الجاري، قالت المجلة إن « قوات ابراهيم الجضران تحركت من جديد وسيطرت على رأس لانوف والسدرة، بالتحالف مع قبائل وجهاديين، ونازحين من بنغازي، ومقاتلين «مرتزقة» من تشاد».

لكن الكاتب رأى أنه «من غير المحتمل أن يستطيع الجضران الإبقاء على تلك المنشآت النفطية تحت سيطرته لفترة طويلة، رغم كثرة داعميه. فقوات حفتر هي التي تملك قوات جوية وستستعيد السيطرة بالتأكيد على منطقة الهلال».

وتابع: «قالت وسائل إعلام تابعة لخليفة حفتر إن قواته سيطرت على رأس لانوف مع هروب الجضران من المشهد والقبض على بعض المرتزقة التابعين له. وذلك لأن الجضران فشل في الحصول على دعم المجموعات المسلحة الرئيسية، المنافسة لحفتر، مثل تلك التي في مصراتة، وميليشيات العاصمة طرابلس».

يجدر الإشارة إلى أن قوات الجيش الليبي أعلنت استعادة السيطرة على منطقة الهلال النفطي، وقال الناطـق باسم القـيادة العامة للقـوات المسلحة الليبية، العميد أحمد المسماري، أمس الجمعة إنه «تم تثبيت السيطرة على الهلال النفطي بالكامل». 

أقرأ أيضًا: عقيلة صالح يبارك انتصارات الجيش في الهلال النفطي

وأشارت المجلة إلى أنه «رغم وعود الجضران بعدم المساس بالبنية التحتية للمنشآت النفطية، والإبقاء عليها سليمة، إلا أن النيران اندلعت بخزانات النفط، الأسبوع الماضي، ما يعني ضياع خام يُقدر ملايين الدولارات، والتهديد بكارثة بيئية، ما يثير شكوكا حول الأرباح المستقبلية للنفط».

«أمر متوقع»
وقال الكاتب إن اندلاع الموجة الأخيرة من العنف «متوقعة»، ورأى أن حديث الحكومات الغربية الأخير حول إجراء انتخابات ربما يكون من أكبر أسباب تأجيج الصدامات بعد ما يقرب من عام من الهدوء.

وأضاف أن إجراء انتخابات مبكرة في ليبيا دون وجود مؤسسات قوية وفعالة، يحفز الصراع ولا يحله. ففي النهاية، وجود مؤسسات يعني تحديد مسؤوليات الطرف الرابح في الانتخابات، وتحدد أيضا سبل الحماية التي يجب أن تتوافر للطرف الخاسر.

وحذر الكاتب قائلا: «في غياب تلك المؤسسات، الانتخابات ستشعل الصراعات والخلافات الموجودة، وحتى تلك الجامدة، ما يؤدي إلى تنافس كامل على السلطة».

وهنا تساءل التقرير، لماذا تصر الحكومات الغربية على تكرار الخطأ نفسه؟ وقال إن «بعض المتفائلين يرون أن السبب هو إرساء الديمقراطية. تلك الإجابة قد تكون صحيحة في بعض الحالات، لكن عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية الغربية في ليبيا، فإن الأمر مختلف تماما».

وتابع الكاتب قائلا: «الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا، لا ترى أن هناك حاجة للتنافس في ليبيا. لكن فرنسا وإيطاليا وغيرهما من القوى الأخرى المتورطة بشكل مباشر في ليبيا لديها أسبابها الخاصة للإلقاء بثقلها والسيطرة على (الملف الليبي)».

«مغامرة فرنسا»
وتحدث الكاتب عن المبادرة الفرنسية لحل الأزمة في ليبيا، وقال: «يبدو أن إدارة الدفة نحو إجراء انتخابات مبكرة في ليبيا، بعقد قمم مختلفة رفيعة المستوى، هي صلب مغامرة فرنسا للسيطرة داخل ليبيا». واستضافت فرنسا القمة الليبية الأولى، يوليو الماضي، بين رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، وقائد الجيش المشير خليفة حفتر.

وتابع الكاتب قائلا: «في يوليو الماضي، تخلى المبعوث الأممي، غسان سلامة، بدعم من فرنسا، عن مرحلتين هامتين سبق وأعلنت الأمم المتحدة أنهما من الشروط التمهيدية الأساسية لإجراء انتخابات في ليبيا، وهما تعديل الاتفاق السياسي وإجراء مؤتمر وطني جامع». وجاء ذلك عقب اجتماع استضافته باريس حضره فائز السراج وخليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري.

وقال الكاتب: «في خضم هذا النشاط الدبلوماسي، يبدو أن فرنسا والأمم المتحدة نسيت موقف الإطار القانوني الذي سيحكم تلك الانتخابات»، وأضاف: «لا أحد يعلم، في ليبيا أو على المستوى الدولي، ما إذا كانت الانتخابات التي ستُجرى رئاسية أم برلمانية. ولا أحد يعلم ما يحدث مع مسودة الدستور، وهي بانتظار التصويت عليها».

وأضاف: «لم تحاول فرنسا توضيح تلك النقاط المبهمة، وفشلت أيضا في تقديم نفسها باعتبارها وسيطا محايدا في المفاوضات، إذ أقامت باريس علاقات وثيقة مع خليفة حفتر إبان وجود الرئيس الرئيس السابق فرانسوا هولاند ووزير الدفاع جان إيف لودوريان. واستمرت تلك السياسة مع وصول إيمانويل ماكرون لسدة الحكم، ما يجعلها الدولة الغربية الوحيدة التي تتفق سياستها في ليبيا مع سياسة مصر والإمارات وروسيا».

وفي سعيها للسيطرة على «ملف ليبيا»، قال التقرير إن «فرنسا سعت للنفوذ ليس فقط عبر دعم حفتر ضد أعدائه، لكن عن طريق إقامة قمم مفاجئة ووضع الحقائق على الأرض».

معارضو «مبادرة باريس»
ورأى الكاتب أن القمة الأخيرة التي استضافتها باريس «زادت من شرعية حفتر، ووضعته في موضع متقدم قبيل السباق الانتخابي»، ولفت إلى أن «القمة أغضبت لندن وواشنطن وروما، ولاسيما الأخيرة، إذ لم يتم إخبارهم قبيل الإعلان عنها. وتعد فرنسا وإيطاليا صاحبتي المصلحة الأكبر في قطاع النفط والغاز في ليبيا».

وتميل إيطاليا للنظر إلى الأزمة في ليبيا من خلال عدسة الهجرة غير الشرعية، ويتنافس الساسة الإيطاليون لتبني موقع حازم بخصوص الهجرة، وإقامة علاقات أمنية مع الأطراف الفاعلة في غرب ليبيا والسياسيين وقادة المجموعات المسحلة لمنع المهاجرين من عبور ليبيا إلى سواحل أوروبا الجنوبية.

وقال الكاتب: «تم السماح لدوامة العنف الأخيرة بالاندلاع بينما غض معارضو المبادرة الفرنسية، من الأطراف الليبية والدولية، الطرف، في حين تحرك الجضران بقوة ضد خليفة حفتر، حليف باريس».

وتابع: «هجوم الجضران كان معدًا له جيدًا منذ تحركت (كتائب الدفاع عن بنعازي) للهجوم على قاعدة تمنهنت الجوية، نهاية مايو الماضي. وقامت القوى الغربية، بينها فرنسا، بالتحذير، لكنها لم ترسل رسالة قوية كفاية لوقف الاعتداء على المنشآت النفطية. ولاحظ حفتر تحضيرات الجضران للهجوم على الهلال النفطي منذ ثلاثة أسابيع مضت».

لكن يبدو أن القوى الدولية تتفق جميعها على ضرورة حماية المنشآت والبنية التحتية النفطية، إذ إن زيادة الإنتاج النفطي هي الضامن الوحيد لحماية ليبيا من الانهيار الاقتصادي، لكن ليبيا تفتقر للا
مكانيات والوضع الأمني اللازم لإصلاح البنية التحتية المتضررة على يد خبراء.

وأما بريطانيا والولايات المتحدة، أحد أكثر الحلفاء الليبيين حيادية، فرأى الكاتب «أن كلاهما خذل ليبيا مجددا. فمع تحضير الجضران لهجومه، كان يجب على واشنطن ولندن وضع خطة جيدة لحماية المنشآت النفطية، وإرسال رسالة قوية تحذر بعواقب وخيمة لأي طرف يتحرك لمهاجمة الهلال النفطي. فالإدانات لن تكفي لمنع دائرة العنف المقبلة».

نفوذ سياسي
ورغم الاندلاع الدوري للمعارك المسلحة في منطقة الهلال النفطي، قال الكاتب إن سيطرة أي فصيل على المنطقة لا يعني حصوله على المدفوعات المالية الضخمة التي تدفعها شركات النفط الأجنبية، إذ أن كافة العقود والمدفوعات المالية تتم بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط، وتُحول إلى مصرف ليبيا المركزي.

لكن الكاتب لفت إلى أن السيطرة على الهلال النفطي يضمن نفوذا سياسيا قويا لأي فصيل، لكنه قال إن «المشير حفتر لم يستخدم هذا النفوذ بل حرص على استمرار تدفق الخام. والعكس يمكن أن يقال عن الجضران، والذي تسبب في خسارة ليبيا أكثر من مئة مليار دولار خلال فترة حصاره للمنشآت النفطية من 2014 - 2016».

وحذر التقرير من تكرار سيناريو العام 2014، إذ اقتحمت الأطراف الخاسرة في انتخابات مجلس النواب (الإسلاميين ومجموعات مصراته)، مطار طرابلس الدولي، وأعلنوا الحكومة الخاصة بهم. وعندها تحركت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبا لوضع ضمانات أمنية صارمة لحماية المنشآت النفطية الهامة.

وقال الكاتب: «الآن هو الوقت المناسب للاستفادة من الأخطاء السابقة»، مؤكدا على ضرورة أن تتحرك الولايات المتحدة وبريطانيا، وعدم السماح بإقامة انتخابات أخرى تضعنا في موقف «الفائز يأخذ كل شيئ».

وأضاف: «بدلا من الانخراط في حديث غير مفيد عن الديمقراطية، يجب على الدبلوماسيين في واشنطن ولندن السعي لتصحيح العقلية القائمة في ليبيا، حيث يحاول الفائز تهميش الخاسر والسيطرة على كافة الغنائم».