«فورين أفيرز»: الانتخابات المبكرة في ليبيا ستكون «كارثية» دون أساس دستوري

حذر مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية من أن التسرع نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ليبيا، دون إطار أو قواعد دستورية متفق عليها، ينذر بتأجيج الصراع وخلق دائرة موسعة جديدة من العنف.

وقال كاتبا المقال، الباحثان فريدريك ويري وولفرام لاغر، إنه «مع غياب أساس دستوري قوي، ستفرز الانتخابات حكومة ذات شرعية متنازع عليها»، ولفتا إلى أن «غياب دستور يترك قضية سلطات الرئيس مفتوحة دون حسم، وهو ما يمثل مصدر قلق كبير بالنسبة لمعارضي قائد الجيش المشير خليفة حفتر».

وفي ضوء الوضع الراهن في ليبيا حيث تتنافس مجموعات مسلحة متعددة على السلطة، أكد الباحثان أن «غياب قواعد متفق عليها يمثل أزمة حقيقية. وقد تخلق الانتخابات الرئاسية وضعًا يحظى فيه الفائز بكل شيء، وهذا من شأنه تصعيد الصراع».

وفي حين يرى بعض الحكومات الغربية أن إجراء الانتخابات البرلمانية أقل خطرًا من الانتخابات الرئاسية، رأى الباحثان أن «الانتخابات الرئاسية تنذر بتصعيد الصراع بين المعسكرين الرئيسيين، لكن الانتخابات البرلمانية تنطوي على خطر انتشار العنف على نطاق واسع على المستوى المحلي».

وأضافا: «مسودة الدستور الحالية مثيرة للخلاف، وإجراء تصويت عليها من شأنه زيادة الانقسام»، والبديل الموجود هو استخدام إطار وضعه البرلمان السابق في 2014، لكن الخلاف حول شرعية هذا الإطار هو ما خلق أزمة الشرعية التي تعاني منها ليبيا الآن.  

ورأى المقال، نُشر أمس الثلاثاء، أن «إجراء انتخابات حرة في شرق ليبيا، الواقعة تحت سيطرة خليفة حفتر، أمر مستحيل تقريبًا. وأيضًا خارج المنطقة الشرقية، ستتأثر نتائج الانتخابات بنفوذ المجموعات المسلحة القوية».

ورغم انتقاد البعض فكرة إجراء انتخابات في ظل الأجواء الراهنة، يرى أنصار تلك المبادرة أن الانتخابات وحدها يمكنها إفراز حكومة جديدة تحظى بالدعم الشعبي المطلوب لتفادي المأزق القانوني الذي يؤثر على الهيئات التشريعية والتنفيذية كافة في ليبيا.

ويرى هؤلاء أيضًا أن الانتخابات فرصة لتحييد «المفسدين» في كلا المعسكرين، واستبدال حكومة أكثر فاعلية بحكومة الوفاق الوطني، والتي رأى المقال أنها «تعاني من أجل فرض سلطتها».

الاتفاق السياسي «معيب»
وأرجع المقال أسباب حالة الجمود التي تعاني منها ليبيا حاليًا إلى «الاتفاق السياسي المعيب، الموقع في الصخيرات في 2015»، قائلاً: «هدف الاتفاق السياسي هو إنهاء القتال بين قوات (عملية الكرامة) وعملية (فجر ليبيا)، وأنتج حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، لكنها غير قادرة على توحيد الهيئات السياسية والاقتصادية والعسكرية المنقسمة في ليبيا».

وأضاف: «التحضيرات والاجتماعات التي سبقت الاتفاق السياسي كانت متسرعة، برعاية القوى الخارجية. وجملًة، جاء الاتفاق بين طرفين فقط للصراع، في حين أن أطراف الصراع الحقيقية متعددة وكثيرة. والاعتماد فقط على الموقعين من الجانبين الشرقي والغربي في ليبيا، والذين لم يمثلوا الأطراف كافة على الأرض، مهَّد الطريق أمام استمرار الجمود».

وتحدث الباحثان عن نقطة خلاف أخرى بالاتفاق وهي المادة الخاصة بقائد القوات العسكرية، وقالا: «سلطة القائد العام للقوات المسلحة كانت محل خلاف. فالمنصب بموجب الاتفاق السياسي من سلطات حكومة الوفاق الوطني، وهو شرط رفضه خليفة حفتر وداعموه».

وفي محاولة لتعديل الاتفاق السياسي، قدم المبعوث الأممي غسان سلامة خطة عمل تتضمن تعديل الاتفاق وإقامة مؤتمر وطني جامع، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، لكن الخطة تعرضت لعقبات في جميع مراحلها، إذ قال الباحثان: «لا يوجد تحرك حول مراجعة تشكيل المجلس الرئاسي، والتقدم في إقامة المؤتمر الجامع بطيء ومتقطع، ولم يقدم مجلس النواب قانون الاستفتاء الدستوري من أجل التصويت، وهذا يترك الانتخابات الملاذ الأخير الباقي».

ورغم أن غسان سلامة قال سابقًا إن إجراء الانتخابات لن يتم سوى بتوافر الظروف المناسبة، قال الباحثان إنه «لم يتحقق أي تقدم حتى الآن، وستُجرى الانتخابات بغض النظر عن الظروف في ديسمبر العام الجاري».

مستفيدون من الوضع القائم
وحمَّل الباحثان مسؤولية الوضع الراهن للنخبة السياسية، وقالا: «هناك كثير من الأطراف النخبوية مستفيدة من الوضع القائم. ويبدو أن بعض أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مهتمون أكثر بالتشبث بالسلطة أكثر من المضي قدمًا والسير للأمام».

وفي طرابلس، قال المقال إن «حكومة الوفاق الوطني وقعت فريسة لمجموعة من الميليشيات تسعى لابتزاز أموال الدولة وأصولها».

ولفت المقال إلى نقطة أخرى ألا وهي التحالفات والتغيرات السياسية، وقال إن التحولات السياسية على الأرض عرقلت تحقيق أي تقدم، إذ أصبحت السلطة أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، وتكونت تحالفات ومصالح جديدة حتى بين خصوم الأمس.

أضف إلى ذلك عدم قدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى توافق، وظهور تصدعات وخلافات بين أعضاء الفريق الواحد. وفي هذا الشأن قال الباحثان: «في شرق ليبيا، ظهرت خلافات عدة إلى السطح، مع شعور بعض ممن دعَّم خليفة حفتر في حملته على بنغازي بالغضب بسبب تركيز السلطة في يد أبنائه وأقاربه. وفي الغرب، تراجع نفوذ مصراتة في طرابلس مع تحرك ميليشيات العاصمة لتعزيز سلطتها، وهذا ما دفع مصراتة لإعلان الهدنة مع الزنتان».

ورأى المقال أن النهج الدولي في ليبيا، والذي تقوده أجندات خاصة، زاد من سوء الوضع، وخلق محفزات لبعض الفصائل لرفض الجلوس إلى الطاولة. وقال البحثان: «رغم الاتفاق على دعم الأمم المتحدة في ليبيا، لم تتوقف مصر والإمارات عن دعم خليفة حفتر، وانضمت لهما روسيا وفرنسا. ويرى كثير من الليبيين أن باريس منحازة لصالح حفتر».

وتابعا: «قدمت القوى الغربية نفسها باعتبارها وسطاء عبر كثير من القمم والمؤتمرات، لكن لا يمكن اعتبار معظم تلك المبادرات محايدة، وكان لبعضها الأثر في تعكير جهود الأمم المتحدة، آخرها اجتماع باريس».

اجتماع باريس
وحول اجتماع باريس الأخير، والذي حضره خليفة حفتر وفائز السراج، ورئيسا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، قال المقال إن «المبادرة الفرنسية مشكلة في حد ذاتها، فهي مبادرة أحادية الجانب ومتسرعة».

وقال: «الحكومات الغربية الأخرى التي تملك مصالح في ليبيا، على رأسها إيطاليا، فوجئت بالمبادرة الفرنسية، وتدفع بالفعل ضدها. وثلاث من الأربع شخصيات التي حضرت الاجتماع يمكن اعتبارها رموزًا ولا تملك نفوذًا حقيقيًا».

فضلاً عن ذلك، فشل اجتماع باريس، بحسب المقال، في ضم لاعبين آخرين رئيسيين على الأرض، مثل مجموعات مصراتة، والتي رفضت إرسال وفد خاص بها. حتى الشخصيات الأربع التي حضرت الاجتماع لم تتفق فعليًا على أي شيء، ولم توقع إعلان ماكرون، ولم تجب عن التساؤل الخاص بالقاعدة الدستورية للانتخابات.

وقال الباحثان: «اعتمدت خطة ماكرون على فكرة خاطئة، وهي أن الانتخابات يمكن أن تصلح الفوضى في ليبيا»، ولفتا إلى أن العقبة الأهم أمام إجراء الانتخابات هي غياب القاعدة الدستورية، ولا يوجد إطار يحدد أي المؤسسات التي يجب انتخابها، وما هي الصلاحيات الخاصة بها.

طريق للخروج من الأزمة
وقال الباحثان: «بديهيًا، إعادة تأسيس سلطة مركزية تتمتع بالشرعية الانتخابية هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة في ليبيا»، لكن السؤال ليس ما هو البديل للانتخابات، لكن كيف نضع الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة وناجحة؟

والإجابة، بحسب المقال، تكمن في التوصل إلى تسوية عبر التفاوض تقدم خارطة طريق تفصيلية للوصول إلى الانتخابات. والتوصل إلى تلك التسوية يتطلب تنسيقًا دوليًا، وتصميمًا خاصًا لهيكل عملية التفاوض.

ويرفض غالبية الليبيين فكرة وضع ترتيب انتقالي آخر، وأيضًا استبعد المبعوث الأممي هذا الخيار. لكن «الفترة الانتقالية» مطلوبة من أجل تمهيد الطريق أمام الانتخابات، على أن تتضمن ترتيبًا جديدًا لتقاسم السلطة يشمل المؤسسات الاقتصادية والأمنية، ووضع ترتيبات أمنية جديدة في طرابلس لتخفيف سيطرة المجموعات المسلحة على المؤسسات هناك، وحتى تستطيع الحكومة المنتخبة ممارسة نفوذها وسلطتها.

وقال الباحثان إن أي ترتيب انتقالي جديد يجب أن يحدد القاعدة الدستورية للانتخابات، ووضع نهج للتعامل مع مسودة الدستور المثيرة للجدل. وقد يشمل، على سبيل المثال، الموافقة على اعتماد مسودة الدستور بشكل موقت، ثم مراجعتها لاحقًا عبر عملية تشاورية وتقديمه للاستفتاء.

وشددا على أن أي مفاوضات جديدة يجب أن تشمل جميع الأطراف السياسية والعسكرية التي تملك نفوذًا حقيقيًا على الأرض، وليس فقط بعض الرموز، بالإضافة إلى ضم أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور وممثلي الدوائر الانتخابية، الرافضة مسودة الدستور الحالية، من أجل الاتفاق على القضايا الدستورية الشائكة.

المزيد من بوابة الوسط