«واشنطن بوست»: مقتل نحو 300 مدني جراء ضربات جوية منذ إطاحة القذافي

أثار ضربات جوية سابقة على درنة. (أرشيفية. رويترز)

ذكرت دراسة مشتركة أجرتها جماعة «إيروورز» ومؤسسة «نيو أميركا» البحثية أن 230 مدنيًا على الأقل لقوا حتفهم في الفوضى والحرب الجوية متعددة الأطراف في ليبيا اللتين أعقبتا إطاحة معمر القذافي في العام 2011.

و«إيروورز» هي جماعة معنية بمراقبة تداعيات الحرب ضد تنظيم «داعش» في ليبيا وسورية والعراق ومقرها لندن، فيما تركز مؤسسة «نيو أميركا» ومقرها واشنطن على السياسات العامة بما في ذلك دراسات الأمن القومي. 

237 قتيلًا جراء 2158 ضربة
وبحسب جريدة «واشنطن بوست» الأميركية، فقد حللت الدراسة تداعيات 2158 ضربة جوية نفذتها على الأقل 7 أطراف محلية ودولية في ليبيا منذ سبتمبر 2012، الأمر الذي يؤكد الطبيعة المشحونة والممزقة في ليبيا بعد الثورة. 

وأشارت الجريدة إلى أنه «منذ ساعدت سلسلة من الضربات الجوية التي قادها حلف شمال الأطلسي في إطاحة القذافي في العام 2011، انزلق البلد إلى صراع أهلي مشتعل شهد إنشاء حكومات متنافسة وصعود جماعات مسلحة، بما في ذلك فرع محلي فتاك لتنظيم داعش استغل المناطق التي لا تخضع لرقابة لتعزيز قوته». 

وتمثل دراسة «إيروورز» و«نيو أميركا»، التي حصلت جريدة «واشنطن بوست» على نسخة منها قبل نشرها هذا الأسبوع، أول تحليل شامل لحصيلة القتلى من جراء العمليات الجوية العسكرية في ليبيا في الفترة التي أعقبت الثورة. 

وخلص الباحثون القائمون على الدراسة، التي استخدمت حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي ومصادر أخرى لتقييم وقائع منفردة، إلى أن نحو 237 مدنيًا على الأقل قتلوا نتيجة تلك الضربات الجوية وبحد أقصى 387، فيما أصيب 324 آخرون على الأقل من جراء الغارات. 

وقالت «واشنطن بوست» إنه على الرغم من أن حصيلة القتلى تلك تبدو أقل بكثير من التي سببتها الضربات الجوية الغربية ضد مسلحين في العراق وسورية، فقد أظهرت إحدى السمات المهمة للصراع الليبي، وهي أنه يتميز بطبيعة قاتمة وغامضة. 

وجاء في الدراسة أن «الضربات الجوية المتكررة في ليبيا لم تنفذها الفصائل المحلية المتنافسة والولايات المتحدة فقط، بل أيضًا، وبقدر أقل من الشفافية، فرنسا والإمارات ومصر». وأضافت أنه جرى الإفصاح علنًا عن أقل من 50% من الضربات الجوية المذكورة، الأمر الذي أدى لإثارة التساؤلات بشأن المسؤولية والمساءلة عند وقوع وفيات في صفوف المدنيين.

ضحايا الضربات الجوية المحلية
وخلصت الدراسة إلى أن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني، وهو من ضمن اللاعبين المحليين في ليبيا «مسؤول عن الجزء الأكبر من الوفيات في صفوف المدنيين منذ 2012».

كان حفتر تعهد مدعومًا بقوى خارجية بما في ذلك روسيا بتطهير ليبيا من المسلحين المتشددين الذين اشتد عودهم منذ مقتل القذافي. 

وتوصل الباحثون إلى أن الجيش الوطني بقيادة حفتر يُعتقَّد أنه شن أكثر من 1100 ضربة جوية أسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 95 ولا يزيد على 247 مدنيًا. وقال الباحثون إن غالبية تلك الهجمات نُفذَّت في مدن شرقية بما في ذلك بنغازي ودرنة والهلال النفطي. 

ويقدر عدد الضربات الجوية التي نفذتها حكومة الوفاق الوطني بنحو 54 ضربة، أسفرت على الأرجح عن وفاة 63 شخصًا.

قتلى الغارات الدولية
ذكرت الدراسة أن الإمارات شنت نحو 35 ضربة جوية على الأقل في ليبيا، فيما نفذت مصر 42 ضربة جوية.

وحصد الباحثون أن الولايات المتحدة كانت صاحبة الدور العسكري الأكثر تأثيرًا في ليبيا من بين القوى الخارجية الأخرى التي تدخلت في الفترة التي أعقبت الثورة، إذ نفذت المقاتلات الأميركية نحو 525 ضربة جوية على مسلحين منذ سبتمبر 2012.

وتضمنت الضربات الأميركية عملية استمرت أربعة أشهر ونصف الشهر في العام 2016 لطرد تنظيم «داعش» من سرت.

وتوصلت الدراسة إلى أن العمليات الجوية الأميركية في تلك الفترة تسببت في مقتل ما بين 11 إلى 75 مدنيًا، رغم قول القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» إن عملياتها لم تتسبب في أي وفيات مؤكدة في صفوف المدنيين أثناء تلك الفترة.

وقال الناطق باسم «أفريكوم»، مارك تشيدل، إن القيادة العسكرية لم تر أي إحصاءات ذات مصداقية لوفيات في صفوف المدنيين مرتبطة بالعمليات الأميركية في ليبيا، مضيفًا: «لم نر أي أدلة أو معلومات أخرى من شأنها أن تغير استنتاجاتنا».

وقال الباحثون إن الولايات المتحدة قدمت شرحًا لضرباتها الجوية في ليبيا بشفافية أكبر، وإن لم تكن كاملة، مقارنة بالدول الأخرى التي أرسلت طائرات إلى ليبيا. 

إحجام عن إعلان المسؤولية
وذكرت جريدة «واشنطن بوست» أنه في كثير من الأحيان كان يصعب تحديد من المسؤول عن ضربة جوية بعينها في ليبيا، عندما تحجم الفصائل المحلية والفاعلون الخارجيون عن إعلان مسؤوليتهم عنها، ويلقي الليبيون باللوم على أطراف متعددة.

ونقلت الجريدة عن كريس وودز، رئيس مؤسسة «نيو أميركا» قوله: «لم يعلن أي طرف مشترك في القتال مسؤوليته عن أي من الوفيات في صفوف المدنيين في ليبيا منذ العام 2012، وهذا استمرار لما شهدناه من الناتو في 2011»، واصفًا الأمر بأنه «مأساة للشعب الليبي».

قال نائب رئيس مؤسسة «نيو أميركا» بيتر بيرغن: «إنها إحدى الحروب المنسية في العالم، لم ينه تدخل الناتو الصراع؛ بل عجَّل بمرحلة جديدة وليبيا الآن ساحة للحرب بالوكالة».

وأرجع الباحثون انخفاض حصيلة القتلى تلك مقارنة بأكثر من ستة آلاف في سورية والعراق، إلى انخفاض الكثافة السكانية في ليبيا، وربما إلى ضعف التقارير الإعلامية بشأن الضربات الجوية، إذ إن أبراج الهواتف المحمولة استهدفت في الصراع، وتفتقر البلاد إلى جماعات المراقبة التي لعبت دورًا مهمًا في الصراع السوري. 

المزيد من بوابة الوسط