أصبحت مدينة الأشباح.. هل ينجح سكان قرية القواليش في إعطائها قبلة الحياة؟

«قرية نابضة بالحياة فمدينة أشباح، فخطوات أولى نحو عودتها إلى سالف عهدها»، هذا حال قرية القواليش التي تقع بين أشجار الزيتون مفتولة الأغصان المتشبثة بمنحدرات سلسلة جبال نفوسة القاحلة الواقعة في شمال غرب ليبيا والتي تفصل السهل الساحلي المتوسطي عن هضبة إقليم طرابلس في الجنوب.

أصبحت القواليش مدينة أشباح بعد أن فرت غالبية سكانها من سلسلة من المعارك التي شهدتها المنطقة خلال الثورة التي أطاحت بمعمر القذافي.
 

فطوال أجيال، عاش سكانها هناك حياة بسيطة لا تشهد أي تغيير يُذكر، وكانوا يرعون الأغنام ويقطفون الزيتون ويحصدون الحبوب، لكن في عام 2011، أصبحت القواليش مدينة أشباح بعد أن فرت غالبية سكانها من سلسلة من المعارك التي شهدتها المنطقة خلال الثورة التي أطاحت بمعمر القذافي.

وبعد تفرقهم وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد حيث عاشوا طوال أعوام عديدة، أُتيحت للسكان السابقين في عام 2015، إمكانية العودة الآمنة، بمساعدة لجنة جبال نفوسة، وتمكنت حوالي 500 عائلة، أي نحو ثلث سكان القرية السابقين، من العودة إليها.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إنه يوجد في ليبيا، حالياً أكثر من 184,000 نازح داخلياً يحتاجون للمساعدة الإنسانية، بالإضافة إلى 368,000 شخص آخرين عادوا إلى مناطقهم السابقة، كالعائلات التي يبلغ عددها 500 عائلة في القواليش.
 

«مدرسة القواليش كانت واحدة من أفضل المدارس في المنطقة، ونحن اليوم نبنيها من الصفر»

وأضافت المفوضية، أن «مدرسة القواليش كانت واحدة من أفضل المدارس في المنطقة، ونحن اليوم نبنيها من الصفر».

وأضافت، أنه «نظراً لوجود الكثير من المدنيين الذين لا يزالون يعانون من آثار الصراع الدائر والاضطراب السياسي والانهيار الاقتصادي، تُعتبر مساعدة العائلات النازحة على العودة إلى منازلها وحياتها السابقة من أهم أولويات المفوضية في محاولتها لإعادة بعض الاستقرار إلى البلاد».

وتابعت أنه «عند وصول العائلات العائدة إلى القواليش، اكتشفت بأن غالبية منازلها تعرضت للحرق أو الدمار أو النهب، وتوجب على السكان العائدين أيضاً التعامل مع نقص الكهرباء ومياه الشرب والخدمات العامة الأخرى، أما المدرسة والعيادة الصحية المحليتان واللتان كانتا تخدمان القرية، فقد أصبحتا فارغتين وعديمتي الفائدة».

وأشارت المفوضية في تقريرها إلى أن «سكان القواليش بدؤوا بالعمل وهم الذين صمموا على إعادة الحياة إلى القرية، وكان من بين مشاريعهم الأولى، مشروع إعادة افتتاح المدرسة المهجورة وتوفير الدروس للأطفال المحليين».

«محمد هو من بين أفراد مجموعة القرويين التي كرست نفسها للمساعدة على النهوض بالمدرسة وتشغيلها من جديد، وهو يعمل في التدريس منذ أكثر من 15 عاماً ويدرس مادتَي الجغرافيا والتاريخ لـ 100 طالب عائد، يقول: «عندما عدنا إلى القواليش، وجدنا أن المدرسة تعرضت للنهب والدمار الجزئي، كانت هذه المدرسة الصغيرة واحدة من أفضل المدارس في المنطقة. ونحن اليوم نبنيها من الصفر».

منذ عودته إلى القواليش في عام 2015، درّس محمد الجغرافيا والتاريخ لـ 100 طالب عائد على الرغم من الظروف الصعبة.

زيادة المساعدات
وأكدت المفوضية أنها «زادت دعمها للنازحين داخلياً والعائدين في ليبيا بثلاثة أضعاف في الأشهر الستة الأخيرة، وشملت المساعدات المقدمة، المواد المنزلية الأساسية مثل الفرش وحزم الأدوات المطبخية ومواد المآوي للمساعدة في إصلاح المنازل المدمرة، والمساعدات النقدية لدعم العائلات من الفئات الأشد ضعفاً».

وتنفذ المفوضية أكثر من 300 مشروع سريع الأثر في البلاد بمشاركة المجتمعات المستضيفة والنازحين داخلياً وبالتشاور مع السلطات الوطنية والمحلية، تشمل ترميم البنى التحتية في المدارس والمنشآت الطبية وتقديم الدعم لتوفير مولدات الطاقة ومضخات المياه للمجتمعات المحتاجة.

وتشير الممرات التي يُسمع فيها الصدى والصفوف الباعثة على الاكتئاب في مدرسة القواليش التي كانت تعج بالطلاب في الماضي، لنقص الموارد الذي يواجهه محمد وزملاؤه، فغالبًا ما يدفعون من مالهم الخاص لتوفير الكتب والقرطاسية، وقد تعين على الطلاب أن يكونوا مبتكرين أيضاً ويرسموا خرائط كبيرة على جدار صف الجغرافيا يستعملها محمد ليعرفهم على العالم.

صعوبات تعليمية
ويقول محمد: «من الصعب العثور على مدرسين يرغبون بالانتقال إلى هذه المنطقة النائية. ويعلّم المدرسون القليلون لدينا مواد متعددة لكي يتمكن الطلاب من متابعة تعليمهم. نحن نفتقر إلى أهم الأدوات الأساسية للتعليم مما يؤثر على الطلاب».

وأضاف محمد أن علامات الطلاب تأثرت أيضاً نتيجة نقص الموارد والظروف الصعبة في القرية، وهو يشعر بالقلق إزاء فقدان الطلاب لحافزهم لمتابعة التعليم، في حال عدم تحسن الوضع. وستوفر المفوضية طاولات جديدة ومضخة مياه للمدرسة لكي تساعد في جهودهم.

وتطرح أوجه الحياة الأخرى أيضاً تحدياً للقرويين في القواليش، فالمستشفى الوحيدة التي ما تزال تعمل تبعد حوالي 80 كلم، كما أن الوقود لا يتوفر في غالب الأحيان للذين يأملون بالقيام بالرحلة.

وقالت شريفة البالغة من العمر 80 عاماً، حاملةً حفيدها عمر: «عندما أنجبت ابنتي حفيدي، تعين عليها السفر بالسيارة لأكثر من ساعة للوصول إلى المستشفى. وعندما وصلت ظننّا أننا فقدنا حفيدي على الطريق».

عندما عادت مع عائلتها إلى القواليش، وجدوا أن منزلهم قد تعرض للنهب والحرق، وتعين عليهم إعادة بنائه بأنفسهم، لكن على الرغم من الصعوبات، فإن شريفة مصممة على إصلاح الدمار في القرية التي اعتبرتها ديارها طوال حياتها، وهو تفكير مشترك بين غالبية الأشخاص الذين عادوا.