الوقود الليبي في المياه المالطية.. تهريب أمام أعين السلطات

بينما لا تزال المدن الليبية تعاني تبعات تهريب الوقود الذي تزايد الحديث مؤخرًا محليًا ودوليًا عن ضرورة توسيع عمليات مكافحته، تكشفت الأسباب والطرق التي جرى عبرها تهريب الوقود الليبي في مياه مالطا الإقليمية طوال سبع سنوات، وسط إصرار على ضرورة تقليم أظافر الظاهرة، نظرًا لما تمثله هذه التجارة، مع غيرها من الأنشطة الإجرامية، من خطر على ليبيا وأوروبا معا.

التهريب تحول إلى منظمة إجرامية كبيرة بالتنسيق بين رجال أعمال مالطيين وليبيين قريبيين من المافيا

وأطلق مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، في أبريل الماضي مبادرة لمكافحة تهريب الوقود، تتضمن سلسلة من الإجراءات لإنقاذ القطاع من الأضرار الاقتصادية والمجتمعية الكبيرة التي يتسبب فيها تهريب الوقود المنتشر في ليبيا، حيث تشمل استخدام أنظمة لوضع علامات تعقب في الوقود لمساعدة الجهات المسؤولة على تطبيق القانونين الليبي والدولي لجمع الأدلة التي تثبت جرائم تهريب الوقود أو سرقته، وتشجيع المجتمع على فرض عقوبات وحجز أصول المجرمين لتعود المكاسب غير الشرعية إلى الشعب الليبي.

للاطلاع على النسخة الإلكترونية من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كما تتضمن المبادرة توسيع ولاية عملية «صوفيا» لتشمل الوقود المكرر، بالإضافة إلى النفط الخام، والعمل مع مكتب النائب العام لضمان مقاضاة أولئك المسؤولين، وتشجيع السلطات المختصة في ليبيا على النظر في إصلاح نظام دعم المحروقات الذي لا يحقق أهدافه، بل على العكس يخلف أرباحا هائلة للمجرمين.

رغم القبض على عصابة ترأسها ديبونو إلا أن عصابة أخرى تحركت على الفور وحلت محلها

تقرير أعدته جريدة «تايمز أوف مالطا» كشف أسبابًا قالت إنها سبب رئيسي في انتعاش أنشطة تهريب وقود الديزل الليبي إلى مالطا، وهي قرار السلطات المالطية «إخراج المتورطين في عمليات التهريب من دائرة اختصاصهم القضائية، وإرغامهم على العمل بعيدًا عن المياه المالطية الإقليمية» دون فعل المزيد لوقف تلك الأنشطة.

وقال التقرير: «إن تهريب وقود الديزل من ليبيا إلى مالطا لطالما سبب مشاكل داخلية كبيرة في مالطا، ولهذا قررت السلطات المالطية إبعاد المهربين خارج سلطة الاختصاص القضائي لهم، والمهام الخاصة بإنفاذ القانون»، وقالت الجريدة المالطية إنها قابلت عددًا من مسؤولي الحكومة والمحققين والسياسيين، على دراية بقضية تهريب وقود الديزل الليبي إلى مالطا، وتساءلت: كيف مرت تلك الجرائم دون عقاب طيلة تلك الفترة منذ العام 2011؟!

خارج الاختصاص القضائي
ونقلت عن المصادر تفاصيل الإجراءات التي جرى الاتفاق عليها، حيث «اتفقت الحكومة المالطية والشرطة والخدمات الأمنية، في العام 2014، على أن إخراج المهربين خارج دائرة الاختصاص القضائي لمالطا هو الحل الأبسط للتعامل مع الأزمة».

وبالفعل جرى «الاتفاق على سد الثغرات والقنوات الخلفية التي تسمح بتهريب الديزل الليبي في مياه مالطا الإقليمية، وبعدها تم التوافق على نقل عملياتهم بضع كيلومترات إلى داخل المياه الدولية، ورأينا ذلك مواتيا لنا».

للاطلاع على النسخة الإلكترونية من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأضاف مصدر حكومي أن تلك الخطوة لاقت استهجانًا من المجتمع الدولي، خاصة من الحكومة الإيطالية، لكن مصدرًا آخر قال: «إن هناك استياءً من الحكومات الأوروبية من أن مالطا لا تفعل الكثير للقضاء على تلك الأنشطة، ووصلنا ذلك عبر القنوات غير الرسمية».

مصدر: «المهربون يبدو أنهم وجدوا طريقة للتهرب من جرائمهم تحت مرأى ومسمع من السلطات المالطية».

وقال مصدر في القوات المسلحة المالطية، شارك في عدد من الدوريات بمياه مالطا الإقليمية، «إن المهربين يبدو أنهم وجدوا طريقة للتهرب من جرائمهم تحت مرأى ومسمع من السلطات المالطية».

وفجر التقرير مفاجآت بشأن غض الطرف عن عمليات تهريب تجرى أمام أعين الجهات المالطية، حيث قال المصدر: «في إحدى الدوريات، كنا نعلم جيدًا أن هناك بعض المراكب تبيع الديزل الليبي، لكننا لم نتحرك لأنه خارج الاختصاص القضائي لنا. وكانت لدينا أوامر واضحة للحد من عملياتنا داخل المياه الإقليمية فقط».

لكن الجريدة قالت إن هذا لا يعني انحسار عمليات تهريب الوقود الليبي في المياه الدولية. وتحدثت عن تقرير نشر الشهر الماضي، كشف عن أن مالطا أصبحت مركزًا لعمليات منسقة لتهريب الوقود من ليبيا، تدر دخلًا بقيمة مئات الملايين.

وقال التقرير أيضًا إن الوقود الليبي يتم بيعه بسهولة داخل مياه مالطا الإقليمية، عبر منشآت تخزين موجودة في مدينة بيرزبوغا بالجنوب، وميناء «غراند هاربور». وتحولت عمليات التهريب إلى منظمة إجرامية كبيرة، بالتنسيق بين رجال أعمال مالطيين وليبيين وفي صقلية، قريبين من المافيا.

قوائم المراقبة
وقالت «تايمز أوف مالطا» «إن مهربي الديزل الليبي «مدرجون على قوائم المراقبة للسلطات الأمنية المالطية منذ سقوط معمر القذافي في 2011». ونقلت عن مسؤول سابق في جهاز الأمن المالطي قوله: «إنهم كانوا يراقبون، تحركاتهم ومحادثاتهم، في إطار تقييم وطني خاص بالتهديدات الأمنية».

وهنا تساءلت الجريدة: لماذا لم تتخذ السلطات المالطية أي إجراءات لوقف هؤلاء المهربين، ولماذا لم يتم القبض عليهم؟

للاطلاع على النسخة الإلكترونية من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ورد المسؤول الأمني بأن «هناك عدة أسباب، والأمر ليس مباشرًا بهذه الكيفية. هناك ضغوط كثيرة، وأولويات أخرى. كما أن هؤلاء المهربين مستعدون لفعل أي شيء، ولا يمكننا العبث معهم إلا إذا كنا جادين».

ومضى المصدر يقول موضحا: «تلك الجرائم لا تتوقف، نحن نتحدث عن كميات كبيرة من الأموال، مليارات اليورو. ورغم القبض على عصابة ترأسها ديبونو (وهو من أكبر مهربي الديزل الليبي وورد اسمه في تقرير سابق للأمم المتحدة)، إلا أن عصابة أخرى تحركت على الفور وحلت محلها».

إجهاض تحقيقات سابقة
وتحدثت الجريدة في تقريرها عن محاولات سابقة جرت في 2015 للتحقيق في تهريب الوقود من ليبيا وعمليات غسل الأموال، لكن تلك التحقيقات جرى إجهاضها قبل أن تبدأ.

ونقلت عن مصدر، في وحدة تحليل المعلومات المالية، أنه «في 2015، تم فتح سلسلة من التحقيقات في تهريب الوقود، والروابط المحتملة بين تلك العمليات وعمليات استيراد الوقود وتوزيعه»، وهي جرائم يطلق عليها اسم «جرائم ذوي الياقات البيضاء» لارتباطها بدوافع مالية ترتكب من قبل رجال أعمال وأصحاب نفوذ.

«مضارب تهريب الوقود ليست مباشرة. والتحقيق فيها يتطلب فهما عميقا لكيفية عمل تلك الصناعة، حيث إن كثيرا مما يحدث ليس قانونيا».

وقالت الجريدة: «كانت تلك التحقيقات ستضمن نهاية المهربين لولا أنها تعرضت لعدة عقبات» وقال المصدر إنه «جرى في النهاية إهمال التحقيقات، بسبب سوء الفهم، وضغوط أخرى تطلبت أن يعاد توجيه موارد (وحدة تحليل المعلومات المالية) في 2015 و2016»، وتابع المصدر قائلا: «مضارب تهريب الوقود ليست مباشرة. والتحقيق فيها يتطلب فهما عميقا لكيفية عمل تلك الصناعة، حيث إن كثيرا مما يحدث ليس قانونيا».

ولفت أيضا إلى أن عمليات بيع وشراء الوقود الليبي في البحر مستمرة منذ سنوات، والتفريق بين العمليات القانونية وعمليات التهريب ليس بالأمر السهل.
وقال: «وصف اللاشرعية يأتي من أخذ الوقود المسروق من ليبيا، وتزوير الأوراق لكي تبدو رسمية، وتلك عملية من الصعب كشفها، خاصة إذا قامت سلطات الدولة بشرعنة هذا الوقود دون التحقق منه».

مخبرون من المهربين
ونقلت «تايمز أوف مالطا» عن محققين بالشرطة المالطية أن «بعض المهربين تمتعوا بعلاقات قوية مع محققي الشرطة، حصلوا على معلومات قيمة»، متابعين: «منذ وقت طويل، يحصل المهربون على معلومات من الشرطة حول منافسيهم وحول الأنشطة الأخرى. وهذا يعد إجراء معتادا تمارسه العصابات».

وكان رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، قال في وقت سابق إن التهريب المنظم للوقود يكلف الاقتصاد الليبي أكثر من 750 مليون دولار سنويا، بالإضافة إلى الضرر المجتمعي، الذي لم يقتصر على الخسائر على المستوى المادي فقط، بل تسبب في فقدان احترام سيادة القانون وهو ما يشكل خطورة كبيرة.

للاطلاع على النسخة الإلكترونية من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبعد فترة وجيزة من انهيار نظام القذافي، بدأت الصحافة الدولية تتحدث عن تهريب الوقود الليبي، فيما كشف تقرير للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن العام 2016 عمليات تهريب النفط عبر مالطا لتمويل الميليشيات وشراء الأسلحة، مقدما تفاصيل حول خطوط سير السفن مثل «باربوسا ستار» و«بونو5»، التي تديرها شركة «ADJ» التجارية، المملوكة للسيد ديبونو وفهمي بن خليفة، وكشف أن السفن تبحر من مالطا جنوبا حتى تصل إلى بعد 40-60 ميلا بحريا من السواحل الليبية، حيث تقوم بإغلاق أنظمة التعقب الأوتوماتيكية، وتقوم مراكب صيد عادة بنقل الوقود من سواحل ليبيا إلى تلك السفن.

المزيد من بوابة الوسط