باحث بمركز «كارنيغي»: الانتخابات في ليبيا قد تحدث التغيير أو تزعزع الاستقرار بشكل أكبر

حذر مقال نشره موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية من أن تسرع الليبين في إجراء انتخابات مبكرة قد يأتي بثمار عكسية، إلا إذا توحدت القوى الأوروبية لاتخاذ إجراءات فورية حيال الأزمات الراهنة.

وقال كاتب المقال، الباحث في مركز «كارنيغي» للشرق الأوسط، طارق المجريسي، إن الانتخابات في ليبيا لها القدرة على إحداث التغيير المطلوب الذي تحتاجه ليبيا، أو زعزعة الاستقرار بشكل أكبر، ويعد إقامة الانتخابات نقطة مركزية لخطة العمل التي قدمها المبعوث الأممي غسان سلامة، سبتمبر الماضي.

وتابع أن إقامة الانتخابات في ليبيا أصبح أيضا من نقاط التركيز الرئيسية لدول مجموعة «3+3» وهم فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة ومصر والإمارات. وفي تلك الأثناء، تحركت فرنسا بمبادرة خاصة لضمان وضع جدول للانتخابات قبل نهاية العام الجاري.

وقال الكاتب: «المنطق وراء هذا التركيز واضح نوعا ما. فالحرب الأهلية التي اندلعت في 2014 عمقت الخلافات المعقدة الموجودة بالفعل، وزادت حالة التشرذم السياسي، مع ظهور مؤسسات مالية متنافسة في شرق ليبيا، وضعفت بعض هيئات الحكومة ما جمد قدرة الدولة على العمل».

وتابع: «في ظل هذا الفراغ، ازدهرت الآليات غير الرسمية للتشغيل، ما ساهم في تمكين هؤلاء في المناصب السياسية والاقتصادية والعسكرية. والطبيعة المربحة للوضع القائم خلق في المقابل حافزا قويا للنخبة الحالية للحفاظ على هذا الوضع حتى مع انتشار العنف والإجرام والخراب».

«آلية إجبار»
وقال المجريسي إن «النخبة الحالية استغلت المساعي الدولية للتوسط في التوصل إلى تسوية سياسية وتحقيق الاستقرار من أجل زيادة نفوذهم وقوتهم والوصول إلى الموارد».

لكن بعد أربع سنوات من المحاولة وبذل الجهود، يرى الكاتب أن «القوى الدولية تشعر بالاستياء والغضب، وهذا دفعهم للسعي نحو (آلية إجبار) يمكن استخدامها لتشويش الوضع القائم وإحداث تغيير».

ومع ندرة الأدوات السياسية المتاحة، أصبحت الانتخابات «آلية الإجبار المتفق عليها» من أجل تحقيق الإصلاح السياسي والوحدة المؤسسية.

وقال الكاتب: «ظهر إجماع متنامٍ بين دول (3+3) من أجل الضغط على الأطراف الليبية لإجراء انتخابات برلمانية، نظرا للمخاطر التي تتهدد أوروبا من تجدد الصراع أو تدهور الوضع القائم».

ورغم أن إجراء انتخابات برلمانية ليس كاف لإصلاح الأزمات في ليبيا، تأمل مجموعة (3+3) في أن تساعد الانتخابات في وضع سلطة تنفيذية وتشريعية متماسكة وخلق بيئة أكثر ملائمة لإحداث تغيير.

عقبات أمام إجراء الانتخابات
وتناول المقال بعض العقبات، رأى أنها تقف أمام إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، ومنها أنه سيتعين على المفوضية العليا للانتخابات التأكيد بشكل علني أن تتحقق من كافة تسجيلات المواطنين لمنع الاحتيال والتزوير.

ولفت الباحث إلى العدد الكبير للنازحين داخليا، وهو ما يعني أنه على السلطات إيجاد طرق للسماح لهم بإدلاء أصواتهم خارج دوائرهم الانتخابية، وهي مهمة لوجستية صعبة نظرا لغياب آلية التسجيل الرسمي، وخوف البعض على سلامتهم من تسجيل أسمائهم رسميا.

ونظرا للصراع القائم في عدة مناطق داخل ليبيا، تخوف المقال من إمكانية إجراء انتخابات على أساس وطني، وتساءل هل سيتم حرمان مدن مثل درنة وسبها من المشاركة، وهل سيتاح للمرشحين تسجيل أسمائهم أو إجراء حملات انتخابات بحرية، وكلها مخاوف يبررها مقتل صلاح القطراني، في يناير الماضي، فور إعلان نيته الترشح في الانتخابات.

وتحدث الباحث عن عقبة أخرى، وهي أن «كثيرا من السياسيين الليبيين واللاعبين العسكريين لا يريدون ببساطة التغيير، ومعادين بشكل علني لفكرة الانتخابات»، وهذا يبرز الشكوك حول إمكانية إجراء انتخابات بشكل آمن، والسماح للناخبين بممارسة حقوقهم بحرية.

وتابع قائلا: «كثير من الليبيين خارج النخبة القائمة يعتقدون أن إجراء انتخابات في الوقت الراهن سيكون مدمرا بالنظر إلى قدرة الإعلام الليبي على التلاعب بالرأي العام. ولهذا فإن هناك كثيرا من العمل لإقناع عدد كبير من الليبين بالحاجة للتقدم صوب تلك الخطوة».

لكن الكاتب لفت إلى أن «ذلك يمكن تحقيقه بطريقة فعالة، إذ أمكن إثبات أن كافة المخاطر تم بحثها والتخطيط لها، ويمكن للبعثة الأممية في ليبيا أن تضطلع بتلك المهمة»، وأكد أن «الطريقة الفعالة الأمثل للتأثير على النخبة السياسية هو تعريضهم لضغط شعبي كبير».

وتابع أن «تلك القضايا المتعددة تجعل من الأكثر أهمية إنشاء لجنة موثوقة لحل النزاعات، وهذا بدوره يعني القانون الانتخابي الذي يوفر إجراءات لتقديم الشكاوى والنظر فيها، في الوقت الذي تواجه فيه المحاكم الليبية تهديدات عديدة تقوض قدرتها على العمل باستقلال».

الموقف الدولي
وتحدث المقال عن الموقف الدولي حيال ليبيا، وقال: «ثبت أنه من الصعب تحقيق إجماع دولي حول ليبيا». وعن «اجتماع باريس» الأخير، قال المجريسي إن «المبادرة الفرنسية تهدف إلى توحيد رغبة مجموعة (3+3) خلف إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مع تعديل الدستور وشرعنة الهيكل العسكري الذي وضعته مصر ويتمحور حول إضفاء الطابع المؤسسي على قائد الجيش المشير خليفة حفتر».

وقال أيضا إن «هذا قد يسمح لحفتر بأن يكون على رأس الهيكل العسكري الجديد، تحت السلطة المدنية المنتخبة».

ولهذا رأى المقال أن الفرصة الأفضل للنجاح تأتي مع توحد موقف القوى الأوروبية، وهذا يبدأ باتفاق بين القوى الأوروبية الرئيسية حول الانتخابات الأمثل التي يمكن إقامتها، إذا كانت برلمانية أو رئاسية أو الاثنين.

وسيكون على القوى الأوروبية أيضا العمل مع البعثة الأممية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والوسطاء الليبيين لحل المخاطر العديد التي ينطوي عليها إجراء الانتخابات في الوقت الراهن.

وطالب المقال القوى الأوروبية أيضا بموقف موحد عند التعامل مع الأطراف السياسية والعسكرية الليبية، والأطراف الإقليمية، إذا أرادوا تقليل فرص تدخل المعرقلين.