غزو القمامة.. شحات تغرق في مستنقعات الإهمال

لا تزال مدينة شحات تواجه غزو القمامة التي تنتشر في جميع أنحائها، وهو ما أدى بدوره إلى اندثار ملامح تلك المدينة التاريخية «قورينا»؛ نتيجة غياب وعي المواطنين وإهمال الجهات المختصة في نظافتها وحماية طبيعتها الجميلة، وظلت المؤسسات المحلية تصارع، منذ العام 2014، الواقع المعقد لحلحلة الكثير من المشاكل الخدمية في البلدة، دون الوصول إلى حل ينهي تلك المشاكل، رغم الوعود المتكرر من قبل المسؤولين، لكنها لم تر النور عبر الواقع حتى الآن.

«الوسط» رصدت انتشارا كثيفا للقمامة في شوارع المدينة، وهي مشكلة تعانيها معظم البلدات في الجبل الأخضر، لكن طبيعة «قورينا» التاريخية جعلتها أكثر المدن تضررا، من خلال مظهر غير لائق، وهي المعروفة بمدى جمالها ورونقها التاريخي.

حملات فاشلة
لم تقف الجهات المختصة في البلدة عاجزة أمام مشكلة القمامة، بل طال الأمر ظاهرة تجول الأبقار، حيث تطلق حملات سنوية طوال الفصول الأربعة، لكن تلك الحملات تنتهي بالفشل لسبب أو لآخر، ومن ثم تلقي تلك الجهات الراعية للحملات المسؤولية على جهات أخرى دون أية إجراءات جدية متخذة لإنهاء الأزمة.

ويرى كثير من المواطنين، في أحاديث لـ«الوسط»، أن الحملات التي قام بها المجلس البلدي أو الحرس البلدي أو مديرية أمن شحات ما هي إلا «دعاية»، ومحاولة لتبرير تقاعس تلك الجهات في مواجهة المشكلة.

يقول المواطن علي إدريس: «إن حملات مصادرة الأبقار، أو محاولة حل مشكلة القمامة أو غيرها دعايات إعلامية فقط»، مشيرا إلى أن الجهات الرسمية «لا يمكن أن تضع حدا لهذه المشاكل ما دامت القبلية مستمرة»، دون أن يوضح مزيدا من التفاصيل حول ذلك.

وأشار مواطن آخر، يدعى عبد الحفيظ عبد العالي، إلى مشاركة المواطنين في الأزمة بقوله: «نعلم جميعا أن الدولة منهارة والجهات الرسمية متقاعسة، فمثلا ظاهرة الأبقار هي مشكلة أخلاقية وحلها يقبع عند الجهات المختصة، لكن مشكلة القمامة مشكلة نابعة من المواطن بدرجة أولى ومن ثم الجهات الرسمية».

وأضاف: «الجهات الرسمية تخصصها العمل على حل تلك المشاكل، لكن على المواطنين أيضا السعي إلى عدم تفاقم المشكلة برميهم القمامة في الأماكن المخصصة وعدم إلقائها بالشوارع والأماكن العامة؛ لأن هذه البيئة بيئتنا ولن يتضرر من هذه السموم إلا نحن».

ويرى عبد العالي ضرورة إطلاق حملات توعوية للمواطنين عبر وسائل الإعلام المختلقة، و«الضغط على شركة الخدمات العامة للقيام بدورها على أكمل وجه أو صرف ميزانية المجالس البلدية لكي تقوم بدورها دون أية أعذار من هنا وهناك»، بحسب قوله، ويشير عبد السلام صالح إلى أن الشارع أصبح مستاء من الوضع الراهن، مؤكدا أن الحل يكمن في مساعدة المواطنين بأنفسهم في حل المشكلة و«الضغط على الجهات الرسمية بالقوة للعمل، أو ترك أماكنهم لأناس آخرين أكفأ منهم».

كارثة صحية
يقول مدير إدارة المحافظة على الطبيعة بالهيئة العامة للبيئة، حسين عبدالجليل، لـ«الوسط»، إن مشكلة القمامة ترجع لإهمال شركة الخدمات العامة، بالإضافة إلى غياب وعي المواطن الذي وضع مكبات ثانوية في المدينة.
وأرجع عبدالجليل جزءا من الأزمة إلى أن شركة الخدمات العامة، وهي شركة مركزية، لم يتقاض العاملون فيها رواتبهم، مما أدى إلى تقاعسهم عن العمل، لكن عميد البلدية أشار في عدة لقاءات إعلامية إلى أن المجلس تكفل بدفع رواتب العمالة الأجنبية في الشركة من إيرادات سوق الجمعة، لكن القوى العاملة الوطنية في الشركة تتقاضى الأموال ولا تعمل نهائيا.

وذكر عبدالجليل أن مشكلة القمامة مستمرة على مستوى البلاد، ويتوقع استمرارها وتفاقهما بسبب احتكار العمل من قبل شركة الخدمات العامة، وعدم فتح مجال للتعاقد مع الشركات الخاصة الذي تتطلب موافقات أمنية.
ويتابع أن بلدية شحات يتواجد بها حاليا 7 مكبات ثانوية للقمامة، وشركة الخدمات العامة لم تخصص أماكن لوضع القمامة، مما أدى إلى انتشار الأكياس في الأزقة والشوارع والمكبات والساحات، وغيرها.\

ويؤكد أن مكب سوق الجمعة استحدث مؤخرا وسط تقاعس الجهات المعنية في اتخاذ إجراءات عاجلة، فهو مكان لبيع الخضراوات والفواكه والملابس والحيوانات وغيرها، إلا أن عدة مصادر بالمجلس البلدي تحدثت عن كون الأمر متعمدا من قبل مالكي الأرض لاستعادة الملكية وحل سوق الجمعة نهائيا.

وعاد مدير إدارة المحافظة على الطبيعة ليشير إلى أن انتشار القمامة تسبب في روائح كريهة بالأحياء السكنية وأضرار صحية كارثية على السكان؛ بسبب غياب الجهات الرسمية وقلة الوعي لدى المواطنين.

الخروج عن الصمت
خرج عميد بلدية شحات، حسين بودرويشة، عن صمته تجاه الأزمة، حيث خاطب مدير عام شركة النظافة في الجبل الأخضر، بشأن أزمة تراكم القمامة التي تعانيها البلدة وطالب بوضع حلول جذرية للمشكلة.

وقال بودرويشة إن خدمات النظافة تشهد «تدنيا بشكل عام رغم دعمنا المستمر لفرع الشركة شحات»، مشيدا في الوقت ذاته باستمرار عمل الشركة «بطريقة مرضية نوعا ما بالفروع البلدية سوسة وقرنادة والفائدية»، وأوضح أن شحات التي تعد محور تركز السكان وحاضنة للسواح والزوار من مختلف المناطق، تشهد انتشارا للقمامة وتكدسها في شوارع المدينة، التي تعد من ظواهر التخلف، لافتا إلى أن «الوازع الوطني والديني والإنساني يلزم ضرورة وضع حلول جذرية لحل المشكلة».

تأتي مخاطبة بودرويشة، بعد أن أعلن المجلس البلدي شحات رسميا عجزه تسديد مستحقات العاملين من شركة نظافة مساندة، بسبب عدم تسلمه أية ميزانية من قبل وزارة الحكم المحلي حتى الآن، حيث قال المجلس إن الشركة المسندة إليها أعمال النظافة، أوقفت عملها نظرا لتعاقدها بالأجل وعجز المجلس عن تسديد مستحقاتها لعدم توفر الميزانية، لافتا إلى أن شركة الخدمات العامة لا تؤدي عملها، محملا إياها المسؤولية، خاصة أن «أعمال النظافة من صميم عملها وتخصص لها ذمة مالية مستقلة» من وزارة الحكم المحلي، وطالب المجلس البلدي شحات، المواطنين بالتعاون في وضع أكياس القمامة بالمكبات المخصصة لها في أرجاء البلدية، لإظهار المدينة والمناطق الأخرى بالمظهر الذى يليق بها.

10دنانير هي الحل
وأيد عديد المواطنين خلال أحاديثهم لـ«الوسط» مقترح عميد بلدية شحات الموقت حول تفعيل الجباية عن كل منزل بمبلغ 10 دنانير، مقابل إنهاء أزمة القمامة إلى حين عودة شركة الخدمات العامة إلى العمل أو تلقي المجلس مبالغ مالية من وزارة الحكم المحلي لإنهاء المشكلة.
ودعا عميد بلدية شحات، حسين بودرويشة، المواطنين إلى المشاركة في دفع مبلغ رمزي 10 دنانير شهريا عن كل منزل، مشيرا إلى أن هذا الحل «أصبح ضرورة وحلا وحيدا في الوقت الحاضر، مقابل تغطية مصاريف والأجور المتعلقة بالنظافة»، وقال بودرويشة في خطاب موجه لمكتب الأوقاف لإيعاز خطباء المساجد بأن «شركة النظافة، فرع شحات، عاجزة عن القيام بواجباتها في القضاء على ظاهرة انتشار القمامة، رغم قيام المجلس بمساعدتها قدر المستطاع في شراء سيارات خاصة بالقمامة، كما قامت بصيانة جميع السيارات القديمة وتوفير صناديق قمامة مختلفة الأحجام، فضلا عن دفع أجور عمال النظافة ومع ذلك الشركة عاجزة عن تأدية واجبها بالصورة المطلوبة».

الأزمة تهدد الصحة والبيئة .. وتطمس معالم المدينة التاريخية

وتابع أن «المحال العامة وكافة الأنشطة الاقتصادية الأخرى المشمولة بالخدمة، عليها التقيد بدفع الرسوم المحددة لكل نشاط وعدم إلقاء المخلفات في الشوارع، لنعيش جميعا في بيئة نظيفة خالية من الأوبئة والأمراض».

وقال عميد بلدية شحات إن المجلس يعمل حاليا على اتخاذ الإجراءات التنظيمية لتفعيل جباية 10 دنانير من كل منزل، مشيرا إلى أنه بعد الانتهاء من الترتيبات سيعلن للمواطنين كيفية الدفع وحل الأزمة، وإلى حين يحين موعد إعلان المجلس بدايته في تفعيل الحل الموقت، تبقى شوارع وأزقة وساحات مدينة شحات مليئة بسموم القمامة، وسماؤها بأدخنة حريق تلك السموم.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط