الترتيبات المالية بين آمال «الرئاسي» وانتقادات «الرقابة» و«المحاسبة»

لقيت الترتيبات المالية للعام 2018 التي أصدرها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني انتقادات واسعة من هيئات رقابية ومحللين، وصفوا هذه الترتيبات بالسياسة غير المسؤولة، منبهين إلى خطورتها في ظل عدم وجود برنامج عمل للحكومة، بل وأشار أحد التقارير إلى أن وجود بند عمل سياسي بقيمة 30 مليون دينار أمر يكتنفه الغموض ويغلب شبهة الفساد.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ديوان المحاسبة رصد «مبالغة في تقديرات مصادر التمويل بمقارنتها بالمحقق خلال العام 2017 والربع الأول من العام 2018 وكذلك ما قدمته الجهات المعنية بجباية الإيرادات بالتقديرات المعدة بمعرفتها»، وتعجب من استمرار اتباع نفس الأسلوب والطريقة في تمويل عجز الميزانية العامة عن طريق الاقتراض من مصرف ليبيا المركزي وطباعة وضخ عملة جديدة دون اللجوء للطرق العلمية الصحيحة والسليمة المتعلقة بالتمويل بالرغم من التنبيهات السابقة من خبراء المؤسسات المالية.

ونوه الديوان، في تقرير رسمي، إلى المبالغة في التقديرات المرصودة لمجلس النواب وللمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وتعجب من فصل مخصصات المجلس الرئاسي عن ديوان مجلس الوزراء وإفراد مخصصات مستقلة للمجلس مع أن الهيكلية الإدارية للديوان تعبر عن الاختصاصات التي يمارسها المجلس. وتساءل عن تخصيص مبلغ 450 مليون دينار لصندوق جبر الضرر مع عدم وجود برنامج واضح يبين أين ستصرف هذه الأموال والغرض من إنفاقها والأعمال المزمع تنفيذها.

كما رأى أن توسع المجلس الرئاسي في إنشاء الجهات ومنحها الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة بما يتنافى مع توجهات الدولة في الحد من الإنفاق.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وحذر الديوان من الزيادة في مرتبات وزارة الدفاع وما تعانيه من بطالة مقنعة ستؤدي إلى تفاقم المشكلة وليس إلى حلها.. لم يكن ديوان المحاسبة هو صاحب الانتقادات فقط، إذ اعتبرت هيئة الرقابة الإدارية أن تخصيص بند للعمل السياسي بقيمة 30 مليون دينار«أمر يكتنفه الغموض في أوجه صرفه ويغلب شبهة الفساد»، مشيرة إلى «وقوع العديد من المخالفات في تنفيذه مع عدم وجود أي مبررات قانونية لإقراره». معتبرة أنها تمثل «سياسة غير رشيدة ابتعد فيها عن الإنفاق وفق سلم أولويات الضرورة التي يتطلبها تحقيق المصلحة العامة والمحافظة على المال العام».

وفي تقرير صدر مؤخرا كشفت هيئة الرقابة الإدارية أن الباب الثاني شهد زيادة بـ«قيمة 4 مليارات دينار عن سنة 2017 منها مقابل العمل الإضافي وإيجار السكن للمسؤولين وتذاكر السفر وقيمة المكالمات الهاتفية والوقود وغيرها من الامتيازات الأخرى التي تمنح لموظفي القطاع العام»، بالإضافة إلى «إدراج مخصصات للباب الثاني لجهات معطلة عن ممارسة اختصاصاتها مثل صندوق دعم الزواج وصندوق ليبيا للمساعدات والتنمية ومركز البحوث الأفريقية».

كما جاء تحذير الهيئة من أن تخصيص بند للمتفرقات بـ«قيمة عالية جدا قدرت بـ 750 مليون دينار أمر يخالف كافة المعايير الفنية والقانونية لإعداد الميزانية العامة للدولة»، مشيرة إلى أنها «سجلت العديد من الملاحظات على أداء المجلس الرئاسي في تنفيذه لهذا البند سنة 2017».

ورصدت الهيئة تخصيص «400 مليون دينار لمرتبات العاملين في السفارات الليبية» ما اعتبرته «استمرار تفاقم الوضع السيء لهذا الملف وخاصة من حيث تضخم عدد العاملين بهذه السفارات ووقوع العديد من المخالفات الإدارية والمالية في شأن تعيينهم وما يشكله هذا الملف من إرهاق للميزانية العامة واحتياطات الدولة من النقد الأجنبي».

في الوقت نفسه، لفتت الهيئة إلى تخصيص مبلغ للاشتراكات والمساهمات الدولية بوزارة الخارجية بـ«قيمة 80 مليون دينار» بينما بوازارة المالية بـ«قيمة 50 مليون دينار» موضحة أن قيمة هذه «المساهمات المعنية بها وزارة الخارجية فقط عن سنة 2017 بلغت 78,7 مليون وبالتزام قائم عن سنوات سابقة بقيمة 387,5 مليون دينار».


وأشارت هيئة الرقابة الإدارية إلى أن المجلس الرئاسي «خصص 12 مليون دينار كمساعدات ومنح بوزارة الشؤون الاجتماعية دون ضمان توزيع عادل وفق مبدأ العدالة الاجتماعية».

ونبهت إلى أن استمرار الدعم وعلى الأخص المحروقات يمثل استنزافا للمال العام وتنامي الجريمة المنظمة التي يغذيها هذا الدعم بالرغم من أن قوانين الميزانية العامة منذ سنة 2013 تقضي بالتزام الحكومة استبدال الدعم نقدا.

وأشارت إلى أن مناطق عدة من البلاد يحرم فيها المواطن من الحصول على هذه المحروقات لأسباب ترتبط بأنها مدعومة. كما رصدت تخصيص المجلس الرئاسي دعما لمؤسسات المجمتع المدني بقيمة 5 مليون دينار «وهو أمر يخرج عن مسؤولية الحكومة ويفقد مؤسسات المجتمع المدني استقلاليتها».


ووسط هذه الانتقادات والاتهامات، قال الخبير الليبي الدكتور محمد أحمد: وفقا للأرقام التي أعلنها د.فتحي المجبري، فإن موازنة التنمية البالغة 4.7 مليار دينار تقل عن الموازنة التسييرية التي قدر لها 6.7 مليار دينار.

وأوضح في مقالة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك» أنه «يفترض نظريا أن تكون المخصصات لبند التنمية أكبر من المخصصات لبند التسيير والتشغيل، إلا أننا نرى في الترتيبات المالية أن المخصص للتنمية يقل بكثير عن ذلك المخصص للتسيير».

وضرب مثلا بالمقارنة بين موازنة 2013 والترتيبات المالية للعام 2018، بقوله: كان الفرق 9 مليارات دينار تقريبا في ميزانية 2013 لصالح المخصص التنموي، بينما في العام 2018 فإن المخصص التنموي يقل بمليارين عن المخصص التشغيلي. وتابع قائلا: «بالرغم من التخفيض الكبير على هذين البندين إلا أن بند النفقات التشغيلية لايزال كبيرا مقارنة بالبنود الأخرى، يمكن أن تكون هناك أسباب تتعلق بالأزمات الطارئة في المجتمع، منها المواجهة مع الإرهاب وزيادة الإنفاق العسكري، ولكن ألا يجدر أن يكون هذا بندا منفصلا حتى يتم التمييز بين الهدر والواجب إنفاقه».

وقال: «لا أظن أننا يمكن أن نتحجج اليوم بسرية الصرف العسكري مثلا، أتذكر مثلا أن إنفاق الحكومة (المدني) من الوقود سنة 2009 كان في حدود 35 مليون دينار مع كل الانحرافات والتسربات في المنظومة غير أنني فوجئت في سنة 2014 بأن هذا الرقم قفز فوق 150 مليون دينار».

ارتفاع قيمة المخصص للمرتبات خلال 5 سنوات بما يقارب من 3.7 مليار دينار

وعلى صعيد المقارنة بالميزانيات السابقة، قال د. محمد أحمد أنه «لا توجد لدي أي مرجعية موثقة سوى الميزانية (سيئة الصيت) لسنة 2013 للمقارنة بها، مع الترتيبات المالية للعام 2018. ولاحظ د. محمد أحمد ارتفاع قيمة المخصص للمرتبات خلال 5 سنوات بما يقارب من 3.7 مليار دينار، (أي 20.79 مليار دينار في العام 2013 مقابل 24.5 مليار دينار في العام 2018)، وهو توجه سلبي على اقتصاد الدولة، فمن ناحية الإنتاجية لا يوجد من مبرر لارتفاع المرتبات بهذا القدر، صحيح أن هذا الارتفاع تم خلال السنوات الفاصلة بين 2013 و2017 إلا أن هذه الأرقام غير موثقة.. و الاستمرار في هذا الاتجاه لا يمكن أن يعود على الاقتصاد بأي نتائج إيجابية».

تقلب سياسي حاد
وتساءل الخبير الليبي: هل الحل في تخفيض هذا البند؟ وأجاب قائلا: بالرغم من أن توقعات البنك الدولي حول ليبيا التي تعتبر نوعا من النصائح المقدمة للدولة للقيام بعملية إصلاح هيكلي تشير إلى ضرورة خفض هذا البند، إلا أن التجارب في دول أخرى أثبتت صعوبة كبيرة في هذا الخصوص، فالتقلب السياسي الحاد الذي قد يرافق حلا كهذا يمكن أن يسبب خسائر أكبر من إبقاء الأجور على حالها، واللجوء إلى طباعة النقود للإيفاء بالالتزامات التعاقدية مع موظفي الدولة. ولكن فإن التجميد عند هذا المستوى أظنه لا مفر منه، وذلك بتحديد التعيينات الجديدة في جهاز الدولة لحين إعادة هيكلة الجهاز مع رفع إنتاجيته.

وحول سعر برميل الخام الليبي، الذي احتسبت على أساسه تقديرات العوائد النفطية، تبين أنه لا توجد إشارة إلى قيمة سعر النفط الذي تعتمد عليه الترتيبات في الإيرادات، ومع ذلك قدره د. محمد أحمد، بـ60 دولارا للبرميل، بافتراض أن متوسط الإنتاج المتوقع خلال العام الجاري سيكون 900 ألف برميل يوميا. وأضاف: وإذا ما قارنا هذا السعر بالسعر المعتمد في سنة 2018 من دول نفطية أخرى هذا العام نجد أن السعودية قدرت سعر برميل النفط في ميزانيتها بـ 53 دولارا ، وروسيا 40 دولارا ، والجزائر 50 دولارا ، والكويت 50 دولارا، وقطر 40 دولارا، ونيجيريا 47 دولارا.

تقدير الترتيبات المالية لسعر برميل النفط المتوقع يجنح إلى الارتفاع، وهذا يعطي تبريرا للصرف الزائد

ثم علق قائلا: إن تقدير الترتيبات المالية لسعر برميل النفط المتوقع يجنح إلى الارتفاع، وهذا يعطي تبريرا للصرف الزائد، صحيح أن السعر الحالي مرتفع ولكن لا يوجد تأكيدات أنه سيظل مرتفعا إلى نهاية العام، وقد جرت العادة في الدول النفطية على تحديد سعر متحفظ إلى حد كبير، لتجنب الوقوع في شرك العجز المالي نتيجة رفع توقعات الصرف.

أخيرا ووسط هذه الانتقادات والاتهامات يبقى التساؤل حول ما إذا كان المجلس الرئاسي سيعيد النظر في هذه الترتيبات المالية، في ضوء ملاحظات ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، أم أنه سيجري تمريرها دون النظر لهذه الإجراءات.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط