ديوان المحاسبة: «تقرير الفساد» يطال الجميع

أظهرت بيانات رسمية صادرة عن ديوان المحاسبة حجم إنفاق كبير من قبل «حكومتي طرابلس والبيضاء»، وصل إلى 278 مليار دينار خلال 5 سنوات في الفترة من 2012 إلى 2017، في ظل معاناة لا تزال قائمة في أغلب المناطق بسبب نقص السيولة وقلة السلع الغذائية وتأخر في الرواتب.

وتحدث التقرير السنوي الصادر عن الديوان للعام 2017 عن أن إنفاق الحكومة الموقتة وصل إلى 21 مليار دينار خلال الفترة نفسها، غير أنه عاد ليشير إلى أن «الضبابية تكتنف مصادر التمويل التي أُتيحت للحكومة الموقتة بالبيضاء، التي يمكن بها تحديد قيمة الدين العام الناتج عن هذا الإنفاق، الذي يتوقع أن يتجاوز 15 مليار دينار».

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبشأن إنفاق حكومة الوفاق تحدث التقرير عن أن الحكومة تعاني تخبطًا في إدارة شؤون الدولة مع مرور عامها الثاني في الحكم، مشيرًا إلى أنها «لم تحقق العام الماضي أي تقدم يذكر عن سابقه»، لافتًا إلى أن «الحكومة لم تتمكن من مباشرة الإصلاحات الحكومية الأساسية أو النظر إلى احتياجات المواطنين العاجلة».

المصرف المركزي انتهج سياسة توسعية في إنفاق النقد الأجنبي أدت لارتفاع سعر الدولار إلى 9.5 دينارات في السوق السوداء

في تقريره الصادر أمس الأربعاء، أوضح ديوان المحاسبة أن «الحكومة تأخرت كثيرًا في مباشرة أولوياتها الاقتصادية والخدمية وفقًا للملحق رقم 2 من الاتفاق السياسي في الصخيرات»، منبهًا إلى أن «أداء الحكومة المتدني انعكس على تصرفات المصرف المركزي، الذي تفرغ في جل أعماله نحو ممارسة مهام الحكومة وإهماله اختصاصاته الأصيلة بقانون تنظيمه».وذكر التقرير أن «الوضع الاقتصادي السيئ الذي عاشته الدولة خلال العام 2017 غير حقيقي»، متهمًا المصرف المركزي بانتهاج سياسة توسعية في إنفاق النقد الأجنبي أدت لارتفاع سعر الدولار إلى 9.5 دينارات في السوق الموازية نهاية العام 2017.

في هذا الإطار قال رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، إن «الانقسام المؤسسي رمى بظلاله وأوجد صراعًا كبيرًا بين المسؤولين لإدارة مؤسسات الدولة»، مؤكدًا أن «التعيينات العشوائية والوساطة أرهقتا خزينة الدولة»، لافتًا إلى صرف مليار و200 مليون دينار لصندوق موازنة الأسعار، إلا أن الصندوق لم يقم بعمله. وبحسب شكشك خلال مؤتمر صحفي الأربعاء، استعرض خلاله التقرير السنوي للعام 2017، فإن ديوان المحاسبة أرجع أموالاً كبيرة بعد اكتشاف جرائم اختلاس في عمليات التوريد، مؤكدًا أن ديوان المحاسبة أوقف تعاقدات بقيمة مليار و600 مليون دينار كانت ستدفع لشركات أجنبية، داعيًا إلى ضرورة تحقيق الشفافية في المساءلة بعد إصدار تقرير ديوان المحاسبة، بالنظر إلى أن «السلطات في ليبيا لا تتخذ الإجراءات اللازمة في مسألة المتهمين بالفساد».

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ورغم ذلك فإن خالد شكشك قال إنه رغم تحسن الوضع الاقتصادي، لكن الأوضاع المعيشية للمواطنين لم تجد التحسن المطلوب، معتبرًا أن «المشكلة الكبرى والجذرية في ذلك هي عدم معالجة سعر الصرف، محذرًا من أنه «إذا لم تتخذ قرارات خلال هذه الفترة سيكون الوضع أسوأ في العام 2018».

اكتشفنا جرائم اختلاس في عمليات التوريد وأوقفنا تعاقدات  بقيمة مليار و600 مليون دينار كانت ستدفع لشركات أجنبية

وانتقل إلى أن النقطة الأكثر ظهورًا وإيجابية خلال العام 2017، وهي تحسن اقتصاد الدولة نتيجة تحسن الإيرادات وترشيد حجم الإنفاق الذي بلغ أكثر من 32 مليار دولار، رغم الملاحظات على طريقة الإنفاق، معلنًا أن ديوان المحسابة ألغى قرار إيفاد 10 آلاف طالب إلى الخارج بسبب عشوائيته، الذي كان سيكلف الخزينة العامة مليار دولار سنويًا.

إلى ذلك أعلن ديوان المحاسبة قرائن قوية على أن الوضع الاقتصادي السيئ الذي عاشته الدولة خلال العام 2017 «غير حقيقي»، لكنه اتهم المصرف المركزي بانتهاج سياسة توسعية في إنفاق النقد الأجنبي أدت لارتفاع سعر الدولار إلى 9.5 دينارات في السوق الموازية نهاية العـام 2017، كما حمله مسؤولية ما سماه «الإحباط» و«الجمود» الذي طال برنامج الإصلاح الاقتصادي المقترح.

غير أن التقرير عاد ليتحدث عن إمكانية أن تكون الأوضاع أفضل بانتعاش الاقتصاد؛ كنتيجة طبيعية لتحسن إنتاج النفط وارتفاع موارده التي كانت أفضل من الأعوام السابقة، إلا أن هذا الأمر لم يحدث، متابعًا: «كانت الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية أسوأ نتيجة سياسة التضييق التي انتهجها المصرف المركزي في العام 2017 بعد أن آلت إدارة الموازنة الاستيرادية لوزارة الاقتصاد، بعكس السياسة التي كانت متبعة في إنفاق النقد الأجنبي تحت إدارة المصرف المركزي في الأعوام القريبة السابقة».

13.7 مليار دولار ايرادات النفط في العام 2017 مقابل 4.7 مليارات دولار في 2016

وقال التقرير إن إنتاج النفط تحسن وحقق إيرادات بالنقد الأجنبي بأكثر من 13.7 مليار دولار، مقابل 4.7 مليارات دولار في العام 2016، لكنه أشار إلى أن «المصرف المركزي لم ينفق إلا 8.9 مليارات دولار فقط على احتياجات الدولة بعد تولي وزارة الاقتصاد إدارة الموازنة الاستيرادية، رغم تخصيص موازنة بالنقد الأجنبي بقيمة 19.7 مليار دولار».
في المقابل، لفت ديوان المحاسبة إلى أن المصرف المركزي انتهج سياسة توسعية في إنفاق النقد الأجنبي بين العامين 2013 و2016، بشكل يتجاوز موارد الدولة بنسب تجاوزت 3 أضعاف في بعض السنوات، لافتًا إلى أن محافظ المصرف المركزي رفض المباشرة في تنفيذ الإصلاحات إلى أن تعتمد من مجلس النواب، حيث صرح في تلك الجلسة بأنه سيتولى عرض البرنامج على رئيس مجلس النواب.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفجر خالد شكشك مفاجأة حين قال: «إن وزيرًا في الحكومة الموقتة ألزم الدولة بدفع 450 مليون يورو لصالح شريك أجنبي ثبت تورطه في قضايا فساد»، لكنه لم يوضح اسم الوزير، ولا طبيعة هذه الأموال ولمن سددت، مكتفيًا بالقول إن الديوان «لا يملك سلطة تنفيذية توقف القرارات لكن نبه ووجه الملاحظات»، مضيفًا أن «الانقسام السياسي لم يؤثر على تكاتف أعضاء ديوان المحاسبة، وأي مؤسسة تصدر قرارات في أي منطقة هناك جهة تراقبها»، لافتًا إلى أن هناك مجموعة من الدعاوى القضائية حمت الدولة من دفع مبالغ ضخمة، وأن ليبيا تواجه 142 دعوى قضائية بقيمة 9 مليارات يورو، لافتًا إلى أنه سيتم نشر أسماء الشركات المتورطة في إفساد العملية الاقتصادية بليبيا.

وانتقل التقرير للحديث عن محاولات استهلاك الوقت عندما قال إن محافظ المصرف «بالغ فيما سُمي بالترويج للبرنامج من خلال عرضه على العديد من الجهات غير المعنية بشؤون الدولة أوالمال أوالاقتصاد مثل (الجامعات والسفراء ومؤسسات المجتمع المدني)، وهو بدوره ساهم في ضياع الجهد وخلق حالة إحباط وجمود.

الحكومة الليبية لم تدرك تبعات إقفال الموانئ منذ منتصف العام 2013، واستمرت في إقرار موازنات تعتمد على سياسة توسعية

وبشأن الموانئ النفطية، قال التقرير إن الحكومة الليبية لم تدرك تبعات إقفال الموانئ منذ منتصف العام 2013، واستمرت في إقرار موازنات تعتمد على سياسة توسعية، الأمر الذي نتج عنه عجز يتطلب إيجاد مصادر لتمويله، كما حدد الدين العام التراكمي منذ منتصف العام 2013 وحتى نهاية العام 2017، بنحو 58 مليار دينار، دون أن يشمل ديون الحكومة الموقتة.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأشار التقرير إلى لجوء الحكومة لتغطية عجز إيراداتها العامة منذ العام 2013 عن طريق سلف المصرف المركزي وحساب الاحتياطي العام واحتياطي المجنب وبواقي أرصدة الحسابات المصرفية، لافتًا إلى أن إغلاق الموانئ النفطية أسفر عن بلوغ إجمالي العجز المالي 88.8 مليار دينار خلال أربع سنوات، إذ وصل العجز في العام 2013 إلى 10.16 مليارات دينار، ارتفع في العام 2014 إلى 22.27 مليار دينار، ثم إلى 24.7 مليار دينار في العام 2015، لينخفض قليلاً إلى 20.97 مليار دينار في العام 2016، ثم هبوط بنسبة 50% إلى 10.7 مليار دينار في العام الماضي.

ولاحظ التقرير أن السلف تمت دون إطار تشريعي ينظمها وفق متطلبات القانون رقم 15 لسنة 1986 بشأن الدين العام على الخزانة العامة، التي لا تجيز لوزارة المالية الاقتراض من الداخل أو الخارج أو إصدار الضمانات التي ترتب التزامات مالية إلا بقانون، كما لاحظ أيضًا أنه جرت مخالفة أحكام المادة 11 من القانون رقم 1 لسنة 2005 والمعدل بالقانون رقم 46 لسنة 2012، التي أجازت للمركزي منح سلف موقتة لوزارة المالية لتغطية أي عجز وقتي في الإيرادات العامة بشرط ألا تزيد هذه السلف على 20% من مجموع الإيرادات المقدرة في الميزانية العامة وأن تسدد في نهاية السنة.

وأشار الديوان إلى أنه نبه مرارًا المصرف المركزي ووزارة المالية بضرورة العمل على إجراء المطابقات اللازمة للمصادقة على قيمة الدين والتنسيق لتقديم مشروع قانون يعرض على السلطة التشريعية يعالج الدين العام المحلي، لكنه أشار إلى أن الحكومة غير قادرة على تحقيق مستهدفاتها من الإيرادات النفطية على مدار عدة أعوام، بسبب اعتمادها على توقعات تفاؤلية، وعجزها عن معالجة مشاكل القطاع النفطي.

ديوان المحاسبة يلاحظ وجود فجوة بين الإيرادات النفطية المقدرة بالترتيبات المالية للعام 2017، والمحققة فعلاً، قيمتها وصلت إلى 2.5 مليار دينار

ولاحظ ديوان المحاسبة وجود فجوة بين الإيرادات النفطية المقدرة بالترتيبات المالية للعام 2017، والمحققة فعلاً، وقال إن قيمتها وصلت إلى 2.5 مليار دينار بنسبة تحصيل لم تتجاوز 89%، رغم ارتفاع أسعار الخام خلال النصف الأول من العام، عندما بلغ متوسط سعر البرميل 67.5 دولارًا، بعد أن كان سعر البرميل يتراوح بين 47 دولارًا و55 دولارًا.

وبالنسبة للإيرادات السيادية خلال العام الماضي، لاحظ التقرير وجود «انحراف سالب بنسبة 15%»، إذ قدرت بقيمة 3.3 مليارات دينار، في حين ما تم تحقيقه لم يزد على 2.8 مليار دينار، كما أن الأمر نفسه تقريبًا بالنسبة للإيرادات الجمركية، فقد لاحظ ديوان المحاسبة تدني الإيرادات الجمركية التي لم تتجاوز نسبة 66% عن المتوقع تحصيله، فقد وصلت إلى 164 مليون دينار، بينما كان المستهدف 250 مليون دينار، في المقابل حققت مصلحة الضرائب مستهدفاتها من التحصيل، إذ بلغت نسبة التحصيل 106%، فقد كان المستهدف 800 مليون دينار، وتم تحصيل 845 مليون دينار، أي بزيادة 45 مليون دينار.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط