«جريدة الوسط»: العملية السياسية تخرج مجددا من «الثلاجة»

بعد أشهر من الركود السياسي الذي بلغ مرحلة التجمد، ظهرت هذا الأسبوع مؤشرات، قد تكسر جمود العملية السياسية في ليبيا، وتخرجها من الثلاجة، إذ عاد الحديث عن تحرّكات دولية واقليمية ضمن المساعي الإقليمية والدولية، لحل الأزمة الليبية، من نيويورك إلى الجزائر مرورا بالقاهرة، فيما زاد التصعيد العسكري شرق البلاد وتراجع في جنوبه، وكان المشترك في كلّ ذلك هو «الانتخابات».

صندوق الاقتراع يزاحم المشهد العسكري
وسط تصاعد العمليات العسكرية في درنة، والتي يقول الجيش الوطني إنه على أعتاب حسمها، عاد الحديث عن صندوق الاقتراع ليزاحم المشهد العسكري، عبر مواقف سياسية وتحركات دولية وإقليمية وداخلية تدفع نحو تأييد عقد الانتخابات العامة في أقرب فرصة، فيما يلقى هذا الطرح تحفظات بعض الأطراف السياسية التي ترى فيه خيارا غير واقعي في غياب ضمانات تحقيقه.

يوم الإثنين الماضي، كانت إحاطة مبعوث الأمم المتحدة لليبيا غسان سلامة أمام مجلس الأمن، وأبرز ما جاء فيها هو إعلان تخليه عن محاولة تعديل اتفاق الصخيرات المبرم عام 2015 وأنه يركز بدلًا من ذلك على إجراء انتخابات هذا العام، وقال «آن الأوان لطي هذه الصفحة، إذ تتراجع بسرعة أهمية تعديل الاتفاق السياسي الليبي من خلال التركيز على إجراء الانتخابات هذا العام»، لكن سلامة لم يترك دعوته إلى الانتخابات مفتوحة، إذ أكد في المقابل ضرورة «تهيئة الظروف المواتية لتنفيذها، وتنفيذ جولة جديدة لتسجيل الناخبين والالتزام المسبق بقبول النتائج وتوفير الأموال اللازمة ووجود استعدادات أمنية قوية»، مضيفا «ليس أقل أهمية من ذلك أن يفي مجلس النواب بوعده من خلال إصدار قانون انتخابي ينظم الاستحقاقات الانتخابية بجميع أشكالها بالتشاور مع المجلس الأعلى للدولة».

أطراف سياسية ترى أن الحديث عن الانتخابات قد يكون أمرا سابقا لأوانه، نتيجة الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد

ولم يكن بعيدا عن هذا الموقف دعوة دول الجوار (مصر،الجزائر، وتونس)، خلال اجتماع وزراء خارجيتها الثلاثاء الماضي في الجزائر، إلى «ضرورة توفير الظروف الملائمة الكفيلة بتسريع تنفيذ خطة العمل الأممية»، ودعا وزراء خارجية الجزائر ومصر وتونس «الأطراف الليبية إلى تحمل مسؤولياتها ومواصلة انخراطها بحسن نية في تحقيق هذا المسار عبر إرساء توافقات موسعة تمهد المصالحة وطنية شاملة».

ووسط هذا التحرّك الدولي والإقليمي، فاجأ رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، الجميع بإقرار أنّ مدة ولاية المجلس ستنتهي أغسطس المقبل، بعد أن يكون قد أكمل مدة ولايته وهي أربع سنوات منذ انطلاق أعماله في 4 أغسطس 2014، إذ كثيرا ما كان عقيلة يتحاشى الحديث عن انتهاء المدّة القانونية للبرلمان، وفي تصريحات نقلها عنه مستشاره للشؤون الاعلامية، رأى خلال كلمة مقتضبة افتتح بها جلسة عقدها مجلس النواب في مدينة طبرق، الثلاثاء، أن «انتخاب مجلس نواب جديد قد ينهي الانقسام المؤسساتي في الدولة الليبية، داعيًا أعضاء المجلس للعمل على إقرار قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية بشكل عاجل».

وتلاقى موقف رئيس مجلس النواب مع المبعوث الأممي بشأن الحوار السياسي، إذ قال إن «الحوارات والنقاشات في جولات الحوار من بدايتها حتى الآن لم تسفر عن النتائج التي يأملها المواطن الليبي»، معتبرًا أن «الانقسامات في كل الأجسام التشريعية والتنفيذية والمالية هي التي تتطلب انتخابات عاجلة، وعلى الشعب الليبي وكل الجهات المسؤولة تحمل مسؤولياتها لإجراء انتخابات لإنقاذ الوطن والمواطن»، وأتى بالتفصيل على خطوات إجرائية ينبغي أن يتخذها المجلس لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، إذ دعا أعضاء المجلس للعمل على إقرار قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية بشكل عاجل.

في هذه الأثناء تهاتف كل من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج الموجود في القاهرة في زيارة خاصة، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حول تطورات الوضع في ليبيا، على خلفيّة مبادرة فرنسية لجمع أطراف الأزمة الرئيسيين 29 مايو الجاري في باريس، التي شهدت في لقاء بين السراج وحفتر في يوليو من العام الماضي، بمبادرة من الرئيس ماكرون.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وترى أطراف سياسية أن الحديث عن الانتخابات قد يكون أمرا سابقا لأوانه، نتيجة الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد، ومن بين أولئك تحالف القوى الوطنية الذي قال رئيسه محمود جبريل «إن ليبيا باتت منقسمة لدرجة لا تسمح بإجراء انتخابات وتواجه خطر التقسيم إذا مضت قدمًا في إجراء انتخابات دون ضمانات أمنية وتوافق وطني على بناء الدولة»، معتبرا أن«الهدف الذي تنشده الأمم المتحدة لإجراء انتخابات عامة بحلول نهاية العام غير واقعي»، واقترح جبريل ضمانات لهذه الانتخابات بينها «الحصول على تعهدات مكتوبة بقبول نتائج الانتخابات، وأن على السلطات الليبية والدولية أن تظهر أن بمقدورها ضمان احترام نتائج الانتخابات وهو أمر مستحيل في الوقت الراهن بسبب عدم وجود قوات للأمن الوطني أو هيئة قضائية فعالة»، وحذّر: «إذا لم تُلب هذه الشروط فلا أعتقد أن بوسعنا المشاركة لأن ذلك يعني أننا نعرض أنفسنا لجولة ثالثة من خيبة الأمل وجولة ثالثة من الأحلام الزائفة».

استطلاع: 70% من المستطلعة آراؤهم لا يوافقون على إجراء انتخابات أخرى والاستمرار في المرحلة الانتقالية

وفي هذا السياق، تعبر نتائج بعض استطلاعات الرأي عن هذه المخاوف، إذ إفاد استطلاع حديث أجراه منبر المرأة الليبية أن 70% من المستطلعة آراؤهم لا يوافقون على إجراء انتخابات أخرى والاستمرار في المرحلة الانتقالية، فيما أكد 68.7% منهم أنهم ينوون المشاركة في الانتخابات القادمة، بينما رأي 64% يرون أن الانتخابات لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والتفكك والتشرذم.

ويتقاطع صوت السياسة وحديث الصندوق مع العملية العسكرية الموسعة للجيش في درنة، والتي قال القائد العام للجيش الليبي، المشير خليفة حفتر إن قواته على أعتاب حسمها، وذلك في مواجهة مجموعات مسلحة تسمى «مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها»، لا تعترف بأي من الكيانات السياسية القائمة في ليبيا، فيما تراجع العنف المسلّح في الجنوب، عقب أسبوع من الاشتباكات شهدتها سبها كبرى مدنه، واستخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

للاطلاع على العدد 131 من جريدة «الوسط» اضغط هنا