تقرير ألماني: حقائق الأزمة الاقتصادية في «ليبيا المنقسمة»

سلط تقرير أعدته مؤسسة بحثية ألمانية الضوء على الأزمة الاقتصادية المتنامية في ليبيا، وقال إن الجهود والسياسيات الاقتصادية، التي طبقتها «السلطات السياسية في شرق وغرب ليبيا، للتقليل من آثار الأزمة تظل محدودة حتى الآن، ولم تؤت ثمارها».

للاطلاع على العدد 129 من جريدة «الوسط»

ومع استعداد ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بنهاية العام الجاري، قال التقرير إن «الانتخابات لا يجب بالضرورة أن تسهم في حل الأزمات الراهنة، على الأقل في الوقت الحالي. ولهذا فإن ليبيا بحاجة إلى اتفاق القادة النافذين على تقاسم السلطة، قبل وضع سياسات اقتصادية دقيقة».

الإصلاحات الاقتصادية تتطلب حكومة تحظى بالشرعية أمام الليبيين

وأشارت مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية إلى أن إيجاد حلول مستدامة للمشكلات الاقتصادية الرئيسة هو بداية حل الأزمة، مع التركيز على اقتصاد سياسي موحد، ونظام حوكمة جيد لضمان تحقيق التنمية.

وفي تقريرها بعنوان: «النفط، المصارف، الحوكمة: الحقائق الاقتصادية في ليبيا المنقسمة»، قالت المؤسسة الألمانية إن ليبيا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لم تعد موردًا مستقرًا للاقتصاد ، مشيرة إلى هبوط العائدات النفطية إلى الربع تقريبًا، رغم التقارير حول ارتفاع الإنتاج في الآونة الأخيرة، وذكرت أيضًا أن «ضعف أداء الاقتصاد الليبي مثبت في الأرقام الرسمية ومنعكس في متطلبات الليبيين».

وأكد التقرير أن الأزمة الاقتصادية، التي يعتبرها كثير من المتابعين المحرك الرئيس خلف بعض أوجه الصراع، تعرقل تحقيق السلام الاجتماعي، وهي السبب في تراجع ثقة الليبيين في أجهزة الدولة.

وتحدث التقرير عن تسارع معدلات التضخم، مع انتعاش الأسواق السوداء، وقال إن التحديات المستقبلية أمام الاقتصاد الليبي تتنوع بين إعادة إعمار البنية التحتية للبلاد، وتنويع مصادر الدخل ورعاية القطاع الخاص ومكافحة الجريمة المنظمة والفساد.

الضبابية السياسية واستمرار الصراع في ليبيا يغذيان «اقتصاد الظل»

ورأى أن ليبيا تفتقر لرؤية طويلة المدى للاقتصاد، وهذا لن يتغير دون تحديد من المسؤول عن اتخاذ القرارات، مضيفًا أن البنية التحتية وقطاعات الخدمة الرئيسية عاطلة، وإصلاح هذا الوضع يتطلب الوقت والمال والمستثمرين الأجانب.

وتابع التقرير أن «الإبقاء على مستوى إنتاج نفطي ثابت أمر حيوي، لكن تحقيق تقدم إيجابي يتطلب من الليبيين تحديد مسؤوليات الهيئات المؤسسية الأساسية، مثل المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي».

وشددت المؤسسة الألمانية على الحاجة الملحة لتبني إصلاحات اقتصادية حازمة، قبل خروج الوضع عن السيطرة. ويجب أن تعتمد أي إصلاحات على تقييم وفهم صحيحين للوضع الراهن، وهذا يتطلب بدوره قيادة فعالة وحكومة تحظى بشرعيتها أمام غالبية الليبيين.

للاطلاع على العدد 129 من جريدة «الوسط»

البنية التحتية للنفط والغاز
ولحل الأزمة الاقتصادية في ليبيا دعا تقرير المؤسسة الألمانية إلى إعادة بناء البنية التحتية لصناعة النفط والغاز، مؤكداً أن النفط عامل أساسي في الاقتصاد باعتباره المصدر الأول للعائدات، ويجب أن تظل الصناعة النفطية من الأولويات، فهي المصدر الأكثر أهمية للدخل، وتعتمد 97% من عائدات الدولة على إنتاج النفط والغاز، مما يخلق تبعية ضعيفة في هياكل الدولة.

لا توجد رؤية للاقتصاد، وهذا لن يتغير دون تحديد من المسؤول عن اتخاذ القرارات

وأكد التقرير أن اضطراب النشاط النفطي وإغلاق الحقول المهمة، له تأثير سلبي طويل الأجل على اقتصاد الدولة. ويعوق الإنتاج غير المنتظم قدرة الدولة على الاعتماد بشكل حصري على العائدات النفطية. ورغم التوقعات الليبية بتحقيق 22.5 مليار دولار من العائدات النفطية في 2018، قال التقرير إن مستوى الإنتاج الحالي، 978 ألف برميل يومياً، أقل بكثير من المطلوب.

ورغم دور المؤسسة الوطنية للنفط في رفع الإنتاج النفطي في الأشهر الأخيرة، رأى التقرير أن «تأثيرها على آفاق صناعة النفط في ليبيا لا يزال محدوداً»، موضحاً أن «المؤسسة طالبت مراراً السلطات الليبية لإجراء الصيانة الدورية في حقول الإنتاج، لكن ذلك لم يحظ بجواب من الطرف الآخر».

وقال التقرير أيضاً إن الانقسام السياسي على المستوى الوطني يجعل من الصعب بالنسبة إلى أي مؤسسة رسمية اتخاذ قراراتها وفرض رؤيتها على جميع الأطراف في أنحاء الدولة.

ونتيجة لذلك، يعتمد الإنتاج النفطي في ليبيا على عوامل عدة بينها الإطار السياسي والوضع الأمني، والطرف المسيطر على الحقول النفطية، والطرف الخارجي صاحب النفوذ الأكبر للتعاون مع شركات النفط الليبية.

وتحدث التقريرعن «الإغلاقات العشوائية لحقول النفط التي استمرت سنوات في منطقة الهلال النفطي»، مشيرا إلى أن اضطراب الإنتاج النفطي يجعل من الصعب أن تسوق ليبيا إنتاجها وتمثيل صناعتها على المدى الطويل.

وتأرجح الإنتاج الليبي منذ فبراير 2017 بين 550 ألف برميل ليصل إلى 1.01 مليون برميل في يوليو، وينخفض مجدداً إلى 917 ألف برميل في ديسمبر. وقال التقرير إن «هذا التفاوت في معدلات الإنتاج يخلق وضعاً ضبابياً وغير مؤكد بالنسبة إلى شريحة كبيرة من السكان»، إذ يعتمد 80% من الليبيين على تلقي رواتب من الحكومة.

وتحدث التقرير عن استخدام المنشآت النفطية «ورقاً للمساومة» من قبل مجموعات مسلحة لتحقيق مطالبها السياسية والاقتصادية. إضافة إلى تهريب جزء كبير من الإنتاج إلى خارج ليبيا، إذ كشف التقرير عن أن النفط المهرب من ليبيا يغطي حوالي 40% من الأسواق في دول الجوار.

وتعاني ليبيا من عجز في الموازنة يصل إلى 12 مليار دينار، وهو العجز بين النفقات وبين العائدات التي بالكاد تكفي لدفع الرواتب. وقدر التقرير أن ليبيا تحتاج بين 46–81 مليار دولار من أجل عمليات إعادة بناء البنية التحتية لصناعة النفط والغاز، وإعادة إحياء القطاع النفطي، واستغلال الموارد المتاحة.

استغلال احتياطي الغاز يدعم عائدات الدولة وهذا يحتاج لإعادة تقييم البنية التحتية والإطار السياسي الراهن

ولفت تقرير المؤسسة الألمانية إلى احتياطات الغاز في ليبيا، وقال إن ليبيا تملك احتياطات كبيرة من الغاز، واستغلالها بشكل جيد سيدعم عائدات الدولة الرسمية، لكن هذا يحتاج إلى إعادة تقييم البنية التحتية والإطار السياسي الراهن، وتحسين المناخ العام من أجل الوصول إلى مستويات مرضية من إنتاج النفط والغاز.

وقال إن دولاً مثل إيطاليا وروسيا تتفهم جيداً المنافع التي قد توفرها صناعة النفط والغاز في ليبيا، لكن استراتيجية كلا البلدين لا تزال في البدايات، وهناك حاجة لاستكمالها باستراتيجية رسمية أكبر تناسب مصالح ليبيا.

ضمان استقرار القطاع البنكي
وتحدث التقرير عن ضرورة تحقيق الاستقرار في القطاع المصرفي وإعادة ثقة الليبيين به، وقال إن صاحب القرار الأول في ليبيا هو المصرف المركزي فيما يخص الأمور الاقتصادية، لكن نادراً ما يقدم المصرف بيانات رسمية يمكن الاعتماد عليها حول وضع البلاد الاقتصادي والمالي.

وينقسم الاقتصاد الليبي إلى ثلاثة قطاعات، القطاع البنكي (يمثل 83%) وقطاع التأمين (يمثل 16%) وقطاع الاستثمارات (يمثل 1%). ورغم أن الإحصاءات المعلنة تقول إن معدل التضخم بلغ 26.3% في فبراير الماضي، إلا أن المعدلات الحقيقية تمثل خمسة أضعاف هذا الرقم.

وعزا التقرير ذلك إلى نشاط الأسواق السوداء، وأنشطة بعض رجال الأعمال، من يميل للعمل في تبادل العملة، إلى جانب انخفاض أنشطة التصنيع، وهو ما يفسر إغراق الأسواق بالمنتجات التركية، في غرب ليبيا، والمنتجات المصرية، في الشرق.

ومع هذا الاعتماد الكبير على العائدات النفطية، فإن الوضع الاقتصادي الحالي أسوأ بكثير مما كان عليه قبل 2011، حينما أبرمت ليبيا عدة اتفاقات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يسمح لليبيا بالاستفادة بوضع خاص. لكن منذ 2011، ترك تدهور الوضع السياسي والأمني أثراً سلبياً بارزاً على الاقتصاد.

وبعد 2011، جرى إنفاق أموال الدولة بشكل غير حكيم، وذلك بسبب التوقعات الكبيرة للمواطنين، ونتيجة لذلك توسعت معدلات العجز. وحتى العام 2015، تم استهلاك 36% من احتياطات المصرف المركزي لدفع الميزانية العامة. بينما في العام 2016، تم استخدام الاحتياطات النقدية لسد 70% من الميزانية. وتراجعت احتياطات العملة الأجنبية من 130 مليار دولار إلى 30 مليار دولار.

ويعتقد خبراء، نقل عنهم التقرير، أن 40 مليار دولار، هي حجم الأموال الحقيقية، يجري تداولها خارج القطاع البنكي، وأن 60% من حجم الإنفاق الرسمي يذهب إلى «المسؤولين المدرجين على قوائم الرواتب الحكومية».

وعزا التقرير أسباب تداول هذا الكم الهائل من النقد خارج القطاع المصرفي إلى «غياب الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة والمصارف مما يدفع كثيراً منهم للابتعاد عن وضع مدخراتهم، سواء بالعملة المحلية أو الصعبة، في المصارف».

الأسواق الموازية الأكثر نشاطًا ووحدة ولا تتأثر كثيرًا بالخلافات السياسية والصراع المسلح

وأكد التقرير أن هذا الوضع يمكن حله فقط عبر استراتيجية اقتصادية شاملة، ومجموعة من الإجراءات الحازمة، يجرى تنسيقها بين مسؤولي الحكومة المركزية والمسؤولين المحليين، وبين الأطراف الفاعلة في القطاع المصرفي.

وشدد على أن «علاج الأزمة موجود لكنه يتطلب إصلاحات سياسية جدية»، بينها توفير دعم مالي للعائلات وفرض قيود على استيراد بعض البضائع من أجل تحفيز الصناعة المحلية، وإصدار عملة جديدة للحد من أزمة السيولة، وتقليل سيطرة الدولة على الاقتصاد، تحسين مستوى الإدارة والحوكمة، والتحكم في أسعار صرف العملة، وتوحيد المؤسسات المالية والاقتصادية، بدءاً من المصرف المركزي، وإنهاء دعم المنتجات البترولية.

ودعا تقرير مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية إلى ضرورة مواجهة ما سمته بـ«اقتصاد الظل» في ليبيا، وقالت إن استمرار الصراع والضبابية السياسية يعرقلان عودة الاقتصاد إلى إدائه وإمكاناته قبل العام 2011.

و تحدث التقرير عن أنشطة «اقتصاد الظل»، وقال إن «الأسواق السوداء تطورت إلى درجة السيطرة على العامل المحدد للأسعار في الاقتصاد». وأضاف أن القضاء على هذا النمط من الأنشطة يستدعي «استراتيجية واضحة للتعامل مع الأسواق الموازية، وخطة عمل تقضي على الفجوة بين أسعار صرف الدينار في السوق الرسمية وغير الرسمية».

وقالت مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية إن الأسواق الموازية هي الأكثر نشاطًا ووحدة، مقارنة بالاقتصاد الرسمي، ولا تتأثر كثيرًا بالخلافات السياسية والصراع المسلح مثل الاقتصاد الرسمي.

ونبهت إلى ضرورة أن يؤخذ في الاعتبار حجم شبكات المصالح المتداخلة للأنشطة الإجرامية، التي تتنوع بين تهريب النفط والبضائع المدعمة وتجارة الأسلحة والبشر، التي رأت أنها «أنشطة تدخل في النسيج الاقتصادي لكثير من المجتمعات المحلية».

وذكرت أن «نظام معمر القذافي مارس في السابق نوعًا من السيطرة على أنشطة التهريب. ومنذ سقوطه، ظهرت منافسة مفتوحة أشعلت صراعات محلية». وقالت إن غياب دولة مستقرة، وسيطرة اللاعبين الأمنيين تسبب في «تحويل اقتصاد التهريب إلى مهنة احترافية»، تتطلب تعيين أفراد مسلحين للحماية وهو ما خلق «أسواق حماية» غير رسمية.

وفي ظل تلك الأجواء، قال التقرير إن «عشرات المجموعات المسلحة ظهرت في جميع أنحاء البلاد، تستمد قوتها من القطاع الأمني، وسيطرت على مسارات التهريب، والبنية التحتية لطرق النقل، والمناطق الحدودية، وبعض أجهزة الدولة، بل وعملت على نهب عائدات الدولة، وهي أنشطة تعرف باسم (اقتصاد الحرب) تعتمد على انتشار العنف».

«الأسواق السوداء تطورت إلى درجة السيطرة على العامل المحدد للأسعار في الاقتصاد»

ونظرًا لأن نسبة كبيرة من السيولة النقدية تستهلكها المجموعات المسلحة، إذ تصل ثروتها إلى مليارات الدينارات، قال التقرير إن الروابط الاقتصادية بين تلك المجموعات يجب القضاء عليها، عبر جهود إعادة إدماج عناصر المجموعات المسلحة في الاقتصاد، وإيجاد بدائل للتوزيع المركزي للثروة العامة من أجل الحفاظ على الاستقرار.

للاطلاع على العدد 129 من جريدة «الوسط»

هياكل الحكم المحلي
كما شدد التقرير على أهمية دور هياكل الحكم المحلي التي توفر نافذة من الفرص يجب استغلالها، إذ يمكن للمجالس البلدية الفعالة تحقيق الاستقرار في ليبيا، فيما يخص توفير بنية تحتية مستدامة.

ولفتت المؤسسة الألمانية إلى الحاجة لدعم الهياكل المحلية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وقالت إن الأنظمة الاقتصادية وأنظمة الحوكمة يجب أن تكون لامركزية.

وأوضحت أن «اللامركزية» تتطلب تفويض السلطات تدريجياً وفق أداء المجالس البلدية، لافتة إلى أن إنشاء وزارة للحكم المحلي في حكومة الوفاق خطوة حيوية في دعم مصادر الدخل المحلية، كبديل لمصادر الحكومة المركزية.

لكنها قالت أيضاً إن تنسيق الإدارة محلياً ليس بالأمر الهين، إذ إن من أهم القضايا السائدة في ليبيا هو تلك المرتبطة بغياب التقارب، على مستوى العلاقة بين الحكومة المركزية والمجالس البلدية، وبين الهياكل السياسية والتنفيذية.

وحذرت المؤسسة من أن إهمال هذا الجانب سيجعل من الصعب بالنسبة إلى الليبيين الاستفادة من التحسن في قطاع الصحة أو الصرف الصحي أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وغيرها من القطاعات.

للاطلاع على العدد 129 من جريدة «الوسط»

المزيد من بوابة الوسط