تقرير ألماني: كيف اخترقت المجموعات المسلحة البنية التحتية للنظام المالي في ليبيا

تحدثت دراسة حديثة أعدها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، عن الأساس المالي لتوسع المجموعات المسلحة في ليبيا، خصوصا بالعاصمة طرابلس، بعدما أشارت إلى تأثير تلك المجموعات على العملية السياسية والاقتصادية، حين ذهبت أيضًا إلى أنه منذ إنشاء حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس، في مارس 2016، فرضت حفنة من المجموعات المسلحة سيطرتها تدريجيًا على العاصمة، ووقعت طرابلس تحت سيطرة أربع مجموعات مسلحة رئيسة، سمتها الدراسة «كارتل ميليشيات طرابلس».

شبكات إجرامية تمتد في أعمال السياسة والاقتصاد والإدارة
وقال معد الدراسة الباحث، وولفرام لاخر، إن تلك المجموعات نمت تدريجياً وتحولت إلى شبكات إجرامية تمتد في أعمال السياسة والاقتصاد والإدارة، لافتًا إلى أن «نهب أموال وعائدات الدولة، وهي من العلامات المميزة للاقتصاد السياسي في ليبيا، يصب لصالح مجموعة ضيقة من الأطراف، أكثر من أي وقت مضى».

للاطلاع على العدد 128 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتساءلت الدراسة، التي نشرت ترجمتها «الوسط» في عددها الصادر الخميس، ما سمح للميليشيات الأربع الرئيسة بالتوسع في طرابلس والسيطرة عليها خلال عام واحد؟ وقالت إن «الرواتب التي تحصل عليها المجموعات الأربع من الحكومة لا يمكن أن تكون مسؤولة عن ذلك».

وأوضحت أن «المجموعات الأربع، مثلها مثل أي مجموعة أخرى، هي جزء رسمي من المؤسسات الأمنية للدولة. فمجموعة التاجوري وككلي وقدور جزء من جهاز الأمن المركزي». لكنها قالت إن «ذروة توسع المجموعات المسلحة باستخدام أموال الدولة كان في عامي 2012 - 2013، فيما تراجعت عائدات الميليشيات بحلول منتصف العام 2014. ولم يتغير ذلك مع مجيء المجلس الرئاسي، حيث لم يسمح مصرف ليبيا المركزي للرئاسي بالوصول إلى عائدات الدولة».

وأكدت الدراسة الألمانية أن الأساس المالي لتوسع المجموعات المسلحة يكمن في تدفقات العائدات التي طورتها تلك المجموعات، مع انكماش العائدات الحكومية منذ 2015، مشيرة إلى زيادة كبيرة في أنشطة الخطف في طرابلس، خلال 2015 - 2016. وبدأت المجموعات المسلحة أيضاً في إنشاء «جيوب حماية» وفرض ضرائب على الأسواق.

واستغلت المجموعات المسلحة أيضاً تدهور الأزمة الاقتصادية في ليبيا، مما حدا بهم إلى «اختراق» البنية التحتية للنظام المالي. وأشارت الدراسة إلى تراجع الثقة في العملة المحلية، منذ نهاية 2014 حتى الآن، بسبب انهيار الإنتاج النفطي وانقسام المؤسسات الحكومية.

للاطلاع على العدد 128 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

بالإضافة إلى ذلك، توسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في الأسواق السوداء، ما وفر هوامش ربح متزايدة لمن يستطيع الحصول على العملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي.

وفي ظل تلك الفجوة في سعر الدينار، لفتت الدراسة إلى ظهور أنشطة «حماية المصارف وفروعها» في طرابلس، وهي أنشطة بدأتها المجموعات المسلحة لتحظى بامتياز الوصول إلى العملة الصعبة بالسعر الرسمي، تقوم بعدها ببيعه في الأسواق السوداء.

استغلال خطابات الائتمان
وفي نهج أكثر تعقيدًا، استغلت تلك المجموعات إصدار خطابات الائتمان من أجل استيراد بضائع من الخارج، ثم تقوم باستيراد كمية أقل من تلك المنصوص عليها في الخطاب، ثم تحويل باقي العملة إلى السوق السوداء. وعادة ما يقوم قادة المجموعات المسلحة بابتزاز مديري المصارف، أو التواطؤ معهم من أجل إصدار خطابات الائتمان.

ونوهت الدراسة، إلى أن «النفوذ المتزايد للمجموعات المسلحة في المصارف تسبب في انهيار الثقة بالنظام المصرفي، حيث انتشرت إشاعات زعمت بتعاون موظفي المصارف مع عصابات الخطف وإمدادهم بمعلومات حول ودائع المتعاملين».

ومع هذا التحايل، اضطرت السلطات الليبية إلى فرض قيود على العملة الصعبة من المصارف، مما دفع التجار إلى سحب ودائعهم والتوجه إلى الأسواق السوداء للبحث عن العملة الصعبة، وبالتبعية، تسبب ذلك في أزمة السيولة.

أزمة السيولة وفرت فرصًا أكثر للمجموعات المسلحة
ووفرت أزمة السيولة أيضاً فرصاً أكثر للمجموعات المسلحة، بحسب الدراسة، فوجود تلك المجموعات في المصارف سمح لها بسحب رواتبها نقدًا فور وصول الأموال إلى المصرف. واتخذت قيادات المجموعات المسلحة «عملاء» من المواطنين العاديين، مقابل إمكانية أفضل للوصول إلى النقد، وتربح هؤلاء القادة عبر شراء أذونات الصرف (الشيكات) من المواطنين بالخصم.

بالإضافة إلى ذلك، حصلت المجموعات المسلحة على رواتب شهرية مقابل حماية فروع المصارف، إلى جانب الرواتب الحكومية التي يتلقاها أفرادها من الحكومة. وأصبحت العقود المدفوعة لتوفير الأمن هي «العرف السائد» في الشركات المملوكة للدولة والمباني المكتبية الكبرى.

وبالنظر إلى التغيرات في القاعدة المالية للمجموعات المسلحة في طرابلس، قالت الدراسة إن «ذلك يعني أن التنافس فيما بيها له بعد اقتصادي قوي، وأن التوسع الإقليمي يمكن الحفاظ عليه، بما أن السيطرة على مناطق جديدة تعني السيطرة على مصادر جديدة للدخل».

للاطلاع على العدد 128 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط