هل ينقذ «لقاء المغرب» المفاوضات السياسية؟

رفع لقاء رئيسي مجلسي النواب والدولة مؤشرات العملية السياسية في ليبيا إلى مستوى التفاؤل، حيث يراهن إزاءه المراقبون على إحداث توافق بشأن تعديلات تجرى على الاتفاق السياسي، تكون خطوة أولية في طريق الذهاب إلى استفتاء على مسوَّدة الدستور، ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام الجاري، وفق الخطة الأممية التي طرحت في 20 سبتمبر الماضي.

وجاء اللقاء الذي وصف بـ«الإيجابي» للمستشار عقيلة صالح وخالد المشري، في البلد الذي شهد إقرار اتفاق الصخيرات بين الفرقاء السياسيين قبل أكثر من عامين في ظل ضبابية تسود المشهد الليبي حالياً، على خلفية ارتباك سببه غياب قائد الجيش المشير خليفة حفتر وعوامل أخرى ربما تهدد خارطة الطريق الأممية المكونة من ثلاث خطوات.

ويعتبر اللقاء أول تحركات فعلية لخالد المشري الذي انتخبه المجلس الأعلى للدولة رئيساً بداية الشهر الجاري خلفاً لعبد الرحمن السويحلي الذي ترأس المجلس في دورتين سابقتين آخرهما العام 2016، ليتولى مهمة جديدة محاطة بالمخاوف، فهل يكون لقاء المغرب فرصة لإنقاذ المفاوضات السياسية ومناقشات تعديل الاتفاق السياسي؟.

حكومة وحدة وطنية بنهاية 2018
على صعيد التصريحات الرسمية، انتهى لقاء المغرب بنتائج تؤصل لانطلاقة جديدة من المشاورات، يتوقع المراقبون أن تنتهي بانفراجة في الأزمة السياسية، لاسيما أن رئيس مجلس النواب توقع تشكيل حكومة وحدة وطنية نهاية 2018، حيث تحدث للصحفيين بمطار الرباط- سلا، قبيل مغادرته المغرب وفقما نقلت وكالة «الأناضول»، إذ جاءت تصريحاته تفاؤلاً حين ذهب إلى أنه «بنهاية هذا العام، ستحل المشاكل في ليبيا، وتشكل حكومة وحدة وطنية واحدة»

وأشار عقيلة إلى طلبه رسمياً من المغرب أن تحث الأطراف الليبية، ومبعوث الأمم المتحدة لليبيا غسان سلامة، على «سرعة الحل المطلوب لتعديل الاتفاق السياسي، لتمر ليبيا من أزمتها الراهنة»، متحدثاً عن اهتمام مغربي متزايد بالملف الليبي، رغبة في المساعدة على حل الأزمة السياسية بالبلاد، متوقعاً أن «يكون للمغرب دور ريادي أكثر فيما يتعلق بالعلاقات مع ليبيا»، واصفاً في الوقت نفسه زياته إلى الرباط بـ«الناجحة».

إلى ذلك، وصف مصدر دبلوماسي الاجتماع بـ«الموفق»، لافتاً إلى أن صالح والمشري اتفقا على تشكيل لجنتي حوار لمناقشة تعديل الاتفاق السياسي بأسرع وقت، فيما رحب عقيلة صالح بلقاء المشري في «طبرق»، مطالباً بدعم تعديل الاتفاق السياسي وفق مقترح غسان سلامة.

وقال عقيلة خلال مؤتمر صحفي الإثنين بالعاصمة المغربية الرباط: «المطالب بالنسبة لنا هي دعم الاتفاق السياسي بالتعديل الذي اقترحه المبعوث الأممي غسان سلامة واعتمده مجلس النواب، ونتوقع ونرجو من مجلس الدولة أن يوافق عليه»، لافتاً إلى «تعديل السلطة التنفيذية من رئيس ونائبين إضافة إلى رئيس للحكومة تتولى الشأن الليبي وتحل مشاكل المواطنين».

وحول لقاء المشري قال عقيلة: «المشري أعلن منذ توليه أن يأتي إلينا في طبرق، ونحن نرحب به للقاء في طبرق، ونحن أخوة وليس بيننا عداوة، وهناك خلاف من أجل مصلحة ليبيا، نحن لانختلف على ليبيا ربما نختلف على بعض الإجراءات وسيتم اللقاء».

لقاء وفد مصراتة
الانفراجة باتت أكثر وضوحاً عندما وصف عضو مجلس النواب وعضو لجنة الحوار فتحي باشاغا لقاء وفد نواب مصراتة، برئيس مجلس النواب في المغرب بـ«الإيجابي»، مؤكداً أن اللقاء تناول 3 قضايا أساسية «سياسية، واجتماعية، ووطنية».

وقال باشاغا في تصريحات إلى «الوسط»، الثلاثاء، إن اللقاء أُعد له منذ فترة، حيث كانت هناك اتصالات مع المستشار عقيلة صالح، لعقده في مدينة طبرق، إلا أن الظروف السياسية حالت دون ذلك، مؤكداً أن المغرب تقدمت بهذه المبادرة التي وافقنا عليها، نظراً لدور الرباط الإيجابي وعدم تدخلها في الشأن الليبي بشكل سلبي، حيث ناقش اللقاء ثلاث قضايا أساسية، أولاها الشأن السياسي، مؤكداً أنه تم بحث التدخل الخارجي في ليبيا وانعدام الدولة وكيفية إصلاح الأمر.

وقال عضو مجلس النواب: «تناول المحور الثالث في اللقاء، الشق الوطني حيث تحدثنا عن انقسام المؤسسات وانعدام الدولة وكيفية إعادة الإصلاح ولملمة هياكل الدولة من أجل مصلحة الوطن والمواطن، كما تم الحديث عن دور مجلس النواب»، مؤكداً أن «هناك رغبة من النواب المقاطعين للالتحاق بالمجلس، الأمر الذي لاقى تجاوباً من رئيس مجلس النواب قائلاً: باب المجلس مفتوح للجميع»، منوهاً بأن ثمة «زيارة اجتماعية بأهالي مدينة طبرق والمنطقة الشرقية لدعم المصالحة الوطنية».

الجيش لم يشارك
على خلاف مما سبق نفى الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش، العميد أحمد المسماري، الأربعاء، تكليف أي مندوب حضور الاجتماعات التي جرت في المغرب، لافتاً عبر حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن قيادة الجيش الليبي «لم تشارك في هذه الاجتماعات بأي شكل من الأشكال، وبالتالي لا صحة للأخبار المتواترة على وسائل الإعلام بحضور مندوب عنها لهذه الاجتماعات».

يقلص الفجوة السياسية
المراقبون كان لهم رأى متباين، حيث اعتبر مصباح دومة، عضو مجلس النواب، أن أي لقاء بين طرفي الاتفاق السياسي يمثل حدثاً إيجابياً وخطوة في اتجاه الوفاق، ويقلص الفجوة السياسية، لاسيما أن اللقاء كان خارج الرعاية الأممية التي وصفها بأنها «أصبحت تمثل عائقاً في ليبيا»، معتقداً أن اللقاء بمثابة بداية جديدة لتعديل، ومن ثم تفعيل الاتفاق السياسي وتحفيز الجميع للوصول إلى توافق حقيقي.

الأمر نفسها أيده صالح قلمة عضو مجلس النواب، الذي قال إن البداية دائماً تكون سهلة لمثل تلك اللقاءات، ولكن الاستمرار لإكمال المشهد يمثل الصعوبة، التي تحتاج إلى كثير من التنازلات والتضحيات والشفافية، وهو ما يتطلب أن تكون هناك لقاءات وزيارات أخرى موازية لدعم هذا المشهد اجتماعياً وأمنياً وعسكرياً من أجل الوصول إلى حكومة واحدة.

تقاسم المناصب
على خلاف ما سبق استبعد إبراهيم الدباشي، مندوب ليبيا السابق فى الأمم المتحدة، أن يسهم لقاء عقيلة والمشري في حل الأزمة، مدللاً على ذلك بأن الطرفين يهتمان بـ«تقاسم المناصب فقط»، مضيفًا: «مجلسا النواب والدولة متفقان منذ أشهر على تقليص المجلس الرئاسي إلى رئيس ونائبين، وفصل الحكومة عن المجلس ولكنهما فشلا في التنفيذ لأنهما لم يتفقا على تقسيم المناصب أو ما يسمونه آلية اختيار أعضاء المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة».

لكن المراقبين كانوا أكثر من السياسيين على مستوى التفاؤل بنتائج اللقاء، حيث قال الأكاديمي الدكتور إبراهيم هيبة، «إن الحوار هو الطريق الأقرب لإيجاد حل للانسداد السياسي الموجود»، معتبراً أن «لقاء عقيلة والمشري خطوة في الاتجاه الصحيح لتقريب وجهات النظر والبدأ فعلياً في تهيئة الظروف للحوار وإجراء تعديلات على الاتفاق السياسي الذي أوصل البلاد إلى طريق مسدود».

تغيير في الخريطة السياسية
وتحدث هيبة عن تغيير في الخريطة السياسية برحيل الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة عبدالرحمن السويحلي، بالتزامن مع غياب قائد الجيش المشير خليفة حفتر الذي لم يعرف بعد تطورات حالته الصحية، وهي مؤشرات اعتبرها قد تحدث تغييراً كبيراً في المعادلة السياسية، وقد تدفع الأطراف السياسية إلى إيجاد حلحلة وتعديل الاتفاق السياسي.

وأشار إلى أن النقطة الأكثر أهمية، التي تحتاج تدخلاً لحلها تتعلق بمسوَّدة الدستور، لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات، حيث «تحتاج إلى اهتمام من الأطراف المتحاورة، خاصة أن «المسوَّدة بصيغتها الراهنة تحتوي على عيوب تدخل البلاد في أزمات سياسية وصراعات أهلية وسياسية»، منوهاً بأن التحدي الكبير الآخر يتعلق بمسألة «مستقبل الجيش وقادته، التي تحتاج أبعاداً وطنية».

بنفس مستوى التفاؤل السابق تحدث عمر نصر، الناشط بمؤسسات المجتمع المدني في وادي الشاطئ، حيث اعتبر لقاء المغرب «خطوة جيدة على مستوى العملية السياسية المتعثرة ويخدم التقارب والوصول لحل للأزمة»، رغم أنه اعتبر مجرد الاجتماع «ليس في حد ذاته إنجازاً، ولكن الأهم هو مردوده ونتائجه العملية»، مشيراً إلى أن اللقاء قد يفتح الباب إلى ما وصفها بـ «صفقة أو تسوية سياسية»، تؤدي إلى حلحلة الأزمة.

وأشار إلى أن مقياس نتائج الاجتماع متوقف على مدى المضي قدماً في الأمور العاقلة، ومن بينها اعتماد قانون الاستفتاء حول مسوَّدة الدستور، وتضمين الاتفاق السياسي بالإعلان الدستوري، والتوافق بشأن مسألة تقليص المجلس الرئاسي واعتماد حكومة موحدة.
الدكتور امحمد البكاي، الأستاد بجامعة سبها، قال إن اجتماع المغرب «خطوة إيجابية للاتفاق على الدفع بالعملية السياسية من الجمود الذي صابها، بسبب رغبة دول إقليمية، والدور الضعيف للمبعوث الأممي»، لافتاً إلى أنه «لا يمكن الدخول في تفاصيل اللقاء إلا من خلال لجان مختصة، على أن تنتهي بالمصارحة أمام الرأي العام، وتقديم تنازلات حقيقة وتغليب مصلحة الوطن من أجل رفع معاناة البسطاء».

امحمد العجيلي، الأستاد بجامعة سبها، يقول إنه «حال خلص نوايا الطرفين وتحليا بروح المسؤولية الوطنية وتخلصا من الأجندات الأقليمية والدولية وتخليا عن أطماعهما الشخصية والجهوية، فسيكون هناك انفراج في الأزمة».

لقاء موسع قريباً في طبرق
عضو المجلس الأعلى للدولة أبوالقاسم قزيط، قال إن اللقاء يمهد للقاء مصالحة آخر موسع خلال الأيام المقبلة في مدينة طبرق شرق ليبيا، لاسيما أنه كان مقرراً أن يكون في شهر مارس الماضي في مدينة طبرق.

وأضاف قزيط، وهو أحد الشخصيات الليبية الذي شارك في لقاء عقيلة والمشري، «سيكون هناك في الأسابيع المقبلة لقاء واسع ومصالحة بين قبائل برقة ومصراتة يجرى الإعداد له، مكانه طبرق وبرعاية رئيس مجلس النواب ونواب مدينة مصراتة».

وأوضح قزيط أن «لقاء المغرب ناقش سبل تنفيد الاتفاق السياسي وتوحيد مؤسسات وتقليص المجلس الرئاسي وإعادة هيكلته»، مؤكداً أن «اللقاء في إطاره السياسي لا يطمح مطلقاً أن يكون بديلاً عن المؤسسات الرسمية التي يناط بها الشأن السياسي، وهي مجلس النواب ومجلس الدولة».

كما أكد قزيط أن «الطموح الأساسي لهذا اللقاء في إطاره السياسي أن يكون رافداً للمؤسسات الرسمية ومساعدتها على إنجاز مهامها وتحقيق التوافق السياسي، كما نص عليه اتفاق الصخيرات» و«في شقة الاجتماعي يسعى اللقاء إلى الإعداد وتعبيد الطريق للمصالحة الوطنية ورأب الصدع بين الشرق والغرب عموماً، والشرق مصراتة خصوصاً، والإعداد لمصالحة حافلة في مدينة طبرق في قادم الأيام».

وكان المبعوث الأممي غسان سلامة طرح خطة عمل في 20 سبتمبر الماضي، من أجل المضي قدماً لإعادة إحياء العملية السياسية في ليبيا، عبر ثلاث مراحل تبدأ بتعديل الاتفاق السياسي، وتنظيم مؤتمر جامع لإقرار دستور دائم للبلاد؛ استعداداً لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.