سلع رمضان في نفق «مشاورات الاعتمادات».. والغلاء يلتهم ميزانية الأسر

دخلت أزمة توفير السلع الأساسية وارتفاع أسعارها في نفق المداولات بين السياسيين والمسؤولين الاقتصاديين، في حين لا يزال يعاني المواطن البسيط غلاءً يلتهم ميزانية الأسرة مع اقتراب حلول شهر رمضان انتظارًا لمشاورات طال أمدها، وسط تحذيرات دولية من تفاقم الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

أسعد زايد، موظف من بني وليد، يكشف الحال الذي وصلت إليه الطبقة الوسطى الليبية قائلاً: «نعاني قبل رمضان، فقد تضاعفت أسعار بعض المواد الغذائية بنسبة 100%، وأتقاسم ميزانية الشراء مع زوجتي الموظفة، ولولا مساعدتها لأصبحت في موقف لا أحسد عليه».

ولعل ارتفاع أسعار اللحوم يعطي مؤشرًا للمستويات القياسية التي وصل إليها الغلاء، إذ زاد سعر كيلو لحم الخروف بنسبة 80%، مسجلاً 45 دينارًا مقابل 25 دينارًا. فيما باتت الفاكهة من الكماليات مع الارتفاعات القياسية التي تشهدها، فالمواطن عبدالله الفقيه موظف في قطاع المواصلات، يشكو من الغلاء قائلاً: «أسعار الخبزة والبنزين وغيرهما من السلع الضرورية في تزايد مستمر، بينما المرتب ثابت عند 500 دينار، وهو لا يكفي للصمود أمام كل هذا الغلاء».

ويكمل المواطن مصطفى الكميعي من بني وليد قائلاً: «البنك يسمح لنا بسحب 200 دينار شهريًّا وهي لا تكفي لشراء الخبز وحده على مدى 30 يومًا».

الاعتمادات والمشاورات الطويلة
ومما أشعل أزمة الغلاء بقاء أزمة الاعتمادات المستندية لشراء السلع الأساسية دون حل منذ مارس الماضي، رغم محاولة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق لحلها، إذ لا يزال المجلس يحاول التوصل لمَخرج مناسب للجدل الذي واكب قرار تخصيص 1.5 مليار دولار لتوريد السلع الأساسية وفق اشتراطات معينة في 27 من مارس الماضي، بسبب بالمخاوف من أن «يصب القرار في مصلحة بعض التجار النافذين دون غيرهم»، على حد تعبير المصرف المركزي، في ظل عدم اعتماد الترتيبات المالية للعام 2018.

وتقول مصادر مطلعة، إن جولات المشاورات التي يجريها المجلس الرئاسي مع المصرف المركزي وديوان المحاسبة تهدف إلى التوصل إلى إجراء بعض التعديلات على القرار رقم 363 لسنة 2018 الخاصة بالاعتمادات المستندية لشهر رمضان، وفي هذا السياق شهد الأسبوع الجاري لقاءين لنائب رئيس المجلس فتحي المجبري، المسؤول عن هذا الملف، مع كل من وزير الاقتصاد والصناعة المفوض ناصر الدرسي، ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، ومسؤولين في المصرف المركزي نفسه، جرى خلالهما أخذ ملاحظات ديوان المحاسبة في الاعتبار، وبحث تعديل القرار الخاص بالاعتمادات المستندية بآليات تنفيذ واضحة وشفافة.

بيان المصرف المركزي
المصرف المركزي، من جهته، أصدر بيانًا الأسبوع الماضي أعلن فيه اتخاذ تدابير عاجلة لمواجهة أزمة نقص السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، بالتنسيق مع رئيس المجلس الرئاسي، متهمًا «أفرادًا وجهاتٍ نافذة في الدولة» - لم يسمها - بالعمل «على زيادة الأزمة، مستغلين حاجة المواطن بقصد تحقيق مكاسب شخصية، وممارسة ضغوط على المصرف المركزي وتشويه صورته أمام الرأي العام».إلا أن بيان المصرف لم يوضح تفاصيل تلك التدابير التي يعتزم اتخاذها، أو توقيت تنفيذها.

الأمر الذي جعل الرئيس السابق لهيئة سوق المال، سليمان الشحومي يصف نصف البيان بأنه «واقعي ومهني» ونصفه الآخر «مزايدات ومناكفات»، التي اعتبرها تكريسًا لواقع «تعودنا عليه من انقسام وصراع مؤسسات كان الأحرى بها أن تتناغم وتتوافق وفقًا للأصول المهنية»، بينما شكك أستاذ الاقتصاد في جامعة مصراتة مختار الجديد في إمكانية تنفيذ ما جاء في بيان «المركزي» قائلاً: «الفرق شاسع بين الموافقة على 2722 اعتمادًا، وبين تنفيذها».

ارتفاع جنوني في الأسعار
ووسط هذه الخلافات والمشاورات والمداولات تستمر موجة الغلاء، إذ واصلت أسعار السلع الأساسية ارتفاعها، «مدفوعة في الأساس بالنقص الحاد في سلاسل إمدادات السلع الأساسية الرئيسية، والمضاربة في السوق السوداء التي تزداد توسعًا، والانخفاض الشديد في قيمة الدينار بالأسواق الموازية»، حسب تقرير البنك الدولي الصادر في أبريل الجاري.

وفي هذا السياق، جاء تحذير البنك الدولي من العواقب الخطيرة لارتفاع معدل التضخم، بالإشارة إلى أنه قفز «بنسبة 28.4% في العام 2017 مقابل 25.9% العام 2016، وهو مستوى قياسي يفاقم متاعب المواطنين»، مرجحًا أن يؤدي ذلك مع «ضعف تقديم الخدمات الأساسية إلى زيادة معدلات الفقر وتفاقم الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي».

رمضان على الأبواب
وبعد نحو شهر من صدور قرار المجلس الرئاسي حول الاعتمادات المستندية، ودخوله دائرة المشاورات والملاحظات، يبقى التساؤل قائمًا حول موجة غلاء طاحن ونقص سلع أساسية تنتظر المواطنين على أبواب شهر رمضان، وتترقب كلمة حسم في ملف قد لا تكفي الأيام المقبلة لتنفيذه، إذا صدر القرار من الجهات التنفيذية بعد ساعات.

اقرأ أيضا: المصرف المركزي: تدابير عاجلة لحل أزمة نقص السلع الأساسية

المزيد من بوابة الوسط