«اقتصاد النهب» في ليبيا: شبكة مصالح تتنافس على السلطة والموارد وتعرقل العودة للحكم المركزي

قال تقرير تحليلي لجريدة «واشنطن بوست» الأميركية إن المحركات الاقتصادية للصراع في ليبيا لم تحظ بالاهتمام المناسب، لكنه قال إن «ذلك على وشك أن يتغير مع توجه المبعوث الأممي غسان سلامة للتركيز على استهداف (اقتصاد النهب)».

وأشار التقرير إلى أن شبكات من المجموعات المسلحة ورجال الأعمال الفاسدين والسياسيين، تستمر في التربّح عبر سبل غير مشروعة مثل تهريب الوقود والبشر، ونهب موارد الدولة.

وأكد معد التقرير الذي نشره أمس الإثنين، الباحث تيم إيتون، أنه من الصعب تصنيف تلك الأنشطة، إذ يطلق عليها البعض اسم «اقتصاد الظل»، لكن هذا المصطلح يعني أن هناك أنشطة اقتصادية تُدار بالتوازي مع الاقتصاد الرسمي، بينما في ليبيا لا يمكن التفريق بفعالية بين المسارين، مضيفًا أن «المصطلح الأفضل هو (اقتصاد الحرب) لأن غالبية الأسواق في ليبيا الآن تعتمد على انتشار العنف، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة».

«اقتصاد الظل»، يعني إدارة أنشطة اقتصادية بالتوازي مع الاقتصاد الرسمي، بينما في ليبيا لا يمكن التفريق بين المسارين

وأوضح إيتون أن «(اقتصاد الحرب) ليس مجرد أحد أعراض الصراع في ليبيا، لكنه من المحركات الأساسية له»، وقال إنه يخلق حوافز لشبكة من «الاستغلاليين والمتربحين» للتنافس على السلطة والموارد، ولعرقلة العودة إلى نظام حكم مركزي فعال، مع ترك أثر مدمر على الاقتصاد الرسمي.

وذكر أن «تقويض هياكل اقتصاد الظل في ليبيا يمثل تحديًا»، لافتًا إلى أن الأرباح الناتجة عنه كبيرة جدًا، تستفيد منها مجتمعات محلية، غالبًا ما توجد في أماكن محرومة من بدائل اقتصادية أخرى أو فرص لكسب العيش.

وقال إن «غياب احتكار الدولة للقوة جعلها ضعيفة ولا تستطيع إجبار الأطراف المتورطة في تلك الأنشطة»، مضيفًا أنه، «في كثير من الحالات، يتولى المتورطون مناصب رسمية في الدولة».

إدماج المجموعات المسحلة
وانتقد إيتون سعى الدولة «لاستمالة المجموعات المسلحة عبر إدماجها في وزارتي الداخلية والدفاع»، وقال إن «مخاطر تلك الاستراتيجية ظهرت في حادث خطف عميد بلدية طرابلس عبد الرؤوف بيت المال، من منزله على يد مسلحين مجهولين».

وذكر أن الأسباب وراء خطف بيت المال غير واضحة، لكن هناك تكهنات أن عملية الخطف مرتبطة بنشاطه الذي أثر على مصالح بعض المجموعات المسلحة، وقال الكاتب إن «تلك المجموعات المسلحة تحتفظ بالهرم القيادي الخاص بها وعلى مصالحها، ولن تقبل بالضرورة سلطة الدولة التي تخدمها ظاهريًا».

«اقتصاد الحرب» ليس مجرد أحد أعراض الصراع في ليبيا لكنه المحرك الأساسي

وفي مدينة صبراتة، أشار الباحث إلى محاولة «حكومة الوفاق الوطني دمج مجموعات متورطة في تهريب البشر في قوات مكافحة التهريب».

لكن رغم نجاح ذلك في خفض أعداد المهاجرين المغادرين لسواحل المدينة، إلا أنه أثار صراعًا محليًا بالمدينة بين المجموعات المسلحة، وتقويض المؤسسات الحكومية التي تعمل في مكافحة الهجرة غير الشرعية، والأهم والأكثر إثارة للقلق هو توجه المجموعات المسلحة لطلب أموال مقابل منع مغادرة قوارب الهجرة غير الشرعية.

«الشرعية الاجتماعية»
وفي ظل الوضع السياسي والأمني الراهن، تساءل التقرير ما الذي يمكن للمؤسسات الليبية أن تفعله للقضاء على أنشطة اقتصاد الظل؟

وقال إن الإجابة تكمن في القضاء على الشرعية الاجتماعية التي تتمتع بها المجموعات المسلحة، موضحًا أن «المجموعات المسلحة تجذب أفرادًا من المجتمعات التي تزعم حمايتها، وبالتالي فإن فضح شبكات المتربحين التي تضر بمصالح المجتمعات المحلية يؤثر على الشرعية الاجتماعية لتلك المجموعات».

وضرب الكاتب مثالًا على ذلك بطرد متورطين في تهريب البشر من مدينة زوارة عقب حملة مجتمعية، أشعلها غرق مئات المهاجرين قبالة سواحل المدينة في 2015.

لكن المبادرات الاجتماعية، مثل تلك في مدينة زوارة، لا يمكن تطبيقها وإنجاحها بسهولة، بل في بعض الحالات قد تثير رد فعل عكسي يسلط الضوء على غياب القدرة على إنفاذ القانون، مثلما حدث في مدينة الزاوية، حيث فشلت المؤسسة الوطنية للنفط في طرد مجموعة مسلحة استولت على مصفاة النفط بالمدينة، والتي ثبت تورطها في تهريب الوقود.

مكافحة «اقتصاد الحرب» يعتمد على القضاء على «نظام الحوافز القوي الذي يخلقه هذا النوع من الاقتصاد ويحافظ على استمراريته»

وأكد معد التقرير، تيم إيتون، أن أي نهج ناجح للقضاء على «اقتصاد الحرب» في ليبيا يعتمد على قدرة الدولة على القضاء على «نظام الحوافز القوي الذي يخلقه هذا النوع من الاقتصاد ويحافظ على استمراريته».

ونوه أيضًا إلى أن خلق مزيد من فرص العمل من الخطوات الحيوية من أجل نزع سلاح المجموعات المسلحة، وإنجاح جهود إدماجها في مؤسسات الدولة.

وتواجه السلطات الليبية أيضًا خيارات صعبة لمواجهة قادة شبكات المتربحين، وهنا فإنه من المرجح أن تتحول السلطات الليبية للسماح لهؤلاء بتحويل أرباحهم إلى أنشطة شرعية، مع البحث عن سبل لتقليل هامش الربح للأنشطة غير الشرعية.

وأكد التقرير أيضًا أن التوصل إلى تسوية سياسية ووجود حكومة فعالة ضروري للقضاء على الهياكل التي يرتكز عليها «اقتصاد الحرب» في ليبيا، لكنه قال إنه «مع غياب أي تسوية سياسية في الأفق، فإن مصالح شبكات المتربحين تستمر في النمو، ومع مرور الوقت، سيكون من الصعب القضاء على شبكات المصالح المتداخلة لتلك الأنشطة».

المزيد من بوابة الوسط