جلالة لـ«الوسط»: عقد اجتماعي لنازحي تاورغاء.. والضمانات الأمنية تقلق المهجرين

بين مأساة النزوح في الداخل، وجراح التهجير بالخارج، تتراكم الملفات على طاولة وزير الدولة لشؤون المهجرين والنازحين يوسف جلالة.. ملفات إنسانية تجمعها حكايات الشتات وحلم العودة، وتحمل سطور صفحاتها بصمات سنوات من الانقسام السياسي والفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد منذ 2011.

الوزير جلالة حمل بعضاً من هذه الملفات خلال زيارته هذا الأسبوع إلى القاهرة، حيث أجرى سلسلة لقاءات مع مسؤولين مصريين، لحل بعض مشكلات المهجرين، وبحث مع بعض مجموعات من المهجرين معوقات عودتهم إلى البلاد، كما حل ضيفاً على شيخ الأزهر الشريف الشيخ أحمد الطيب.

حصاد مهم حملته الزيارة، واختص يوسف جلالة «الوسط» ببعض من نتائج لقاءات استمرت 3 أيام، في سياق هذا الحوار، الذي تحدث عن عقد اجتماعي لنازحي تاورغاء سيصدر قريباً، مشيراً إلى أن الضمانات الأمنية مبعث قلق للمهجرين في الخارج. وكان هذا نص الحوار:

• لا يمكن الحديث عن مهجري الخارج، دون التطرق إلى أكبر مأساة إنسانية يقاسيها نازحو الداخل، وأقصد هنا مأساة نازحي تاورغاء العالقين في قرارة القطف، كيف تقيم التطورات الأخيرة لهذا الملف؟
 أؤكد أننا ماضون في اتجاه المصالحة، حيث جرت الدعوة إلى اجتماع طارئ بين أعضاء لجنة متابعة تنفيذ اتفاق مصراتة وتاورغاء الثلاثاء الماضي، وجرى تكليف وزير الحكم المحلي بداد قنصو بترؤس الاجتماع، نظراً لظروف سفري الاضطراري إلى مصر لمقابلة المهجرين.
وقرر الاجتماع تسريع عودة أهل تاورغاء لمدينتهم خلال الأيام المقبلة، كما ناقش عدة محاور منها تسييل مبلغ للمنطقة الوسطى والمتضررين من الطرفين، وفتح حساب جاري مع مراقب مالي وتسييل مبلغ لوزارة الحكم المحلي لتهيئة الظروف المناسبة كفتح مسارات، وبدأنا بالفعل بفتحها في الفترة السابقة، وجرى التشاور والتواصل مع وزارة الصحة لإيفاد المتضررين صحياً للعلاج بالخارج سواء كانوا من مصراتة أو تاورغاء.

• هل من بارقة أمل لوقف هذه المأساة الإنسانية؟
- حتى هذه اللحظة لم يجر تأكيد تاريخ محدد لعودة أهالي تاورغاء إلى مدينتهم، لكن الطرفين بصدد إعداد وثيقة اجتماعية، وهي بمثابة عقد اجتماعي بين الطرفين لضمان حق العودة، ومن المقرر الإعلان عنها قريباً.

• صدر بعض التصريحات عن ممثلين لأهالي تاورغاء، وتناقلتها وسائل إعلام عن قرار العودة إلى مدينتهم قبل شهر رمضان، وإن كان على حساب سلامتهم الشخصية.
لا داعٍ لمثل هذه التصريحات المستفزة من أي طرف، لأنها لا تزيد إلا في الشقاق بين الطرفين فقط لا غير.

• نعود إلى القاهرة، ماذا حملت حقيبتك الوزارية خلال هذه الزيارة؟
 الزيارة بتكليف رسمي من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، لمتابعة ملف المهجرين في الأراضي المصرية ولقائهم والاطلاع على مشكلاتهم واحتياجاتهم والأسباب الحقيقية التي تعرقل عودتهم إلى الوطن، ومن ثم إيجاد حلول حقيقية، وتواصلت مع السفارة الليبية في القاهرة، والملحق الاجتماعي، لحلحلة هذا الملف.
وسأنقل كل هذا إلى رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي، للمساهمة في إعادة أبناء الوطن من أجل البناء والتنمية والاستقرار والأمن.

• عقدت اجتماعات مع مجموعات مختلفة من المهجرين الموجودين في مصر، هل لمست جدية في رغبتهم في العودة إلى الوطن؟
- نعم كانت هناك اجتماعات متنوعة على مدار اليوم، واخترنا أن تكون اللقاءات مع مجموعات منفصلة لنمنح الفرصة للجميع للحديث وشرح معاناتهم. وتحاورنا بشأن نقاط وهموم تكاد تكون واحدة، الغالبية يريدون الرجوع للوطن والمساهمة في البناء، لكن الضمانات الأمنية كانت أهم سؤال يطرح من جانبهم.

• وما الضمانات التي قدمتها؟
 من حق المهجرين أن تكون لهم ضمانات، لكن بكل صراحة وشفافية، لا نستطيع تقديم أية ضمانات أمنية في الوقت الحاضر، في ظل انتشار السلاح والانقسام السياسي، وعدم سيطرة الدولة على كامل التراب الليبي.
ونحاول بقدر الإمكان التحاور مع الجهات الأمنية في المناطق الآمنة لتقديم ضمانات، مثل عدم التعرض لهم حال عودتهم، وتفعيل قانون العفو العام الذي أصدره مجلس النواب ما دام أنهم غير مطلوبين للعدالة أو جرى تحريك دعاوى جنائية ضدهم، لهذا لابد من تفعيل هذا القانون لكي يستفيد منه الجميع، خصوصاً المهجرين والنازحين.
وكل ما نتمناه هو عودتهم إلى ليبيا في ظل الظروف الصعبة والغلاء الموجود في الدول التي اختاروا الهجرة إليها من حيث العلاج والسكن والتعليم وأمور الحياة اليومية كافة.

• وهل تحققت نجاحات بفعل هذه الجهود؟
نحاول تذليل ما يمكن تذليله من عقبات تقف بينهم وبين حق عودتهم لأرض الوطن والتخفيف من معاناتهم، ونجحنا في إعادة الكثير من العائلات من الخارج، وهي آمنة الآن في طرابلس ومدن ليبية أخرى، وانخرطت في المجتمع وتباشر أعمالها، وهذا شيء مبشر بالخير.

• السؤال الأمني يقودنا إلى نقطة دور الوزارة في هذه المرحلة الصعبة؟
 الوزارة تعمل من خلال مؤسسات أخرى في الدولة، وليس لدينا وزارة مكتملة الهيكل حتى الآن، أو أية ميزانية للصرف على هذا الملف.
وقد أنشئت لأول مرة في ظل حكومة الوفاق الوطني لمعالجة هذا الملف الطارئ على الحالة الليبية، واخترق النسيج الاجتماعي الليبي، وأثر سلباً عليه بصورة كبيرة جداً، ودورنا هو حلقة وصل بين الوزارات الخدمية والمهجرين والنازحين.
ونحاول لملمة هذه الجروح من خلال التسامح وطي صفحة الماضي، ونعول على رجال المصالحة الوطنية الذين لهم الدور الأكبر في هذا الجانب، ولكن يظل الجانب الأمني هو الهاجس الذي يقف حجر عثرة في استقرار ليبيا.

• على ذكر دور الوزارة، ما الفارق بين النازحين والمهجرين وفق المسمى الرسمي (وزارة شؤون المهجرين والنازحين)؟
- النزوح يكون داخلياً من مدينة إلى مدينة أو من منطقة إلى منطقة أثناء صراع معين، أما التهجير فيكون للخارج ويرتبط بحالة قسرية نتيجة صراعات أيديولوجية أو ذات موقف سياسي معين وتكون الهجرة إلى بلد آخر. وعملنا إنساني واجتماعي في المقام الأول للملمة هذه الجراح.

• كانت لكم زيارات إلى دول أخرى بها عدد كبير من المهجرين منها تونس، فما الذي توضحه حول هذه الزيارات؟
منذ تكليفي بمنصبي قبل عامين وأنا أزور دولاً يوجد بها عدد كبير من المهاجرين مثل مصر وتونس، في سبتمبر الماضي زرت مصر والتقيت عدداً من المهجرين، وعاد بعض من رغبوا في ذلك.
وعقدت اجتماعات في الدولتين، ونجحنا في حلحلة الكثير من المشكلات العالقة بالأموال البسيطة التي حصلنا عليها، وجرى إنفاقها على المهجرين لمساعدتهم بقدر الإمكان، وساعدنا في إتمام بعض الإجراءات المتعلقة بالإقامة واستخراج جوازات السفر من خلال التواصل مع باقي الوزارات المختصة، وسنحاول الاستمرار بالعمل به لضمان حياة مستقرة وأمنية حتى يعودوا إلى أرض الوطن.

• خلال زيارتك مصر، قابلت فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، هل تحدثنا عن التفاصيل؟
 زيارتي شيخ الأزهر كانت بهدف شكره على المنحة التي قدمها الأزهر للدارسين الليبيين في المؤسسات التعليمية التابعة له دون أي رسوم مادية في كامل التخصصات والمستويات العلمية، بما فيها الدراسات العليا لدرجتي الماجستير والدكتوراه، وتخصيص برامج تأهيل للأئمة الليبيين، ومشروع مبادرة الأزهر التي تهدف إلى «المصالحة ولم شمل الليبيين».

للاطلاع على العدد 126 من جريدة الوسط «اضغط هنا»

وقد ساهمت هذه المنحة في حل مشكلات كثيرة تواجه أبناء المهجرين، خصوصاً في الدراسة وعدم تمكن البعض من دفع الرسوم المادية المرتبطة بها، حتى إن الكثير من الطلاب لم يلتحقوا بالدراسة للسبب المادي.
وما قام به الأزهر شيء مهم جداً لاستئناف الدراسة للطلبة ومواصلة تعليمهم، ولهذا كان لابد من شكر الدكتور أحمد الطيب وتسليمه درعاً وشهادة شكر وتقدير للدور المهم الذي قام به كدليل عرفان من الدولة، وهذا ليس غريباً على الأزهر ومصر الكنانة، ونأمل أن نكون دائماً على تواصل في هذا الشأن، وكل ما نتمناه أن يكون طلابنا عند مستوى التحصيل العلمي والتميز في المعاهد الأزهرية.

• لكن من الملاحظ أن منحة الأزهر لم تحظ بالاهتمام اللازم؟
- وسائل الإعلام تتحمل جانباً من المسؤولية في عدم معرفة المهجرين وكل الليبيين، باعتبار أن هذه المنحة لا تقتصر على المهجرين الليبيين فقط بل من حق جميع المواطنين حتى الموجودين في داخل البلاد، ونبشر كل من تنطبق عليهم شروط الدراسة في المعاهد الأزهرية بأن الباب لا يزال مفتوحاً أمامهم بعد التنسيق مع الملحق الاجتماعي بالسفارة الليبية في القاهرة الدكتور حسين شفشة.

• بعد عدة اجتماعات قمت بها مع عدد من المهجرين الليبيين في مصر، ما الخطوة القادمة في هذا الملف؟
- خطوات وليست خطوة واحدة على جدول الأعمال، فالملف شائك ومعقد ومن الملفات الكبرى، فهو لا يخص وزارة أو جهة معينة، ولابد أن تتكاتف كافة مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في رأب الصدع، ويجري حالياً التنسيق للعمل في هذا الملف مع عدة مؤسسات منها مؤسسة «نبض ليبيا السلام».

• أخيراً.. ما النتائج التي تتمناها على المدى البعيد من هذه الجولات؟
كل همنا عودة المهجرين والنازحين إلى ديارهم معززين مكرمين، فمكانهم الطبيعي بين أهلهم وقبائلهم ومدنهم، ونحن أهل وأصهار وأقارب.
ودورنا هو تذليل الصعاب الموجودة أمامهم للعودة، كخطوة أولى مع استتباب الأمن في البلاد من أجل التنمية والبناء، وهذا لا يحدث إلا بأن يتكاتف الجميع وتخلص النوايا حتى نبني ليبيا الدولة الآمنة والمستقرة.

يجب أن ترد المظالم لمن ظلم، ومحاسبة من يستحق الحساب، وضمان العودة الآمنة لمن يشملهم قانون العفو العام الذي أعود لأؤكد ضرورة تفعيله، والقضاء هو الفيصل دائماً.

للاطلاع على العدد 126 من جريدة الوسط «اضغط هنا»