اقتصاد الحرب في ليبيا: النهب والتربح وخارطة التهريب

رصد المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا «تشاتام هاوس» تطور ما أطلق عليه «اقتصاد الحرب» في ليبيا، وتحدث بشكل خاص عن نمو أنشطة التهريب والابتزاز نتيجة الحرب الدائرة منذ سبع سنوات، لافتاً إلى تغير تركيب قطاعات التهريب بشكل جوهري مع الانتشار الواسع للمجموعات المسلحة والأسلحة، وهو ما تسبب في إبعاد كثير من اللاعبين القدامى ودخول لاعبين جدد.

وقال المعهد، في تقرير بعنوان اقتصاد الحرب في ليبيا: النهب والتربح وضعف الدولة»، إن قطاع التهريب شهد تحولات كبيرة منذ العام 2011. ففي السابق، سيطر معمر القذافي على أنشطة التهريب، وسمح فقط لبعض العائلات والقبائل المقربة منه بالمشاركة، في إطار سياسة «فرق تسد» التي انتهجها.

للاطلاع على العدد 126 من جريدة الوسط «اضغط هنا»

لكن سقوط القذافي سمح بـ«منافسة مفتوحة» بين تلك المجموعات للسيطرة على مسارات التهريب، مع انهيار الاتفاقات السابقة بينها. وقال التقرير إن أفراد وشبكات ومجتمعات، إثنية وقبلية ومجتمعات في المدن، تنافست على الصدارة في الأسواق غير الشرعية الحيوية في ليبيا.

ثلاثة نماذج تحكم «اقتصاد الحرب» في ليبيا
وتحدث التقرير، الذي جاء في 36 صفحة، عن ثلاثة نماذج تحكم «اقتصاد الحرب» في ليبيا، وهي سلسلة من الأنشطة غير القانونية التي تُمارَس بهدف نهب موارد الدولة والتربح من حالة الفوضى الراهنة.
ويتتبع ثلاثة نماذج تشكل إطار الأنشطة التي يجري ممارستها داخل «اقتصاد الحرب» في ليبيا، قال إنها تطورت خلال السنوات الماضية، هي البيع المباشر للبضائع والسلع عبر التهريب، وتوليد الإيجارات والابتزاز، ونهب موارد الدولة، موضحًا أن النماذج الثلاثة لا تُمارَس بمعزل عن بعضها، بل هي متداخلة.

وأشار إلى حدوث تغييرات على تلك الأسواق بعد العام 2011، إذ تطورت مسارات التهريب بالصحراء من مسارات للتجارة غير الرسمية للبضائع المهربة إلى قنوات لتهريب الأسلحة والوقود والمخدرات والبشر.
وأصبح تهريب البضائع المدعمة، مثل الوقود والأرز وغيرهما، جزءًا حيويًّا من الحياة الاقتصادية للمجتمعات المتواجدة على طول الشريط الحدودي. لكن التقرير لفت إلى تأثر أنشطة التهريب أيضًا برفع جزء من الدعم على البضائع وارتفاع أسعار المستهلكين.
وأكد المعهد البريطاني أن غياب سلطة الدولة سمح بتوسع مساحة أنشطة التهريب، وتحولت تلك الأنشطة إلى «صناعة» من حيث مستوى التكامل والتنظيم.

سوق حماية
ولا يمكن للمهربين العمل دون حماية، وهذا سمح بظهور ما سماه التقرير «سوق حماية»، تخدم المجموعات المسلحة الباحثة عن الحماية واستئجار مجموعات لهذا الغرض، والمتعاملين في هذه السوق متورطون أيضًا بشكل مباشر في التهريب.

وتحدث تقرير «تشاتام هاوس» بشكل مفصل عن أنشطة التهريب في ليبيا، وقسمها إلى ثلاث فئات، هي تهريب الوقود وتهريب البشر وتهريب الأسلحة والمواد المخدرة.

وفيما يخص تهريب الوقود، لفت التقرير إلى اتساع نطاق عمليات تهريب الوقود والمنتجات المكررة من ليبيا سواء داخليًا أو بالخارج، وقسم تهريب الوقود إلى ثلاث فئات، التهريب عبر الحدود برًا وفيه يجري تهريب كميات صغيرة من الوقود، والتهريب عبر البحر للشحنات الكبيرة من الديزل، والفئة التالية هي تحويل مسار إمدادات الوقود داخل ليبيا نفسها ثم بيعه في السوق السوداء بأسعار أعلى من الأسعار الرسمية.

وأشار إلى ظهور نهج جديد لتهريب وقود الديزل عبر البحر، ما يسمح للمنتجات المكررة بدخول أسواق الوقود العالمية. ويبرز التحقيق حول أنشطة الليبي فهمي خليفة، والمسيطر على أكبر شبكات التهريب في ليبيا، الضوء على تلك الأنشطة. وكشفت تحقيقات إيطالية أعقبت القبض على بن خليفة في أغسطس 2017، أنه تسبب في تهريب وقود ديزل بقيمة 35 مليون دولار وصل محطات الوقود في إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية.

للاطلاع على العدد 126 من جريدة الوسط «اضغط هنا»

الاقتصاد السياسي
وأوضح تقرير «تشاتام هاوس» أن «الاقتصاد السياسي» لكل نشاط من أنشطة التهريب يختلف عن الآخر، وقال إن تهريب الوقود المكرر عبر الحدود من الأنشطة الراسخة، وله عدة أشكال أكثرها علانية يتضمن مجموعات صغيرة من المهربين تعبر الحدود مع تونس وتستخدم سيارات وشاحنات معدلة لتحمل خزان وقود أكبر حجمًا.

وتقوم تلك المجموعات بشراء المنتجات المكررة بالأسعار المدعمة محليًا داخل ليبيا ثم بيعها بسعر أعلى فور عبور الحدود مع تونس، ويُباع لتر الوقود في تونس بسعر 0.75 دولار، بينما يبلغ سعره 0.11 دولار في ليبيا.

وكشف التقرير عن وجود نماذج موسعة لتوزيع النفط مباشرة من مصافي التكرير والموانئ والمخازن، وقال إن تلك النماذج ترتبط بشكل وثيق مع «اقتصاد الحرب»، وتتطلب وصولًا جيدًا لـ«أسواق الحماية» في ليبيا والشبكات الإجرامية الدولية. وتتطلب أيضًا استخدام أوراق مزورة، تسمح لشاحنات النقل بتفريغ الوقود ثم بيعه في محطات وقود غير رسمية وغير مسجلة، بدلًا من نقله إلى المحطات الرسمية المسجلة.

وأجرت المؤسسة الوطنية للنفط تحقيقًا في الأمر نفسه، وأعلنت، نهاية العام الماضي، أن 87 محطة وقود مسلجة لا تعمل وتصلها إمدادات ثابتة من الوقود، من أصل 105محطات شملها التحقيق.

هذا إلى جانب تحويل مسارات كثير من شاحنات نقل الوقود، خاصة في الجنوب إذ تكررت حوادث اختطاف الشاحنات، ما دفع مؤسسة النفط لإرسال مواكب مسلحة لحماية الشاحنات في بعض الأحيان.

وفي بعض الأحيان يجري تحويل مسار الشاحنات إلى خارج ليبيا، إذ كشف تقرير أخير لمجموعة الخبراء المعنية بليبيا في الأمم المتحدة، أن مجموعات من إقليم دارفور السوداني تتربح من تحويل مسار شاحنات الوقود لبيع الوقود داخل الإقليم.

وأشار المعهد البريطاني إلى ارتفاع واردات المنتجات المكررة بنسبة 65% منذ العام 2012، بتكلفة وصلت إلى 2.9 مليار دولار في 2016، لكنها قفزت إلى 5 مليار دولار في 2017. وكان مكتب التحقيقات التابع للنائب العام الليبي قال بداية العام الماضي إن تهريب الوقود كلف ليبيا قرابة خمسة مليارات دينار ليبي (3.6 مليارات دولار) دون توضيح الفترة الزمنية.

الدولة الليبية حصلت على 15% فقط من الدخل المتوقع من ضرائب منتجات النفط المكررة التي جرى توزيعها، وذلك في الفترة بين يناير ونوفمبر 2017.

ونقل عن تقارير مسربة أن الدولة الليبية حصلت على 15% فقط من الدخل المتوقع من ضرائب منتجات النفط المكررة التي جرى توزيعها، وذلك في الفترة بين يناير ونوفمبر 2017. وكان ديوان المحاسبة الليبي قال سابقًا إن 30% من الوقود المدعم يتم تهريبه، ما يعني خسارة 1.8 مليار دولار سنويًا على مدار الخمسة أعوام السابقة.

تهريب البشر
ورصد تقرير المعهد البريطاني، مسارين لتهريب المهاجرين غير الشرعيين في شمال وجنوب ليبيا، مقدرًا أرباح هذه التجارة بما يقارب من مليار دولار.

وقال إن أرباح تهريب البشر بلغت 978 مليون دولار في العام 2016، مشيرًا إلى أنه من «الأنشطة غير الشرعية الأكثر ربحًا في ليبيا». وقدر «تشاتام هاوس» نسبة أرباح الهجرة غير الشرعية بـ3.4% من إجمالي الناتج المحلي لليبيا الذي قُدر بـ29 مليار دولار في العام 2015، منوهًا إلى أن حصة شبكات التهريب في المنطقة الجنوبية تبلغ 726.3 مليون دولار، في حين تبلغ أرباح عبور البحر المتوسط بـ251.4 مليون دولار.

وارتفعت أعداد المهاجرين إلى 163 ألفًا في 2016 مقابل 15 ألف مهاجر في 2012، حسب إحصائيات «تشاتام هاوس» الذي لم يوضح قاعدة البيانات التي استند إليها.

«تهريب البشر من المكونات الحيوية لـ(اقتصاد الحرب) في ليبيا»، أو أطلق عليه المبعوث الأممي د. غسان سلامة «الاقتصاد الأسود»

ونبه التقرير إلى أن «تهريب البشر من المكونات الحيوية لـ(اقتصاد الحرب) في ليبيا»، أو أطلق عليه المبعوث الأممي د. غسان سلامة «الاقتصاد الأسود» .

واتهم المعهد الملكي للشؤون الدولية «نظام القذافي بالسماح بتهريب البشر عبر البحر المتوسط لكن في نطاق محدود»، متحدثًا عن هدفين هما «تحفيز المجموعات الصغيرة للاستمرار في ولائها للنظام، وممارسة نوع من النفوذ السياسي أمام القوى الأوروبية».

لكنه أشار إلى انهيار الضوابط كافة التي وضعها القذافي بعد 2011، إذ سجلت ليبيا زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين وزيادة في أنشطة تهريب البشر منذ 2013». وقال إن العلاقة بين شبكات التهريب و المجموعات المسلحة تختلف بشكل واضح استنادًا إلى الموقع أو المنطقة. ففي الجنوب، يفضل المهربون الروابط المحلية، سواء إثنية أو قبلية أو عائلية، وذلك لضمان القدرة على التحرك بحرية في «مناطق صديقة». وفور الوصول إلى مناطق أخرى «غير صديقة» يجري نقل المهاجرين إلى مهربين آخرين لديهم أيضًا الروابط الكافية للتحرك بحرية إلى المحطة التالية.

وأضاف أن هذا هو النهج الذي تتبعه «مجموعات من التبو والطوارق تنظم عمليات التهريب في الجنوب»، وتعد منطقة سبها نقطة الانتقال المشتركة بين المهربين، أي بين من يديرون تدفق المهاجرين عبر الحدود، ومن يتولى الرحلة حتى شواطئ ليبيا.

أما بشأن مسار التهريب في شمال البلاد، وخصوصًا في المدن الساحلية، أوضح «تشاتام هاوس» أن «المجموعات المسلحة تتورط بشكل مباشر في عمليات التهريب»، مشيرًا إلى صعوبة التهريب دون دفع رسوم إلى المجموعات المسلحة، إذ تسيطر الأخيرة على نقاط الانطلاق قرب الساحل ونقاط انطلاق القوارب».

وتطرق التقرير إلى «سيطرة المجموعات المسلحة على مراكز احتجاز المهاجرين الرسمية وغير الرسمية»، مشيرًا إلى أنه «يتيح فرصة سانحة لابتزاز المهاجرين للحصول على الأموال، ولا يملك جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية السلطة الكافية على تلك المجموعات».

أما مدينة الزاوية، فقال التقرير إنها «إحدى نقاط الانطلاق الرئيسة، وتمثل نموذجًا لعمل اقتصاد الحرب»، موضحًا أن «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في المدينة واقع تحت سيطرة إحدى الكتائب».

وتحدث التقرير عن «مجموعة من شباب صغار تستخدم دراجات مائية لسرقة المهاجرين على متن قوارب الهجرة»، موضحًا أنهم «يوقفون القوارب في البحر ويسرقون متعلقات المهاجرين ويجبرونهم على العودة إلى سواحل مصراتة، حيث يجري احتجازهم ويُجبرون على دفع رسوم جديدة للانطلاق مجددًا صوب أوروبا».

«التركيز الدولي على تقليل تدفقات المهاجرين من ليبيا خلق في الواقع سوقًا جديدًا لأنشطة مكافحة الهجرة، وبالتالي أعاد سلوكيات الاقتصاد الريعي لكن بما يلبي التفضيلات الأوروبية»

واستند واضعو التقرير إلى تحليلات دولية تشير إلى أن «التركيز الدولي على تقليل تدفقات المهاجرين من ليبيا خلق في الواقع سوقًا جديدًا لأنشطة مكافحة الهجرة، وبالتالي أعاد سلوكيات الاقتصاد الريعي لكن بما يلبي التفضيلات الأوروبية».

وعبَّر عن تخوفه من «ارتفاع أعداد المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا مجددًا، حال عدم التوصل إلى ترتيبات دائمة بين المجموعات المسلحة والأطراف المحلية والدولية»، لكنه عاد وحذر الحكومة من حل المشاكل عن طريق دفع الأموال، أو إدماج المجموعات الخارجة عن القانون في الدولة، فيما يشبه سياسة «العصا والجزرة» والذي قال إنه «يشمل كثيرًا من الحوافز دون عصا».

وعدد التقرير البريطاني صعوبات رئيسة أمام إدماج المجموعات المسلحة في هيكل الدولة، من بينها أن «تلك المجموعات حافظت على تسلسل قيادي تعمل بموجبه، وتعمل باستقلال، وتتقاضى رواتبها مرتين»، محذرًا من أن هذا «يضع الدولة موضع الفريسة الجاهزة للاستغلال بدلاً عن السلطة الواجب احترامها».

للاطلاع على العدد 126 من جريدة الوسط «اضغط هنا»

نهب موارد الدولة
وسلط «تشاتام هاوس»، الضوء على الانقسام الذي تعاني منه المؤسسات الليبية، ما يؤدي إلى مزيد من التعقيد في الأزمة الحالية ويفرض تحديات على أية حلول مقترحة.
وخلص إلى أن «الانقسام بين شرق وغرب ليبيا يعقد العملية السياسية وإدارة القطاع النفطي، ضاربًا مثلاً بالقطاع المصرفي حيث تنقسم سلطة مصرف ليبيا المركزي بين طرابلس والبيضاء، فيما لجأ الأخير إلى بيع أذون خزانة للمصارف بالشرق وطبع عملات ورقية في روسيا لحل أزمة السيولة.

كما أشار إلى الانقسامات داخل مؤسسات الدولية الرسمية، التي تزيد نتيجة صراعات سياسية، وبشكل خاص داخل المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي والهيئة الليبية للاستثمار، مؤكدًا أن «بقاء المؤسسات الثلاث إلى الآن نجاح كبير لكن لا يجب أن يكون أمرًا مسلمًا به».، وأضاف أن ما يزيد من تعميق الأزمة في ليبيا، هو إدماج عدد من المجموعات المسلحة المتنافسة في مؤسسات الدولة، إما في وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع، فيما يكون «الصراع الأهلي» في بعض الأحيان، «ممولًا من الدولة».

وقال التقرير إن القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر «له أجندة مختلفة لتوليد الاستثمار، فهو فرض سلطته على الأعمال العامة والاستثمار (..) وللجيش الليبي أعمال واستثمارات تدر دخلًا مثل سيطرته على منشآت لتفريغ الحاويات وتخزينها في ميناء بنغازي».

تهريب الأسلحة
وسلط التقرير الضوء على أنشطة التهريب الأخرى التي تضمنت تهريب الأسلحة والمخدرات، لكنه قال إن تهريب تلك المواد محكوم أكثر من تهريب البشر والوقود، وهي منحصرة على المجموعات المسلحة.

ومن أبرز المجموعات المتورطة في تهريب الأسلحة من ليبيا هي مجموعات من إقليم دارفور السوداني، التي تعمل على نقل الأسلحة الثقيلة من مضادات للدبابات وللطائرات من ليبيا إلى دارفور.

ونوه التقرير إلى تراجع معدلات تهريب الأسلحة الليبية إلى الخارج، لكنه قال إن ذلك تزامن مع زيادة الطلب المحلي على الأسلحة منذ العام 2014، مع تفاقم الصراع المحلي، وأصبح سوق الذخيرة من الأسواق أكثر المواد طلبًا.
ومنذ العام 2011، تحدث التقرير عن تورط شبكات إجرامية دولية ودول أجنبية عملت على تمرير أسلحة وأنظمة تسليح متقدمة إلى أطراف ليبية، في انتهاك واضح لقرارات مجلس الأمن.

وفيما يخص تهريب المخدرات، لفت التقرير إلى تنامي أنشطة تهريب وتنامي المخدرات منذ 2011. وأظهرت دراسات حديثة أن ليبيا سوق قائمة ومنطقة عبور للحشيش، والهروين والكوكايين ومنشطات معروفة باسم الميثامفيتامين.

ولفت التقرير إلى ندرة المعلومات المتوافرة حول حجم أسواق تهريب المخدرات، مما يجعل من الصعب تعقب حركتها، لكن جرى تعقب بعض شحنات المخدرات، ففي العام 2013 على سبيل المثال، تم إيقاف ناقلة تحمل 15 طن متري من الحشيش في مياه ليبيا الدولية، وفي نوفمبر 2015، تم اعتراض 18 مليون قرص من الترامادول في ميناء بنغازي.

الابتزاز والأنشطة الريعية
وانتقل التقرير للحديث عن وجه آخر من «اقتصاد الحرب» في ليبيا، وهو أنشطة الابتزاز والأنشطة الريعية، وقال إن المجموعات المسلحة رغم عدم تورطها بشكل مباشر في أعمال التهريب، إلا أنها جنت أرباحًا طائلة من فرض ضرائب على البضائع المارة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، وعبر السيطرة على نقاط العبور، والتصدير والاستيراد ومنشآت البنية التحتية للنفط والغاز.

وقال إن غياب سلطة موحدة للدولة، والانقسام والانسداد السياسي، أدى إلى تدهور الوضع الأمني وانهيار نظام القانون، وزيادة معدلات الجريمة، ومعدلات الابتزاز والخطف. وتوفر البيئة الحالية فرصًا للمجموعات المسلحة لممارسة الابتزاز وفرض رسوم وضرائب في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم. وتندرج تلك الأنشطة في إطار الحماية.

في بعض الأحيان، ترتبط عمليات الخطف بخلافات سياسية وقبلية وعائلية وإثنية. ولا تفرق عمليات الخطف بين الأشخاص، بل استهدفت سياسيين ورجال أعمال وأفرادًا عاديين.

ومن أبرز أشكال الابتزاز عمليات الخطف مقابل الفدية. ففي الفترة بين فبراير 2014 إلى أبريل 2015، تم توثيق اختفاء 600 شخص. في 2017، اختفى 676 شخصًا في طرابلس وحدها، عاد منهم 100 فقط.

وفي بعض الأحيان، ترتبط عمليات الخطف بخلافات سياسية وقبلية وعائلية وإثنية. ولا تفرق عمليات الخطف بين الأشخاص، بل استهدفت سياسيين ورجال أعمال وأفرادًا عاديين.

وغالبًا ما تكون الأعمال والمشاريع الخاصة ضحية عمليات الخطف والابتزاز. وقال أحد رجال الأعمال الليبيين إنه رفض دفع «رسوم حماية» فرضتها مجموعة مسلحة، فما كان من الأخيرة إلا أن أغارت على مخزنه وسرقت كل محتوياته وعرضت بيعها مجددًا إليه.

وأصبح القطاع المصرفي أيضًا من الأهداف المعرضة للابتزاز، وتحولت عروض حماية المصارف إلى وسيلة لابتزاز المصرف والعاملين به للحصول على معلومات عن حركة الأموال. وتبدأ عملية الابتزاز بمعرفة الخاطفين بقيام فرد ما بسحب مبلغ كبير من النقد، أو إيداع مبلغ في حسابه، يعقبه خطف الشخص نفسه أو أحد أقاربه للحصول على فدية كبيرة. والسبب الرئيس في ذلك، كما أوضح التقرير، هو أزمة السيولة التي ضربت المصارف الليبية، إذ أصبح من الصعب سحب الأموال سوى بمعدلات بسيطة تحددها الدولة.

وبشكل أعم، قال التقرير إن من أبرز خصائص الاقتصاد السياسي في ليبيا هو أن مجموعات محلية صغيرة نسبيًا تستطيع التسبب في ضرر كبير في موارد الدولة، وفي تلك الحالة، تكون قدرة الدولة ضعيفة على فرض سلطتها. ويعد حصار إبراهيم الجضران للمنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي من 2013–2016 من أبرز الأمثلة على ذلك، وهو حصار تسبب في خسارة ليبيا ما يقرب من مئة مليار دولار.

مكافحة اقتصاد الحرب
واقترح المعهد البريطاني 5 حلول لمواجهة ما سماه «اقتصاد الحرب في ليبيا»، محذرًا من انهيار محتمل للدولة نتيجة هذا النوع من الاقتصاد الذي انتشر في ليبيا عبر شبكة مصالح مترابطة.

وتضمنت هذه المقترحات كشف الأطراف الرئيسية في اقتصاد الحرب، وتقديم فرص اقتصادية بديلة حقيقية للمشاركين والمستفيدين منه، بالإضافة إلى بذل جهود أكبر وأكثر فاعلية لتقليل هوامش الربح من المخططات غير المشروعة، ومن بين المقترحات الأخرى التي أوصي بها المعهد «تقديم مزيد من الدعم للجهود الليبية في مواجهة اقتصاد الحرب»، موضحًا أهمية «استهداف الأصول الخارجية للجماعات الإجرامية، ودعم زيادة الشفافية بشأن توزيع أموال الدولة».

وحذر المعهد الملكي للشؤون الدولية من وجود «بيئة مواتية لشبكات الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية ورجال الأعمال الفاسدين والنخب السياسية»، مشيرًا إلى أن «ليبيا تعاني من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية مترابطة تضعف مؤسسات الدولة وتدمر اقتصادها وتيسر استمرار وجود الجماعات المسلحة من غير الدول».

وأوضح التقرير «بينما تستمر السلطات المتنافسة في التنافس على السلطة ، فإن التشرذم والاختلال الناتج من ذلك قد وفر بيئة خصبة لتطوير اقتصاد حرب واسع الانتشار يعتمد على العنف».

ورغم أن تقرير المعهد أشار إلى «دﻻﺋل ﻋﻟﯽ اﻟﺗﻘدم ﻋﻟﯽ ﺟﺑﮭﺎت ﻋدة في ليبيا العام الماضي»، ضاربًا أمثلة بـ«اﻧﺧﻔﺎض ﺗﮭرﯾب اﻟﺑﺷر، وزﯾﺎدة ﻋﺎﺋدات اﻟﻧﻔط»، إلا أنه أشار إلى أن «الأدوات التي تدعم استمرار اقتصاد الحرب قائمة». ونبه المعهد إلى أن الشبكات المستفيدة من اقتصاد الحرب «تشكل دافعًا لمزيد من الصراع»، منوهًا إلى أن «الإدارة المركزية الفعَّالة وتطوير القطاع الأمني لا يصب في مصالحهم».

* معهد «تشاتام هاوس» تأسس فى عام 1920، ببريطانيا، وهو منظمة غير حكومية تعنى بتحليل الأحداث الدولية الجارية على غرار مجلس العلاقات الخارجية الأميركية.

للاطلاع على العدد 126 من جريدة الوسط «اضغط هنا»

المزيد من بوابة الوسط