قرار استيراد السلع.. مواجهة للفساد أم مزيد من الأزمات؟

شكّل قرار رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، بتخصيص 1.5 مليار دولار لتوريد السلع الأساسية وفق اشتراطات معينة، حلقة جديدة من الجدل لدى المختصين والتجار على حد سواء، بسبب مخاوف من أن يصب القرار في مصلحة بعض التجار النافذين دون غيرهم، في ظل عدم اعتماد الترتيبات المالية للعام 2018 واعتماد موازنة النقد الأجنبي.

وحدد قرار «الرئاسي» حزمة ضوابط تتضمن ضرورة تقديم طلبات توريد السلع بموجب مستندات برسم التحصيل عن طريق منظومة الموازنة الاستيرادية لوزارة الاقتصاد والصناعة، واشترط دفع إيداع نقدي يعادل 50% من قيمة الفاتورة.

قرار «الرئاسي» جاء بعد أشهر قليلة من حديث عن فساد يشوب الاعتمادات المستندية، بعدما قال ديوان المحاسبة إن المصرف المركزي يمنح مستندات برسم التحصيل لبعض رجال الأعمال، وهي الاتهامات التي نفاها المصرف، واعتبرها «شائعات»، غير أنّ الديوان قدّم أرقامًا بشأن بلوغ الفساد في الاعتمادات «مستوى غير مسبوق»، عندما رصد 81 شركة تهرب الأموال وتودع اعتمادات وهمية بأسماء ليبيين.

لكنّ ديوان المحاسبة الذي تحدث عن فساد يشوب الاعتماد المستندية رفض قرار المجلس الرئاسي السابق وطالب بوقفه، إلى حين الانتهاء من دراسة أسباب صدور القرار، حيث أشار رئيس الديوان خالد شكشك في خطاب وجهه إلى رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، إلى ضرورة «الاطلاع على الدراسات الفنية التي أعدتها الجهات واللجان المختصة لتحديد احتياجات السوق من السلع والكميات المطلوبة».

ديوان المحاسبة يطالب بتوضيح «مبررات صدور قرار توريد السلع برسم التحصيل في ظل صدور موافقات سابقة لذات السلع قيد التنفيذ»

ودعا ديوان المحاسبة إلى توضيح «مبررات صدور قرار توريد السلع برسم التحصيل في ظل صدور موافقات سابقة لذات السلع قيد التنفيذ في انتظار التغطية المالية من مصرف ليبيا المركزي تستوجب البحث في أسباب تعثر تنفيذها».

وفي أعقاب ذلك عقد شكشك، وفق بيان لإدارة التواصل والإعلام بمجلس الوزراء، اجتماعًا مع نائب رئيس المجلس الرئاسي فتحي المجبري لمناقشة القرار، لكنّ الاجتماع الذي حضره المستشار المالي بالمجلس الرئاسي ميلود الرجباني، ووكيل وزارة الاقتصاد والصناعة طاهر سركس، وعدد من مديري إدارات ديوان المحاسبة، لم يتضح بعد ما إذا كان انتهى بموقف تجاه القرار أم لا؟.

في الأثناء تواصل الجدل بشأن القرار حين أعرب مدير صندوق موازنة الأسعار في طرابلس جمال الشيباني عن استغرابه من القرار، مشيرًا إلى أن الصندوق «ينتظر موافقة مصرف ليبيا المركزي لتوريد سلعٍ غذائية منذ ديسمبر الماضي».

الشيباني: يجب خلق روح المنافسة بين القطاعين العام والخاص.. وصندوق موازنة الأسعار ينتظر موافقة المركزي على الاستيراد منذ ديسمبر الماضي

وقال الشيباني في تصريحات نقلتها قناة «ليبيا بانوراما» إن مصرف ليبيا المركزي «رفض» الموافقة على توريد السلع الخاصة بصندوق موازنة الأسعار «لصالح المواطن بسعر التكلفة»، داعيًا إلى «ضرورة خلق روح المنافسة بين القطاعين (العام والخاص) بما يعود بالنفع على المواطن»، محذرًا في الوقت ذاته «من تغول القطاع الخاص».

رفض القرار، حيث وصف الخبير الاقتصادي، والرئيس السابق لهيئة سوق الأوراق المالية، سليمان الشحومي قرار المجلس الرئاسي بـ«العبث المفاجئ»، متسائلاً «ما هو موقف المصرف المركزي؟».

لكنّ الشحومي ذهب إلى أبعد من قرار خاطئ، حين اعتبر «الأمر متفقا عليه بين المصرف المركزي وأطراف بالمجلس الرئاسي»، ودلل على كلامه بأن تحديد القرار أخر موعد لإصدار بوليصة الشحن في 5 مايو المقبل «يعني أن الأمر برمته متفق عليه مسبقًا على الأغلب وسيكون من نصيب بعض التجار النافذين دون غيرهم».

وعاد الخبير الاقتصادي للتساؤل «هل قامت وزارة الاقتصاد بدورها في تحديد احتياجات السوق الحالية؟»، مشيرً ا إلى أنّ الاعتمادات المستندية باتت خلال الفترة الماضية مفتوحة، كما لم يُبين القرار كيف قام بتحديد الكميات والموازنة النقدية لهذه التوريدات.

كما اعتبر أن الأمر يكشف زاوية أخرى وهي عدم دراسة القرارات التي تأتي بطريقة مستعجلة، قائلا إن «المستندات برسم التحصيل هي بالأساس نوع من الائتمان الذي يقدمه المصدر للمورد ويحتاج إلى ثقة عالية قبل كل شي و لايمكن القيام بتنفيذ هذا الكم الكبير خلال فترة قصيرة جدًا».

سليمان الشحومي: قرار الرئاسي «عبث مفاجئ» ومتفق عليه مسبقًا ويخدم بعض التجار

على غرار ما سبق رأى رجل الأعمال الليبي حسني بي أن قرار الرئاسي بشأن توريد سلع مقابل مستندات برسم التحصيل «يسبب ارتفاع أسعار البيع لدى المصدرين»، مشيراً إلى أن هذا الإجراء «لا يحل مشكلة السيولة بل يسبب المزيد من الفارق بين النقد و الصكوك للطلب على السيولة».

وقال حسني بي في تصريحات نقلتها قناة(( ليبيا الأحرار» «إن قيمة مليار وخمسمائة مليون دولار من السلع تمثل بأغلبها استهلاك ليبيا لعام كامل مثل مادة الطماطم والشاي والزيت والسكر وأقلها القمح يمثل استهلاك ليبيا 3 أشهر إذا لم يتم استيراد دقيق ولكن مع الدقيق يتعدى 8 أشهر».

وبنى رجل الأعمال الليبي تصوره على أن «شحن هذه الكميات قبل 5 مايو يحتاج إلى 150 ألف حاوية ومالا يقل عن 100 سفينة وهذا أمر مستحيل خلال 6 أسابيع وسط ارتفاع أجرة النقل و استحالة التفتيش»، لافتًا إلى استحالة «تمويل تلك المستندات تحت بند مستندات برسم التحصيل من خلال البنوك الوحيدة العاملة والواثقة بليبيا للتعامل معها بهذا الكم من المخاطرة خلال 6 أسابيع».

حسني بي: الاستيراد برسم التحصيل قد يكون أفضل من الاعتمادات حال فتحها على مدار السنة وليس لمدة محدودة

لكنّ حسني بي عاد ليشير إلى نقطة أخرى إيجابية في القرار تتمثل في أن «الاستيراد برسم التحصيل قد يكون أفضل من العمل بالاعتمادات من ناحية الانسياب طويل المدى وفتحها على مدار السنة وليس لمدة محدودة»، لافتًا إلى أن الاستيراد برسم التحصيل يقلل المصاريف ويرفع المنافسة.

القرار الذي جاء قبل أسابيع من شهر رمضان يثير مخاوف بشأن عدم قدرة الحكومة على توفير السلع الأساسية قبل الشهر الكريم، كما يثير تساؤلات حول قدرة الرئاسي على تطبيق القرار الذي يعتبره البعض موجهًا لضبط عمليات الاستيراد ومنع فساد طالها مؤخرًا؟.

المزيد من بوابة الوسط