أزمات تحاصر التعليم الجامعي في ليبيا

سبها، بني وليد: رمضان كرنفودة والصغير الحداد

لا يزال قطاع التعليم في ليبيا خاصة الجامعي يواجه تحديات جمة، كواحد من الملفات المعقدة التي لم تنجح الحكومات المتعاقبة في التوصل إلى حلول عملية تنتشله من الأزمات؛ كنتيجة طبيعية للانقسام السياسي والصراع الأمني، قدم الخبراء والتربويون إزاءه عدة حلول لإنجاح السنوات الدراسية، لكن انقسام مؤسسات الدولة حال دون تنفيذ أية حلول.

صراعات مسلحة
تحسين جودة التعليم لا يزال أيضاً بحاجة إلى مقترحات وحلول، فضلاً عن اهتمام من قبل المؤسسات الرسمية، لكن الصراعات المسلحة بين الفرقاء الليبيين تلقي بتأثيرات سلبية على القطاع الذي لا يمتلك أبسط المعايير الدولية.
«الوسط» استطلعت آراء مسؤولين في الجامعات وأعضاء هيئة تدريس لمعرفة الإشكاليات التي تحول دون انتشال القطاع من أزماته.

رئيس جامعة بني وليد، الدكتور عبدالحميد الشندولي، قال: «إن غياب السيولة يجعل البرامج والأفكار المطروحة حبيسة الأدراج، حتى وإن وُجدت فسيكون هناك نوع من العرقلة أو التباطؤ»، لافتاً إلى أن الجامعة لم تتلقَ أية ميزانية رغم قرب نهاية الربع الأول من العام 2018.

وناشد الشندولي وزارة التعليم سرعة صرف ميزانية جامعة بني وليد، التي تعتبر من الجامعات الناشئة، وهو ما يشير إلى ضرورة أن لا تتعامل كجامعتي طرابلس وبنغازي أو جامعات أخرى، قائلاً: «نحن بحاجة إلى ميزانية استباقية لأننا جامعة ناشئة نحتاج لكثير من التجهيزات، فلدينا كليات بلا معامل، حيث يتخرج الطالب في كلية علوم تطبيقية ولم يمارس أي جانب عملي لعدم توفر المعامل والعينات مثل كلية التقنية الطبية والزراعة أو العلوم أو الحاسوب»

جامعة بني وليد تعاني عقبة الكادر الوظيفي، حيث إن بعض الموظفين وأعضاء هيئة التدريس معينون بعقود مصنفة موقتة وإلى حد الآن لم يتقاضوا رواتب

وأشار إلى أن الجامعة تعاني عقبة الكادر الوظيفي، حيث إن بعض الموظفين وأعضاء هيئة التدريس معينون بعقود مصنفة موقتة وإلى حد الآن لم يتقاضوا رواتب، إضافة إلى قرار المعيدين. لم نجد أي مبرر من الخزانة العامة لعدم صرف مستحقات هؤلاء منذ سنتين»

وأرجع رئيس جامعة بني وليد الأزمة إلى وجود انقسام سياسي وحكومتين بما أثر على الميزانية العامة، وهو الانقسام الذي هز مصداقية الجامعات الليبية أمام العالم، قائلاً: «نخشى أن يأتي يوم وتصبح فيه شهادة الجامعات الليبية لا تساوي شيئاً أمام جامعات العالم بسبب الانقسام والوضع الحالي»

لم تتمكن الحكومات الليبية خلال السنوات الماضية من وضع خطة لقطاع التعليم، من أجل اعتمادها لتحقيق نقلة نوعية لوضع التعليم

كما لم تتمكن الحكومات الليبية خلال السنوات الماضية من وضع خطة لقطاع التعليم، من أجل اعتمادها لتحقيق نقلة نوعية لوضع التعليم، لاسيما مع غياب معايير تضمن تخرج طالب يمتلك قدرات تعليمية تؤهله لسوق العمل.
عميد كلية التربية بجامعة بني وليد، الدكتور يونس العزوزي، قال: «إن الكلية تعمل الآن بأقل الإمكانات، لكنها تغلبت على أبرز المشاكل والعقبات، رغم أنها تعاني نقص المواد التشغيلية للمعامل، حيث تعتمد معظم أقسام الكلية على المعامل مثل الأحياء والكيمياء والفيزياء».

وأشار إلى أن الكلية تعاني الوضع الأمني السيئ إلى الآن، حيث لم تتم السيطرة على الوضع الأمني خاصة مع وجود أشخاص من خارج الكلية، وهو ما يمثل أبرز المشاكل باعتبار الكلية تقع وسط المدينة، حيث أغلقت الكلية أبوابها أكثر من مرة بسبب الوضع الأمني السيئ.

وتابع بالقول: «إن أبرز المشاكل أيضاً هو القرار 119 الخاص بأعضاء هيئة التدريس الذين لم يتم تعيينهم إلى اليوم، إضافة إلى مبنى الكلية غير المتكامل، الذي يحتاج إلى استكماله ليسع عدداً أكبر من الطلبة، مشيراً إلى ضرورة «الحصول على الميزانية الكافية والمطلوبة للجامعة بما يمكنها من تنفيذ مشروعاتها وبرامجها التنموية وتغطية مصروفاتها التسييرية والتشغيلية والعمل مع وزارة التخطيط ووزارة المالية لتبسيط الإجراءات المالية، وتعديل بنود الميزانية التشغيلية، بما يتماشى مع خصوصيات ومتطلبات الجامعة».

«من بين المعضلات التي نواجها عدم مواكبة المناهج التعليمية لحاجات الطلاب والمجتمع ومتغيرات العصر، وكذلك ضعف مخرجات مؤسسات التعليم العالي وعدم تناسبها مع متغيرات العصر»

في السياق نفسه قال عضو هيئة التدريس بكلية العلوم مجدي جبريل: «إن من بين المعضلات التي نواجها عدم مواكبة المناهج التعليمية لحاجات الطلاب والمجتمع ومتغيرات العصر، وكذلك ضعف مخرجات مؤسسات التعليم العالي وعدم تناسبها مع متغيرات العصر، وضرورة توفير التمويل اللازم للتعليم العالي والتركيز على استخدام تكنولوجيا التعليم العالي في العملية التعليمية» .

الأمر نفسه ذهب إليه الطالب فهد ناجي جمعة، طالب بكلية الزراعة بجامعة بني وليد، الذي قال: «إن أجهزة المعمل التي نعمل بها قديمة جداً، لا يوجد عينات أو مجاهر بسيطة فضلاً عن الأجهزة الإلكترونية»، مضيفاً: «أشعر وكأني أدرس في ثانوية عامة، وليست كلية بجامعة»، لافتاً إلى أن أعضاء هيئة التدريس يطلبون منهم بحوثاً صعبة التناول، خاصة مع نقص بعض المراجع بمكتبة الكلية .

الطالب مسعود حسين المشروحي، بكلية العلوم، قال: «إن الجامعة بحاجة إلى وسائل ترفيهية مثل مكتبات ثقافية وأنشطة رياضية للترفيه عن النفس، مما ينعكس إيجاباً على نفسية الطالب مع الروتين اليومي الدراسي»، مشيراً إلى افتقار أسلوب عرض محتوى بعض مواد المنهج لعنصر الإثارة والتشويق، بالإضافة إلى قلة توفير الوسائل التعليمية، وعدم تخصيص شبكة الإنترنت للطلبة في الكلية، وقلة المصادر والمراجع العلمية في الكلية والجامعة.

وعن المشكلات التي تواجههم قالت الطالبة إيمان محمد، طالبة كلية القانون، «إن بعض الأساتذة يرغمون الطلبة على شراء الكتب التي يؤلفونها، التي تباع بأسعار مرتفعة»، لافتة إلى أن أبرز المشاكل التي تعانيها كطالبة تتمثل في عدم الاهتمام بالمرافق الصحية في الكلية وسوء معاملة بعض أفراد الأمن الجامعي، وارتفاع أجور حافلات النقل المؤدية إلى الكلية، وقاعات دون تكييف.

وفي الإطار نفسه قال الدكتور مسعود الرقيق رئيس جامعة سبها، «إن الجامعة تعاني نقصاً في الميزانية، مع غياب اللوائح المالية، التي أثرت على كثير من أعمال الجامعة»، مشيراً إلى أن المشكلة الأخرى التي تواجه الجامعة تتمثل في عدم توافر ميزانية إعاشة للأقسام الداخلية، التي توقفت منذ عامين.

جميع الأقسام الداخلية التابعة لجامعة سبها لا توجد بها إعاشة، والطلاب هم من ينفقون على أنفسهم، بالإضافة إلى تراكم ديون سابقة على الجامعة بسبب توقف الميزانيات وهي تتكلف الكثير»

وتابع الرقيق في تصريحات إلى «الوسط»، «إن جميع الأقسام الداخلية التابعة لجامعة سبها لا توجد بها إعاشة، والطلاب هم من ينفقون على أنفسهم، بالإضافة إلى تراكم ديون سابقة على الجامعة بسبب توقف الميزانيات وهي تتكلف الكثير»، متابعاً: «إن جامعة سبها على مستوى كلياتها من غات وأوباري وسبها ومرزق والشاطئ تضم 6500 طالب، حيث تبلغ تكلفة إعاشة كل طالب اليومية قرابة 15 ديناراً»، لافتاً إلى عدم تحويل مستحقات أعضاء هيئة التدريس الأجانب.

وأشار إلى مشكلة أخرى تتمثل في الجانب الأمني من خلال التعدي على الموظفين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، حيث يتم الاعتداء عليهم بجوار المباني التعلمية حتى وصل الأمر إلى إطلاق الرصاص والسطو على هواتفهم النقالة وأجهزة الحاسوب الخاصة بهم وتعرض الطالبات للمضايقات.

وتحدث عن معاناة الجامعة من نقص شديد في أعضاء هيئة التدريس؛ بسبب عدم تمكنهم من التنقل إلى سبها وتدهور الوضع الأمني داخل المدينة، كذلك عدم قدرة الجامعة على التعاقد مع أطقم أجنبية بسبب عدم وجود حوالات مالية، وخوفهم من الخطف والاعتداء.
الدكتور صالح البغدادي، عميد كلية التربية والآداب بجامعة سبها، قال: «إن الكلية تعاني عدم توفر مستلزمات الدراسة سواء ما يتعلق بتجهيز للقاعات وكذلك عدم تقاضي أساتدة الدراسات العليا مستحقاتهم منذ 2014 وحتى الآن، بالإضافة إلى نقص أعضاء هيئة التدريس خصوصاً فى بعض التخصصات مثل الفرنسية والإنجليزية، وعدم وجود تعاقدات بسبب الأزمة المالية وكذلك عدم تغطية مصاريف المواصلات لبعض الأستادة الزائرين من جامعات أخرى».

وتحدث عن معاناة الكلية بسبب الوضع الأمني حيث يدخل مسلحون إلى حرم الكلية، بالإضافة إلى طلبة من خارج الكلية أو الجامعة، الذي أصبح مظهراً يخيف أعضاء هيئة التدريس والطلبة.

الدكتور خالد غلام، عضو هيئة التدريس بجامعة طرابلس كلية الإعلام والفنون، قال: «إن أهم المسكلات تتمثل في عدم تجهيز القاعات اللازمة لتدريس وطرق التدريس الحديثة والبيروقراطية التي لازالت موجودة داخل الجامعة؛ مما يحد من أى نشاط أو فعاليات التي يمكن أن يبادر بها عضو التدريس إلى جانب الأزمة المالية التي أصبحت سبب عزوف عديد الأساتدة، خاصة على مستوى الدراسات العليا الذين لم يتقاضوا مكافأتهم مند ما يزيد على ثلاث سنوات، وزيادة عدد الطلاب مقابل عدم توافر القاعات لاستيعابهم.

«أعضاء هيئة التدريس يعانون الانفلات الأمني وانتشار السلاح، الذي ترتب عليه أكبر تحدٍ في الوقت الراهن»

الدكتور أبوعزوم اللافي، عضو هيئة التدريس بجامعة سبها، قال: «إن أعضاء هيئة التدريس يعانون الانفلات الأمني وانتشار السلاح، الذي ترتب عليه أكبر تحدٍ في الوقت الراهن، خاصة كيفية التعامل مع طلبة يحملون السلاح، بل إنّ بعضهم منتسبون للمجموعات المسلحة المنتشرة في البلاد.

وأضاف أن المشكلة الأخرى تتمثل في الضغوطات الاجتماعية التي يتعرض لها أعضاء هيئة التدريس سواء لقبول بعض الطلبة الذين لا تتوافر لديهم شروط القبول أو المطالبة بعدم تطبيق اللائحة الداخلية في حال تجاوز أحد الطلبة حدوده.
وأشار إلى عدم توافر أبسط مقومات التدريس، بالإضافة إلى بعض الصعوبات القانونية أو التشريعية أمام أي خطوة يخطوها أعضاء هيئة التدريس تجاه إحداث تغييرات إيجابية، خاصة الصعوبات التي تواجه قانون الرواتب الذي أصبح لا يتماشى والظروف الراهنة، وكذلك الصعوبات أمام إحداث أي تغييرات قانونية في اللائحة الداخلية أو حتى في المناهج ومفرداتها.

وأوضح أن تلك المشكلات تحتاج إلى تشريعات قانونية رغم صعوبة إصدار قوانين جديدة في ظل الانقسام السياسي، بالإضافة إلى وجود تخبط في إصدار القرارات غير المدروسة، مثل قرارات إنشاء جامعات جديدة وقرارات تغيير رؤساء الجامعات.

المزيد من بوابة الوسط