تقرير: دور البلديات في حل فوضى السلاح.. و«النموذج السويسري»

أوراق عمل مهمة تعيد «الوسط» نشر تفاصيلها

ما يزال الجدل قائمًا في البلاد بشأن تطبيق مركزية الحكم أم تشجيع اللامركزية ودعم البلديات في البلاد، وسط مطالب بتغيير قانون الحكم المحلي، إذ يختلف الخبراء بشأن تقييم تجربة البلديات في ليبيا، في ظل ظرف الانقسام السياسي الراهن.

وانطلق نظام الإدارة المحلية في ليبيا مع القانون رقم 59 الصادرعن المؤتمر الوطني العام في عام 2012. وفي هذا السياق أصدر مجلس الوزراء جملة من القرارات تم بموجبها إجراء انتخابات أفرزت 118 بلدية ومنطقتين محليتين.

اعتماد الديمقراطية المحلية وتوسيع صلاحيات المجالس البلدية المُنتخبة، أو الدعوة إلى تركيز سلطة مركزية قوية.. لكفيلة بالمحافظة على وحدة البلد ومنع التقسيم»

وفي ندوة «قراءةٌ لقضايا الإدارة المحلية ومسألة شرعية الدولة في ليبيا» التي أقيمت في تونس في ديسمبر من العام 2016، بشأن اعتماد الديمقراطية المحلية وتوسيع صلاحيات المجالس البلدية المُنتخبة، أو الدعوة إلى تركيز سلطة مركزية قوية قالوا إنها «الكفيلة بالمحافظة على وحدة البلد ومنع التقسيم».

وخلال الندوة، التي نشرتها «سويس انفو» وتعيد نشرها «الوسط»، قال الدكتور براء ميكائيل مدير معهد الأداء الاستراتيجي: «إن جزءًا من الليبيين يتطلع إلى الدور الإيجابي الذي باستطاعة الإدارات المحلية والمجالس البلدية أن تقوم به، بينما يُحبّذ آخرون دور الأفراد والقادة الدينيين أو القبليين».

ميكائيل أشار إلى أن هناك فئة أخرى ما زالت تؤمن بالدورالمحوري لبعض الشخصيات العامة (أمثال فايز السراج وخليفة حفتر)، غير أنه يبقى من الصعب معرفة ما إذا كان هؤلاء يُمثلون رغبة مشتركة عند غالبية الليبيين أم لا؟

هناك فئة أخرى ما زالت تؤمن بالدورالمحوري لبعض الشخصيات العامة (أمثال فايز السراج وخليفة حفتر)

وانطلاقًا من ملاحظة هذه الضبابية سعت الندوة إلى المساهمة في شرح الأسباب التي يبدو أنها قادت العديد من المواطنين الليبيين إلى الإيمان بأن الإدارات المحلية أوالقادة المحليين يشكلون «حلًا معقولًا للتعويض عن تقصير الدولة» في مهامها، في ظرف باتت فيه النزعات الإقليمية الداخلية أمرًا واقعًا.

في ورقته المقدمة إلى الندوة، عاد الباحث رمزي درويش إلى أصول الانقسام الذي أعقب انتخاب البرلمان الليبي ورفض المؤتمر الوطني العام (المنتخب في 2012 والمنتهية ولايته) نتائج الاقتراع، ثم هجوم قوات «فجر ليبيا» على مطار طرابلس في 23 أغسطس 2015، مما حمل النواب على اتخاذ قرار بنقل مقر البرلمان مؤقتًا إلى طبرق (شرق). وهكذا لم يعد الهدف تحقيق الانتقال الديمقراطي بل عودة الأمن مما جعل العملية السياسية مشلولة منذئذ وانتشار عمليات الخطف والاغتيالات.

بدوره، أوضح الخبير القانوني يوسف غيث أن المجالس البلدية عانت من الضبابية بسبب الوضع الانتقالي الراهن. وقال: إن «الإدارة المحلية في ليبيا مرت منذ الاستقلال في 1952 بأشكال مختلفة، فمن ثلاث ولايات عند الاستقلال إلى 10 محافظات بعد انقلاب معمر القذافي في 1969 وصولًا إلى الشعبيات، اعتبارًا من 2007».

النظام الجديد ينبغي أن يُلبي حاجات الوطن ويستفيد من سلبيات التجارب السابقة.. فيما المجالس البلدية عانت من الضبابية بسبب الوضع الانتقالي الراهن

وأكد أن النظام الجديد ينبغي أن يُلبي حاجات الوطن ويستفيد من سلبيات التجارب السابقة، ورأى أن مفهوم الإدارة المحلية يختلف عن نظام الحكم المحلي الذي يعتمد على ثلاثة مقومات هي أولًا الشخصية الاعتبارية والاستقلالية عن الإدارة المركزية. ثانيًا قيام مجالس منتخبة وثالثًا التمتع باستقلالية في ممارسة صلاحياتها. واعتبر أن «النموذج السويسري يُمكن أن يكون قدوة في هذا المضمار».

غير أن متحدثين آخرين في الندوة انتقدوا عدم إصدار قانون المحافظات. أما الإعلامي محمد الصريط فأشار إلى تعقيد الوضع في بنغازي حيث توجد 102 من القبائل. واعتبر أن المجلس البلدي ببنغازي قدم خدمات اجتماعية كبيرة، لكن دوره تراجع مؤخرًا بسبب وجود جسم عسكري يقود المنطقة الشرقية.

وأفاد أن بعض مؤسسات المجتمع المدني في بنغازي تُعارض عسكرة المدينة ولكن أصواتها خافتة ولايمكنها أن تدخل في مواجهة مع قوة أكبر منها، و«هنا تكمن خصوصية بنغازي لأن الحرب تدور في داخلها»، كما قال. جانب من الخبراء والباحثين المشاركين في الندوة.

بعض مؤسسات المجتمع المدني في بنغازي تُعارض عسكرة المدينة ولكن أصواتها خافتة ولايمكنها أن تدخل في مواجهة مع قوة أكبر منها

وانتقد العضو في المجلس الأعلى للدولة عمر أبوليفة معايير تقسيم البلد إلى بلديات، مُشيرًا إلى أن عدد سكان بلدية بنغازي على سبيل المثال يبلغ 700 ألف ساكن، بينما هناك بلديات أخرى لا يتجاوز عدد سكانها 7000 نسمة فقط.

وقال أبو ليفة: إن «الميزانيات غير موجودة ولذا فإن الصلاحيات الكبيرة الممنوحة للبلديات تصبح حبرًا على ورق إذا كانت المجالس البلدية لا تتمتع بالموازنات المناسبة لذلك الدور».

وتعرض لأوضاع المجلس البلدي بمصراتة الذي قال إنه انتخب انتخابًا شفافاً وديمقراطيًا وأن الكل منضو تحته، لكنه لم يُقنع الناس بأنه يُقدم خدمة نوعية لأن الوحدات الإدارية تقوم بعملها بشكل طبيعي وآلي. وأضاف أبو ليفة «نحتاج إلى تطويع قانون الإدارة المحلية وإدخال تطويرات عليه، لكن لابد من وضع جميع الخيارات على الطاولة لكي نقوم بإصلاح حقيقي للحكم المحلي».

واعتبر مصطفى الساقزلي، مدير البرنامج الليبي للإدماج والتنمية أن أكبر معضلة حاليًا تتمثل في ضرورة تنظيم السلاح ثم تجميعه وقدم أربعة اقتراحات في هذا المعنى منها أولًا قيام البلدية باِحصاء الأسلحة فهي تستطيع أن تعرف من هم المسلحون وما هي أماكن وجودهم.

هؤلاء الشباب لن يقبلوا تسليم سلاحهم لحكومة مركزية أو جيش لا ينتمي إلى منطقتهم

وثانيًا ضرورة الحوار بين الأمم المتحدة والجماعات المسلحة من خلال المجتمع المحلي الذي أتوا منه، وثالثًا تقديم الدعم النفسي والمعنوي للشباب المنضمين إلى الجماعات من خلال مراكز مهنية محلية تقدم لهم الخدمات تمهيدًا لإعادة إدماجهم. ورابعًا تنظيم عملية إعادة الأسلحة عبر البلديات لأن هؤلاء الشباب لن يقبلوا تسليم سلاحهم لحكومة مركزية أو جيش لا ينتمي إلى منطقتهم. وأضاف أن الاِحصاء سيعطي مسحًا واضحًا عمّن يقبل التسليم ومن يرفض، وتوقع أن يقتصر الرافضون لهذه المقترحات على تنظيم داعش وفروع القاعدة.

على صعيد آخر، عاد عثمان القاجيجي إلى تجربته على رأس اللجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية ليشير إلى أن 3500 مرشح خاضوا تلك الانتخابات. وبالرغم من قانون العزل السياسي استطاع 1500 من ضحايا ذلك القانون أن يمروا ولم يستطع أحد أن يستبعدهم.

وأوضح أن القانون لا يشترط سوى الجنسية الليبية وتوافر السنّ القانونية، مُعتبرًا ذلك غير كافٍ. لكنه انتقد أعضاء المجلس البلدي في بنغازي الذين قال إنهم «يجلسون في بيوتهم».

الدكتور أبو عزوم اللافي الأستاذ في جامعة سبها تطرق إلى «طموحات المجتمع المدني في فزان (جنوب) وواقعه» مُشيرًا إلى أن هذا المجتمع المدني لم يُولد من عدم، مُستعرضًا جميع الأطوار التي مر بها المجتمع المدني لدى تشكله على امتداد القرن الماضي وصولًا إلى الحقبة القذافية. وانتقد الجهات الخارجية التي قال «إنها تقدم الدعم لكنها لا تسأل مؤسسات الحكم المحلي عن حاجاتها»، وحثّها على «محاورة ممثلي المجتمع المدني قبل وضع برامجها».

شيوخ القبائل كانوا أكثر فعالية في فضّ النزاعات من مؤسسات أخرى

أخيرًا، تطرقت ورقة محمد الجارح إلى البنية القبلية في ليبيا مُستعرضًا الأدوار الإيجابية التي قامت بها مؤسسة القبيلة مثل حماية ليبيا من انتشار مرض إيبولا بتشديد الرقابة على الحدود الجنوبية. واعتبر أن شيوخ القبائل كانوا أكثر فعالية في فضّ النزاعات من مؤسسات أخرى، وعزا ذلك إلى أن مؤسسة القبيلة قديمة ولديها بروتوكول تسير عليه، وهي تقوم بدور قضائي أيضًا مما جعل الدول تتعامل مع القبائل.

غير أنه اعتبر ذلك «خطرًا على المؤسسات (السياسية)». وركز على التهريب باعتباره مصدر الدخل الوحيد في منطقة الكُفرة على سبيل المثال، وأشار إلى أن السلطات المصرية تُعفي سكان طبرق الليبيين من التأشيرة لدى دخولهم مصر.

المزيد من بوابة الوسط