جريدة «الوسط»: شبح القذافي يلاحق ساركوزي

ليست المرة الأولى التي تحقق فيها الشرطة الفرنسية مع الرئيس الأسبق نيكولاي ساركوزي، ففي العام 2012 داهمت الشرطة مكاتبه في باريس كجزء من تحقيق في مزاعم بأنه كان ضالعاً في تمويل لحملته الانتخابية الرئاسية في العام 2007، بشكل غير قانوني من ليليان بيتنكور، وريثة شركة مستحضرات التجميل العالمية «لوريال»، ومثل في قصر العدل في بوردو للإدلاء بإفادته حول القضية وتمت تبرئته منها.

ولكن التحقيق معه هذه المرة وتوقيفه في الحبس الاحتياطي لمدة 26 ساعة وإخضاعه ليومين من الاستجواب، بتهمة حصوله على أموال من القذافي لتمويل حملته الرئاسية التي أوصلته إلى قصر الإليزيه العام 2007، تبدو أكثر خطورة على مستقبله السياسي من سابقتها، خاصة بعد أن صرح رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني يدعى زياد تقي الدين في نوفمبر 2016 لموقع «ميديابارت»، بأنه سلم في العامين 2006 و2007 ثلاث حقائب مليئة بأموال نقدية من فئة 200 و500 يورو إلى ساركوزي، ومدير مكتبه كلود غيان، ويزعم تقي الدين أن هذه المبالغ المالية مصدرها القذافي، وبلغت قيمتها خمسة ملايين يورو.

للاطلاع على العدد 122من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي إفادته أمام القضاة قال ساركوزي إنه منذ 11 مارس 2011 يعيش جحيماً من التشهير، وإن «الذين يتهمونني لا يملكون أدلة مادية»، ومهما كانت نتيجة التحقيق سيظل شبح القذافي يطارِد من قبره ساركوزي حتى آخر يوم في حياته السياسية على الأقل، خاصة بعد محاولة اغتيال مدير مكتب القذافي، بشير صالح، أمام بيته في جنوب أفريقيا، وهو الرجل الذي كان يكلفه القذافي الاتصال بساركوزي والرؤساء الأفارقة أكثر من سفرائه، الذي اعترف بتمويل القذافي لحملة ساركوزي الرئاسية، وحتى الآن لم تتضح دوافع محاولة اغتيال صالح.. وهل هي سياسية أم جنائية، إلا أن مهاجميه الذين تعقبوه من مطار جوهانسبرغ إلى بيته فروا بعد إطلاق النار عليه، ولم يحاولوا السطو على بيته، مما يرجح أنهم كانوا مكلفين اغتياله فقط، ولأنه يملك أسراراً خطيرة وكان يدير محفظة استثمار ليبيا أفريقيا التي يقدر رأسمالها بخمسة مليارات دولار، فتبقى فرضية أن الكثير من ساسة العالم لا يترددون في التخلص منه، ومن بينهم ساركوزي، قائمة.

وفي يوم 22 أغسطس 2011 سلم بشير صالح نفسه إلى إحدى المجموعات المسلحة في طرابلس وبقي في الحجز ثلاثة أشهر، قبل أن يتدخل ساركوزي ورئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما لدى مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي السابق، الذي استدعى صالح قبل إطلاقه، فانتقل إلى فرنسا، إلا أنه ولأسباب لا تزال غير معروفة فضل صالح الانتقال إلى جنوب أفريقيا.

ارتبط القذافي وساركوزي بعلاقة وطيدة واستقبل ساركوزي القذافي في قصر الإليزيه وسط انتقادات شديدة، ومن أجله أغلق الجسور على نهر السين عندما رغب القذافي في رحلة نهرية، ووعد القذافي ساركوزي بشراء طائرات «رافال» من فرنسا إلا أن القذافي أخلف بوعده، ويقال إنهما عندما التقيا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ذكره ساركوزي بوعده، فقال القذافي إنه نسي دفتر الشيكات في طرابلس!، وثمة من يزعم أن القذافي تحرش بزوجة ساركوزي عندما جاءت إلى طرابلس لتصطحب الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني المتهمين بحقن الأطفال بفيروس الإيدز في مستشفى الأطفال ببنغازي، كل هذا بالإضافة إلى تمويل القذافي حملة ساركوزي الرئاسية تجعل الأخير من مصلحته التخلص من القذافي، خاصة أن كثيراً من المراقبين لا يستبعدون إرسال ساركوزي أحد عملاء المخابرات الفرنسية ليجهز على القذافي بعد إلقاء القبض عليه قرب سرت.

للاطلاع على العدد 122من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ساركوزي شخصية مثيرة للجدل، ويصفه منتقدوه بـ«الديك المزهو بنفسه»، ولعل الإيطاليين هم أبرز من عبروا عن هذا الانتقاد، في أكثر من مناسبة، ولم ينسوا له تلك الابتسامات وهو مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، عندما سئلا عما عرف بفضيحة «بونغا بونغا»، ما أجبر فيما بعد برلسكوني على الاستقالة، في واقعة اعتبرتها الصحافة الإيطالية استفزازاً لرئيس وزرائهم ولإيطاليا، لذلك حفلت الصحف الإيطالية خلال اليومين الماضيين بالتعليقات الشامتة في ساركوزي، وعنونت جريدة «الجورنالي» التي تمتلكها عائلة برلسكوني مقالاً رئيسياً بـ «أنت تضحك أقل الآن، يا ساركوزي»، وعنوان آخر يقول «مهزلة نابليون المحزنة التي تضحك الآخرين»، أما جريدة «ليبرو»، وهي يومية يمينية شعبية، فقد كتبت: «إننا نتذكر جيداً اللحظة التي ضحك فيها هذا الديك الصغير المتعجرف على برلسكوني، أي من إيطاليا، في 23 أكتوبر 2011، وهو يقترح تفكيك التنظيم الديمقراطي لبلدنا».

ويرى محللون أنّ مثول ساركوزي أمام المحققين في قضية التمويل الليبي المحتمل لحملته الانتخابية يعتبر آخر فصل في حياته السياسية، مهما كانت نتائج التحقيق، وفيما يخص الشأن الليبي، فإنّ التساؤل الآن هو: هل سيفتح التحقيق مع ساركوزي مسارب جديدة لتقفي أثر الأموال الليبية في الخارج؟!

للاطلاع على العدد 122من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط