المجلس الأطلسي: تعزيز السلطات المحلية يمهد لتحقيق الاستقرار في ليبيا

قال مقال نشره موقع المجلس الأطلسي «أتلانتيك كاونسيل»، إن الموقف السياسي في ليبيا تطور بشكل بطيء، ووصل لمرحلة «شلل ظاهري»، بينما يستمر الوضع العسكري في التطور مع اندلاع اشتباكات بصفة مستمرة في أنحاء ليبيا.

وقال كاتبا المقال، كريم ميزران وفرانك تالبوت، إنه ونظرًا لغياب أي تقدم على الأرض، فإن النهج بأكمله الذي يتبعه المجتمع الدولي «فشل بشكل واضح»، ويحتاج إلى استراتيجية جديدة بشكل عاجل.

النهج بأكمله الذي يتبعه المجتمع الدولي «فشل بشكل واضح»، ويحتاج إلى استراتيجية جديدة بشكل عاجل

ورأى الباحثان بالمعهد الأطلسي أن المفاوضات السياسية وحدها، دون مفاوضات أخرى تشارك بها مختلف المجموعات المسلحة لن تسفر عن نتائج جديدة.

ولفتا إلى أهمية الاستثمار في تطوير السلطات المحلية، على مستوى المجالس البلدية، والانخراط معها في عملية إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهي خطوة هامة في إعادة بناء الدولة.

«هدف صعب المنال»
واعتبر الباحثان أن «تحقيق الاستقرار والحوكمة الجيدة في ليبيا تظل هدفًا صعب المنال على المستوى المحلي، رغم الجهود المستمرة التي تبذلها الأطراف الليبية، والأمم المتحدة والمجتمع الدولي».

وتطرق المقال إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها العام الجاري، وقال الباحثان إن «احتمالات إجراء الانتخابات تظل موضع شك»، في حين أن مجلس النواب لايزال يفتقر إلى النصاب اللازم للتداول والمُضي قدما.

وقالا إن «المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، المدعومة من الأمم المتحدة، يعاني من أجل فرض حتى نفوذ محدود»، وأضافا أن جهود إنهاء الفساد والتجارة غير الشرعية أسفرت عن نجاح محدود، مع استمرار انعدام الأمن واندلاع اشتباكات متفرقة في أنحاء ليبيا، خاصة في مدينة سبها.

«تحقيق الاستقرار والحوكمة الجيدة يظل هدفًا صعب المنال على المستوى المحلي، واحتمالات إجراء الانتخابات موضع شك»

ويمثل «المتشددون» تهديدًا بالنسبة إلى ليبيا وجيرانها والمجتمع الدولي، وكذلك يبقي خطر اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق قائمًا، وهذا ما عكسته تصريحات أخيرة لقائد القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) توماس وولدهازر.

وذكر الباحثان أن «ليبيا حاليًا تجسيد لتعريف الدول الهشة». ونتيجة للأوضاع الراهنة، وضع مؤشر الدول الهشة ليبيا ضمن الدول الـ25 الأكثر هشاشة في العالم.

ورغم الجهود المستمرة منذ العام 2014 للتوصل إلى تسوية سياسية، قال الكاتبان إن الصراع الجاري على السلطة خلق ظروفًا هشة، وجعل السلطة مقسمة ومركزة محليًا. وفي ظل تلك الأوضاع، توقع المقال أن تواجه القوى الرسمية معركة شاقة من أجل استعادة السيطرة المطلقة على الشرقية والسلطة.

السلطات المحلية
ولهذا قال الباحثان إن التركيز أصبح منصبًا بشكل متزايد على الدور الذي يمكن أن تلعبه السلطات المحلية في توفير الأمن والنظام وتوفر الخدمات في مناطق إدارتها.

ولفت إلى حاجة المانحين الدوليين والليبيين لتعريف نظام جديد يمكن من خلاله أن تعمل المجالس المحلية مع بعضها البعض، لتسهيل إقامة دولة مركزية يمكنها تحقيق الاستقرار في كامل ليبيا.

وتساءل المقال، كيف يمكن للاستقرار على المستوى المحلي أن ينعكس على المستوى الوطني؟ وقال إنه مع دعم اللاعبين الدوليين، فإنه يمكن تنفيذ ذلك كجزء من الاستراتيجية العامة.

التركيز أصبح منصبًا على الدور الذي يمكن أن تلعبه السلطات المحلية في توفير الأمن والنظام وتوفر الخدمات في مناطق إدارتها

وذكرأن المانحين الأوروبيين والأميركيين يقدمون المساعدة عبر برامج تنفذها مؤسسات دولية عدة، هذا إلى جانب الشراكة بين أوروبا ومنظمات «يونيسيف» وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأعلنت الحكومة الإيطالية تقديم 50 مليون يورو كتمويل لتسهيل الوصول إلى الخدمات الأساسية.

واقترح المقال تفويض الصلاحيات الرسمية إلى السلطات المحلية، مع التأكد من وصول تمويل مناسب ومستمر إلى تلك المؤسسات. وقال إن «القدرة الأهم للاعبين المحليين، مثل عمداء المحليات، هي القدرة على بناء وتفعيل شبكات من الأطراف الفاعلة في مختلف قطاعات ومستويات الدولة».

وتابع: «السلطات المحلية استخدمت تلك الشبكات بشكل منتظم لدعم إحداث تغيير ذو مغزى في مجتمعاتهم».

دور حيوي
وناقشت دراسة سابقة، ممولة من الحكومة الهولندية، دور السلطات المحلية في شمال غرب ليبيا، وبخاصة في مدينة زوارة، في مكافحة تهريب البشر. وقالت إن وحدة مكافحة الجريمة في المدينة أطلقت عملية للقبض على مهربي البشر، لكن نجاح تلك العملية يعتمد على التعاون بين السلطات المحلية، مثل المجلس البلدي ومجلس الشورى ولجنة الأزمة المحلية وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

وأنشأت السطات المحلية محكمة خاصة لمعاقبة مهربي البشر، وأصدرت أحكامًا بالسجن والغرامة في حق المتورطين. ومنذ ذلك الوقت، قال الباحثان إن حظر الاتجار في البشر ظل قائمًا، وهذا يسلط الضوء على القوة التي يمكن أن تمارسها السلطات المحلية.

ووجدت دراسة أخرى، ممولة من الحكومة البريطانية، أن ثقة الليبيين أكبر في المجالس المحلية، ويعتبرهم معظم الليبيين شريكًا أساسيًا في تنمية المجتمع، وذلك رغم محدودية سلطة وصلاحيات المجالس البلدية.

ثقة الليبيين أكبر في المجالس المحلية، ويعتبرهم معظم الليبيين شريكًا أساسيًا في تنمية المجتمع، رغم محدودية صلاحياتها

وتوصلت الدراسة إلى أن غالبية الليبيين يتفقون على أن التعاملات المباشرة بين المجتمع والمجالس البلدية «تخلق نموذجًا جديدًا لتطوير المجتمع».

وفي حالة «هشاشة الدولة وانقسام السلطة على المستوى المحلي»، قال الباحثان ميزران وتالبوت إن «القوة الناعمة المحلية، والتي يتم إنتاجها محليًا عن طريق شبكات محلية صغيرة، يمكنها التأثير على التغيير الإيجابي في العلاقات بين الدولة والمجتمع».

وفيما تظل جهود تحقيق التوافق على المستوى الوطني هامة لمعالجة الخلافات القائمة في ليبيا، إلا أن تنسيق ذلك مع الجهود المبذولة من قبل الأطراف المحلية، مثل المجتمع المدني والمجالس البلدية، يزيد من فرص تحقيق الاستقرار في ليبيا.

وقال الباحثان إنه في حال استمر المجتمع الدولي في تقوية ودعم السلطات المحلية، فإنه بذلك يدعم تغييرات حقيقية وفعلية على الأرض، تسفرعن مستقبل إيجابي في ليبيا.

المزيد من بوابة الوسط