الإخفاء القسري.. جريمة غامضة تثير فزع الليبيين


«السلطات الأمنية لم تفلح في ضبط المتهمين الرئيسيين في ارتكاب جريمة خطف أطفالي الثلاثة منذ أكثر من عامين وحتى الآن...»

كلمات لخصت مأساة يعيشها رجل الأعمال، رياض عبد الحميد الشرشاري، بعد خطف أبنائه منذ أكثر من عامين في بلدة صرمان (غرب طرابلس)، ووثقها في عريضة مطولة إلى المفوض السامي بالأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
واكتسبت قضية الاختفاء القسري لأبناء الشرشاري زخما إعلاميا حاشدا منذ وقوعها في ديسمبر من العام 2015 نظرا لطابعها الإنساني غير المسبوق في ليبيا، لكن لا يزال كثير من الأسر تجهل أماكن احتجاز أبنائها، الذين اختفوا قسرا منذ العام 2011.

ولا تتوفر أرقام دقيقة أو إحصاءات موثقة عن أعداد المخطوفين والمغيبين قسرا في البلاد، ويفسر النائب الأول لرئيس مجلس الدولة محمد معزب، هذا الغموض بأن «المتهم في هذه الجرائم جهات عديدة، منها مجهولة الهوية».

ويضيف في تصريحات إلى «الوسط» قائلا: «لا ننسى أن هناك أكثر من عشرة آلاف سجين أطلقهم القذافي من السجون من ذوي الأحكام الطويلة، الذين يعتبرون عودة الدولة عودة لهم للسجون».

واعتبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا: «إن الإخفاء القسري من قبل المجموعات المسلحة أصبح نمطا مقلقا في ليبيا».

وفي 30 من أغسطس من كل عام، يحتفل العالم بيوم الإخفاء القسري، وتقول الأمم المتحدة: «إن هذا الاحتفال يأتي في وقت انتشرت فيه الحروب والأزمات، وكان من بين ضحاياها مئات الآلاف من المفقودين أو المختفين، فضلا عن القتلى والجرحى والخسائر المادية».

ومع تصاعد معاناة الليبيين من هذه الجريمة المنتشرة على نطاق واسع في البلاد منذ اندلاع ثورة فبراير، نظم أهالي وأصدقاء المخطوفين والمغيبين قسرا وقفة احتجاجية بميدان الجزائر في العاصمة طرابلس الأسبوع الماضي، للضغط على المجلس الرئاسي بتشكيل لجنة لجمع المعلومات، ومحاولة تحديد أماكن المخطوفين قسريا.

والتقى المحتجون، الأحد، رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، حيث سلموه مذكرة تحمل مطالبهم بكشف أولئك المخطوفين والسعي من أجل إطلاقهم وعودتهم إلى أهاليهم.

وكلف السراج مستشاره القانوني التواصل مع أهالي ضحايا الخطف لتقدم الحكومة كل ما تستطيع تقديمه في الجوانب الإنسانية، كما كلف وزيري العدل والداخلية والنائب العام الاهتمام المباشر بمتابعة هذا الملف.
لكن لا تزال أسئلة تدور حول فعالية المادة «26» من الاتفاق السياسي الموقع بمدينة الصخيرات المغربية في العام 2015، الخاصة بالمخطوفين والمفقودين.
وفي مذكرة وقعها 100 شخصية عاصمة، طالب نشطاء ومثقفون وكتاب وإعلاميون وأكاديميون وسياسيون ليبيون، المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بتحمل مسؤوليته وتطبيق هذه المادة.

يشار إلى أن الفقرة الأولى من المادة «26» تلزم الأطراف الموقعة على الاتفاق بجمع معلومات كاملة عن الأشخاص المفقودين والمخطوفين، وتقديمها لحكومة الوفاق الوطني.

كما تلزم الفقرة نفسها حكومة الوفاق الوطني بتشكيل هيئة مستقلة للأشخاص المفقودين، إعمالا بأحكام القانون رقم 1 لسنة 2014 وذلك خلال 60 يوما من بدء ممارسة الحكومة لمهامها.

ويقول تقرير خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، الذي كشف النقاب عن تفاصيله مؤخرا، إن «الجماعات المسلحة، بما فيها تلك التابعة لحكومة الوفاق الوطني والجيش، ضالعة في عمليات احتجاز تعسفي وعمليات خطف، وغير ذلك من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني».

في حين يقر عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، بالقول: «حسب علمنا، فإن الجزء المتعلق بحكومة الوفاق الوطني لم ينفذ، ونددنا وعارضنا أي سجون أو معتقلات خارج المؤسسات الرسمية، وألا يتم الاعتقال الا بأوامر قانونية».

ويوضح بالقول: «إن هذه المادة مرتبطة بغيرها من مواد الاتفاق السياسي»، داعيا إلى «تطبيق كل مواده حزمة واحدة، وهو ما يتطلب تكاتف الجميع لبناء مؤسسات الدولة».

في الوقت نفسه، يطالب مجلس النواب بضرورة تنفيذ المادة «26» من الاتفاق السياسي، وشدد عدة مرات على ضرورة تكثيف الجهود للوصول إلى المختفين قسرا.

ويقول عضو المجلس النائب صالح همة، لـ«الوسط»، «أدعم تطبيق هذه المادة بكل قوة وفق قناعة تامة بما جاء فيها من أجل حرية هؤلاء المغيبين أو المخفين». لكنه يقول: «شريطة ألا يكون صادرا بحقه حكم قضائي أو مطلوبا للعدالة».

وتعاني المؤسسات القضائية والأمنية في البلاد منذ العام 2011، ويقول مراقبون إن هذا الوضع يعقد مهمة الوصول إلى المختفين قسرا، وتطبيق المادة «26».

وتعهد رئيس مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام الصديق الصور، الثلاثاء الماضي، بمتابعة هذا الملف كإحدى أولويات عمله، وفتح مكتبه أمام الأهالي لتقديم ما بحوزتهم من معلومات بالخصوص، وذلك خلال لقاء مع عدد من «مجموعة دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان» بصحبة أهالي المخطوفين والمغيبين قسريا في العاصمة طرابلس.

لكن معزب يقول لـ«الوسط»: «السلطة القضائية عاجزة عن أداء دورها على الوجه الأكمل حتى الآن، وإن كانت هناك محاولات مستمرة».

ويوضح بالقول: «لا توجد مؤسسات أمنية أو عسكرية فعالة تعمل وفقا للقانون في الشرق أو الغرب أو الجنوب، ولا يزال تفعيل هذه المادة ضعيفا، ونحتاج جهودا كبيرة وكثيرة لتفعيلها».

ويتلقى المجلس الأعلى للدولة عديد البلاغات بشأن المختفين قسرا، ويقول معزب: « نتسلم المعلومات ونراسل جهات الاختصاص، طالبين سرعة الإفراج عنهم أو إحالتهم للقضاء»، لكنه يبدي أسفه بالقول «الجهاز التنفيذي هو المسؤول عن هذه الترتيبات، ولم يتمكن من ذلك حتى الآن».

ويستبعد النائب صالح همة الوصول إلى إنجاز حقيقي في هذا الملف، ويوضح قائلا: «لابد من أن يعمل عدد من الأجهزة مثل مراكز الشرطة والبحث الجنائي والاستخبارات وأمن الدولة حتى تستطيع السلطة القضائية أداء واجبها، وهو غير موجود الآن».