الاستقرار أو الفوضى.. النفط الليبي سلاح ذو حدين

اعتبر تقريرٌ نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن القطاع النفطي الليبي «سلاح ذو حدين»، موضحاً أنه «يحمل إمكانية تحقيق الاستقرار في ليبيا أو خطر تسريع الانزلاق في مزيد من الفوضى»، وقال: «إن اللاعبين الدوليين عليهم لعب دور في تحديد كيف يؤثر القطاع النفطي الليبي على استقرار الدولة السياسي والاقتصادي».

وتحدث معد التقرير، الباحث في المجلس طارق باكوني، عن التحديات الأمنية والهيكيلة التي تقف أمام تطور قطاع النفط الليبي، والعلاقة بين توزيع العائدات النفطية والاضطرابات الأمنية، وذكر أنه: «على المصرف المركزي الليبي أن يكون أكثر شفافية عندما يتعلق الأمر بإدارة الثروة النفطية في ليبيا».

للاطلاع على العدد 121 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

واعتبر التقرير أن ارتفاع الإنتاج النفطي خلال العام الماضي إلى ثلاثة أضعافه من «التطورات التي تستحق الثناء»، متحدثاً عن التحديات التي تواجه مؤسسة النفط، في بلد «لايزال في خضم صراعات سياسية متعددة الأقطاب، وانتشار المجموعات المسلحة، وانتشار الفساد».

تحديات هيكلية
ولفت الكاتب إلى تحديات هيكلية أمام صناعة النفط، وقال: «إن نظام معمر القذافي أدخل مزيجاً من خصائص النظامين الاشتراكي والرأسمالي في القطاع النفطي، جعل من الصعب إدارة القطاع منذ رحيله في 2011».
وقال: «إن ليبيا تطورت باعتبارها دولة معتمدة على النفط من الطراز الأول، إبان عهد القذافي، حيث لعب الأخير وعائلته دوراً رئيسياً في إدارة الثروة النفطية والاستفاده منها».

وتابع: «النموذج الاقتصادي الشعبوي للقذافي أعطى الليبيين إحساساً قوياً بملكية ثروتهم النفطية. وخلال عهده جرى توزيع العائدات النفطية بشكل رئيسي عبر القطاع العام المتضخم والسلع الأساسية المدعومة».

وجرى إنشاء «صندوق الثروة السيادي»، أو ما يعرف باسم «هيئة الاستثمار الليبية»، لكن أكثر من 80% من العائدات النفطية كان يتم توزيعها من خلال نظام التوظيف الحكومي، إذ عينت الحكومة الليبية وقتها غالبية القوى العاملة.

وإلى جانب تراجع معدلات الإنتاجية، قال التقرير: «إن نظام توزيع عائدات النفط، إبان عهد القذافي، يعني أن ليبيا لم تقم أبداً بتطوير مؤسسات حكومية متطورة أو نظام اقتصادي متنوع، لتعزيز تلك الثروة».

للاطلاع على العدد 121 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وذكر الكاتب أيضاً: «إن رتابة الروتين كان نتيجة سيطرة القذافي الشديدة على شؤون الدولة»، ولهذا فإن إطاحته من الحكم، خلقت فراغاً وحالة من عدم الاستقرار، وساهمت في ظهور قوى سياسية متنافسة ومجموعات مسلحة سعت إلى استبدال أو السيطرة على الآليات التي يتم بموجبها توزيع الثروة النفطية.

مركز الصراع السياسي
وقال معد التقرير: «إن قطاع النفط الليبي أصبح في مركز الصراع على السلطة في الدولة»، سواء عبر المجموعات المسلحة المتورطة في تهريب النفط للتربح، أو المجموعات المحلية المحرومة، التي تعمد إلى إغلاق البنية التحتية للحصول على حصتها من الثروة، أو عبر قوى سياسية تسعى للسيطرة على توزيع الثروة.

لكن مؤسسة النفط الوطنية نجحت في أن تتعافى من العراقيل السابق ذكرها، وأصبحت واحدة من بين ثلاث مؤسسات فقط فاعلة في الدولة، ونجحت في استعادة سلطتها.

وأوضح الكاتب أن المؤسسة «استعادت السيطرة عبر تطبيق إجراءات متعددة للحد من تهريب النفط وإغلاق البنية التحتية لمنشآت الطاقة، والوساطة وغيرها».

ورغم نجاح المؤسسة في استعادة سلطتها على القطاع النفطي، قال باكوني: «إن المؤسسة نفسها أصبحت أرضاً للمعركة من أجل السيطرة، بين أطراف سياسية ومجموعات مسلحة مختلفة».

وتابع موضحاً: «العام الماضي، على سبيل المثال، حاولت حكومة الوفاق الوطني أن تحد من سلطة مؤسسة النفط وأنشأت وزارة للنفط تحل محل المؤسسة. وهذا دفع صنع الله للتوجه إلى المجتمع الدولي، وطالب بإجراءات لضمان بقاء المؤسسة بعيداً عن الصراعات السياسية، لضمان حيادية قطاع النفط».

وتقوم مؤسسة النفط بجمع العائدات النفطية، ومن ثم تحويلها إلى مصرف ليبيا المركزي، الذي يتولى إدارة الإنفاق المحلي، ولهذا أكد التقرير أن مهام وفاعلية المصرف المركزي «أمر حيوي لضمان تحقيق الاستقرار في ليبيا».
ولفت الكاتب إلى إن «إحدى المشاكل في ليبيا هي غياب الشفافية المحيطة بعملية اتخاذ القرارات في المصرف المركزي بشأن توزيع الثروة النفطية. وفي مرحلة عقب القذافي، هذا الغموض تسبب في سخط شعبي متزايد».
وأضاف: «إن مزاعم الفساد أصبحت متفشية، ما يثير مخاوف من أن زيادة الإنتاج النفطي لن تؤدي إلا إلى تسريع فقدان الثروة الوطنية»، وحذر من أن ذلك سيحفز انتشار الاستغلال النفطي، وتغذية حالة عدم الاستقرار، حيث تعمد مجموعات متعدة إلى سبل أخرى لتأمين مصالحهم الاقتصادية.

التحديات الأمنية
وربط التقرير بين التحديات الأمنية التي تعانيها ليبيا وبين توزيع الثروة النفطية، وقال: «إن آليات توزيع الثروة النفطية يمكن أن تشعل مزيداً من الاضطربات الأمنية، أو تساهم في تهدئتها».

وقال الكاتب: «إن التحدي الأمني هو الأكبر في ليبيا، وهو ناتجٌ من انتشار المجموعات المسلحة، التي تملك غالباً داعمين أجانب، ولديها مصالح راسخة. ورغم أن انعدام الأمن مدفوع بأسباب سياسية، إلا أن هناك عوامل اقتصادية بارزة تزيد من اشتعال النيران».
فعلى المستوى الاقتصادي، قال الكاتب: «إن الثروة النفطية ليست كبيرة بما يكفي للتخفيف من معاناة المواطنين»، موضحا أن العائدات النفطية تقترب من 15 مليار دولار، وهذا يعني أن نصيب الفرد الواحد يصل إلى 2500 دولار سنوياً، بناء على نموذج التوزيع الأصلي.

ويبلغ عدد سكان ليبيا ستة ملايين مواطن، وفي حال أن متوسط عدد أفراد الأسرة هو سبعة أفراد، فهذا يعني أن متوسط دخل الأسرة السنوي هو 17 ألف دولار، وهو مستوى أقل بكثير من حجم الإنفاق الحقيقي.
ولفت التقرير إلى زيادة معدلات العجز المالي، إذ يتخطى الإنفاق قيمة العائدات النفطية، وقال: «إن هذه الحقيقة الاقتصادية تبرز الحاجة لنظام أكثر فاعلية لرفع مستوى العائدات النفطية».
وعلى المستوى الأمني، قال الكاتب: «إن غياب سلطة مركزية موثوق فيها يمكنها توزيع الثروة النفطية خلق منافسة صفرية بين المجموعات المسلحة، مفادها أن السيطرة على الثروة النفطية تعني السيطرة على ليبيا».

توزيع الثروة النفطية
ولفت الكاتب إلى مقترحات بتطبيق النظام الفيدرالي لحل الأزمة، خاصة في مناطق شرق ليبيا الغنية بالنفط، تقوم على أن تتولى المجالس البلدية أو العمداء السلطة لتحديد الطرق الأمثل لتوزيع الثروة النفطية في مناطقهم، وذكر: «إن السيطرة المحلية على عائدات النفط تقلل الميل للنشاط العسكري».

وهناك اقتراحات أخرى بينها إنشاء نظام رعاية اجتماعي، حيث يتلقى الليبييون رواتب شهرية من الحكومة، وذلك للاستمتاع بثروتهم النفطية بدلاً عن أن يكونوا مضطرين للعمل في الوظائف الحكومية.
وذكر الكاتب أن تلك الآليات قد تعزز سبل توزيع الثروة النفطية لتصل إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً لتستفيد منها، ومن شأنه تعزيز النمو الاقتصادي، وخلق وظائف، وتعزيز المساءلة القانوية والحكم الذاتي.

ومن الناحية الأمنية، قال الكاتب: «إن تلك الآليات قد توفر الاستقرار المناسب لبناء مؤسسات الدولة في مخطط من الأسفل إلى الأعلى، مع تقوية المجالس البلدية والمجتمعات المحلية، واستعادة الثقة في الدولة».

وأضاف بالقول: «إن المانحين الدوليين باستطاعتهم إزالة (الحافز الاقتصادي) لانعدام الأمن، عبر تطوير نهج متسق لتوزيع التمويل بين المجتمعات المحلية.

تقوية السلطة المركزية
وفي السياق نفسه، لفت الكاتب إلى الحاجة لوجود هيئة مركزية تختص بصنع القرار، مسؤولة عن إدارة الثروة على المدى البعيد، وتحقيق استقرار بعيد المدى.

وأشار إلى الحاجة لتخصيص جزء من الثروة النفطية للاستثمارات الجديدة، خاصة في البنية التحتية لمنشآت الطاقة، لضمان استمرارية الإنتاج النفطي، بالإضافة إلى توجيه جزء من العائدات لإعادة بناء الدولة، ومراجعة استراتيجية هيئة الاستثمار. وقال الكاتب: «إن ذلك يتطلب استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ولهذا يجب على المصرف المركزي أن يكون أكثر شفافية فيما يتعلق بإدارة الثروة النفطية».

ويمكن للمجتمع الدولي المساعدة في تلك العملية، وعليه أن يدعو لمزيد من الشفافية من جانب المصرف المركزي لإنهاء الفساد، إذ أن بعض المتورطين في أنشطة الفساد مقيمون في العواصم الأوروبية أو يستثمرون بها.

ويمكن للمجتمع الدولي أيضاً التعاون مع ليبيا فيما يخص قضايا الرقابة وإدارة الثروة النفطية، ويمكن ذلك عبر إنشاء مخطط مراقبة دولي.

ودعا الكاتب أيضاً المجتمع الدولي إلى الاستمرار في الدعوة لبقاء مؤسسة النفط على الحياد، وحماية الاستثمارات الأجنبية المطلوبة لضمان استمرار الإنتاج في الحقول النفطية.

للاطلاع على العدد 121 من جريدة «الوسط» اضغط هنا