جريدة «الوسط»: إجماع على الحل السياسي ودعوة إلى المصالحة والانتخابات

دون مقدمات بدأت أطراف الأزمة في ليبيا تقترب من بعضها البعض عبر خطاب سياسي تخلى هذه المرة عن لغة التشدد، وأصبح الرهان على المضي نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية قاسماً مشتركاً بين الجميع، بما في ذلك موقف المشير خليفة حفتر الذي تغير بالكامل مقارنة بموقفه يوم 17 ديسمبر الماضي عندما نعى الاتفاق السياسي، وأنكر شرعية وجود مخرجاته، وعلى رأسها المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، ويبدو أن المتغيرات المحلية والدولية والإقليمية ساهمت في بلورة هذا الموقف، فثمة إجماع دولي وإقليمي على أن الحل في ليبيا لن يكون عسكرياً وإنما سياسي، كما أن ما شهده الجنوب الليبي من تطورات أخيراً ساهم أيضاً في تراجع البعض عن مواقفه المتصلبة، وهو ما لخصه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في حوار أجراه مع مؤسسة «إكسفورد بزنس غروب»، عندما قال: «لا توجد حلول عسكرية للصراعات الجارية في المنطقة، لذلك ندافع دوماً عن حلول سياسية تحافظ على والحدة والسيادة والسلامة الإقليمية».

«الوسط» تابعت هذه التطورات بدءاً من تصريحات العميد أحمد المسماري في مؤتمره الصحفي الذي عقده ببنغازي يوم الأحد، معلناً: «نحن نؤيد الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية النزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة والدول العربية الشقيقة، وبتنفيذ من المفوضية العليا للانتخابات».واعتبر العميد أحمد المسماري أن «ليبيا لن تقوم إلا بالمصالحة الوطنية كما فعل الملك إدريس السنوسي، لكنّ المصالحة لا تشمل الإرهابيين من تنظيم القاعدة أو داعش أو من دعّمهم أو من تحالف معهم»، محذّراً من وجود خطر كبير الآن على تقسيم ليبيا»، قائلاً: «بدأ التفكير بصوت عالٍ لتقسيم ليبيا، ونحن في القوات المسلحة نموت من أجل ليبيا وأرواحنا فداء من أجل وحدة ليبيا».وطالب العميد المسماري بأن يساهم المجتمع الدولي «إما التدخل بنية الحل الصادقة وبنية جمع الليبيين على كلمة سواء ودعم المصالحة، أو عليهم أن يرفعوا أيديهم عن ليبيا، وأن يتركوا ليبيا لليبيين».

للاطلاع على العدد 121 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

تصريحات المسماري اعتبرها متابعون للشأن الليبي رسالةً من القيادة العامة للجيش، مما يعني من المشير خليفة حفتر، وفسرت بأنها تخلٍ عن لغة التشدد، ودعوة للتمسك بالحل السياسي، مما يعني بأكثر دقة الرهان على العمليّة السياسية لحل الأزمة الليبية، وعلى خطى هذا الخطاب جاء تصريح رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الطرف الأساسي أيضاً في الأزمة، على لسان الناطق باسم المجلس عبدالله بليحق الأربعاء، الذي نقل مطالبة عقيلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعوة لجنتي الحوار بمجلس النواب ومجلس الدولة لـ«استمرار التواصل لإنجاز تعديل الاتفاق السياسي»، إن المستشار عقيلة صالح أكد «أن الجمود السياسي لن يصل بالبلاد إلى تحقيق أي شيء يخرجها من أزمتها، كما أنه من غير المقبول ترك الأمور مفتوحة على هذا النحو إلى ما لا نهاية دون تحقيق تقدم ينهي ما تعانيه ليبيا».

ولفت صالح إلى أن مجلس النواب «اعتمد مقترح تعديل الاتفاق السياسي الخاص بالسلطات التنفيذية منذ فترة»، مشيراً إلى ما طالبت به لجنة الحوار بمجلس النواب خلال الأيام الماضية بـ«بحث التوصل لتوافق على تعديلات الاتفاق السياسي لاعتماده من قبل مجلس النواب من عدمه».أما الطرف المقابل (مجلس الدولة) فقد أكد عبر تصريحات رئيس لجنة تعديل الاتفاق السياسي بالمجلس، موسى فرج، أن المجلس قدم لمبعوث الأمم المتحدة ورئيس بعثتها للدعم في ليبيا، غسان سلامة، ثلاثة مقترحات لاختيار السلطة التنفيذية وفق ما جاء في الاتفاق السياسي لعرضها على مجلس النواب لاختيار أحدها.

وأوضح فرج: الأول يقضي بـ«التصويت المشترك والمتزامن بين مجلسي النواب والدولة لاختيار إحدى القوائم المرشحة، وفقاً للشروط والضوابط التي تمت مناقشتها سابقاً» خلال اجتماعات لجنة الصياغة الموحدة لتعديل الاتفاق السياسي، التي جرت خلال الفترة من 26 إلى 9 نوفمبر 2017 بمقر بعثة الأمم المتحدة الموقت في العاصمة التونسية آنذاك، والتي انتهت بتقديم المبعوث الأممي مقترحاً بتعديل مواد السلطة التنفيذية إلى مجلسي النواب والدولة لإقراره، إلا أن المجلسين لم يحسما موقفيهما النهائيين بشأن مقترح تعديل السلطة التنفيذية حتى الآن.

وأوضح فرج أن الاقتراح الأساسي يقضي بأن «يتم تزكية كل قائمة من القوائم التي تشتمل على 3 مرشحين يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة، على أن تتحصل على التزكيات بواقع 25 تزكية غير متكررة من كل من المجلسين، أي تتحصل القائمة على تزكية من 50 عضواً نصفهم من مجلس الدولة ونصفهم من مجلس النواب، ويتم عرض القوائم أولاً على مجلس الدولة للتصويت لاختيار قائمتين، ثم تحال إلى مجلس النواب للتصويت لاختيار إحدى هاتين القائمتين لتكون هي المجلس الرئاسي».

ولم يتأخر موقف المجلس الرئاسي كثيراً، إذ أكّد المستشار السياسي لرئيسه، الطاهر السني، في لقاء جمعه الأربعاء بالمبعوث الدولي غسان سلامة، ما اعتبره «الموقف الثابت لرئيس المجلس الرئاسي فائز السراج»، وهو «ضرورة العمل على تنفيذ الاستحقاقات الدستورية والانتخابية، وتهيئة الظروف المناسبة لمشاركة شاملة لليبيين في الداخل والخارج لتقرير المصير وإنهاء المراحل الانتقالية في البلاد، وأن تتم برعاية المفوضية العليا للانتخابات وإشراف أممي ودولي مباشر لضمان نزاهتها واحترام نتائجها من قبل الجميع».
من جهته، طالب سلامة خلال اللقاء بعمل «كل ما هو ممكن لتذليل كل المعوقات لدعم العملية السياسية واحترام إرادة الليبيين للوصول بالبلاد إلى وضع أكثر استقراراً، مؤكداً أنه يسعى للقاء والاستماع إلى جميع الأطراف لإيجاد أرضية توافقية، فيما سيكون دور البعثة الأممية دائماً داعماً لخيار الليبيين».

إذن نحن الآن أمام دفعة جديدة للعمليّة السياسية، بعد مرحلة من الركود، لم تفلح في تحريكه تصريحات سلامة بين حين وآخر متحدثاً عن المضي قدماً في تنفيذ خطته لحل الأزمة في البلاد.

للاطلاع على العدد 121 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط