«بوابة الوسط» تعايش معاناة رؤوس عـرّاها الكيماوي: سرطان ينهش وشائعات ترعب بين رحى الانقسام

وسط أنباء انتشار مرض السرطان في شرق البلاد، وارتفاع أسعار العلاج.. كانت رحلة البحث المؤلمة وسط وجوه أعياها المرض.

تجولت بين تلك الأماكن التي مروا بها، رأيت وجوها كساها اليأس ورؤوسا عراها العلاج الكيماوي، ابتسم لي البعض حين مر من أمامي، فيما انزوى آخرون في غرفهم وأغلقوا الأبواب بإحكام، حتى إنهم لم يسمحوا للطبيب المناوب برؤيتهم، كان المرض قد أرهقهم والكيماوي أخذ ما تبقى من شبابهم .

ازدحام شديد في عيادة الأورام
في العيادة الخارجية لمرض الأورام كان الازدحام شديدًا، ظننت للوهلة الأولى أنني قصدت عيادة الأسنان، أو الباطنية عن طريق الخطأ ؟.. دخلت بانتظار الطبيب، كان للمكان رائحة كرائحة الموت واليأس ، كنت أنظر في عيونهم فأراها قد فقدت بريقها، خاوية تنظر للأفق البعيد ربما تناجي الله.

أبصرت الأم التي جاءت مرافقة لولدها «الرجل»، وتحمل معدات التعقيم راكضة من مكان لآخر، لتجد مكانًا لابنها من أجل جرعة الكيماوي.. وشاب في مقتبل العمر يجول في المكان جيئة وذهابًا من أجل أن يجد طبيبًا يقرأ له تقريرًا عن حالته الصحية بعد أن حصل على الجرعة، وفي زاوية بعيدة، كان الغائب في ملكوت السموات، يسبح الله بمسبحة بين أصابع مرتعشة أعياها المرض والكيماوي، أما تلك العجوز لم تعد تقوى على الوقوف،

في عقدي الخمسينات والستينات كانت البصق الدموي لا يثير اهتمام المريض..  لينتقل الورم من الرئة إلى باقي الجسم

نظرت إلي تلك العجوز بعينيها الخضراوين، لكن لم أستطع إطالة النظر بهما، فقد بهتتا وطغى عليهما المرض، وفقدتا الحياة. لكن يبدو الوضع مختلفًا اليوم عن سابقه إذ يقول رئيس قسم الأورام و العلاج الإشعاعي بمركز بنغازي الطبي، الدكتور علي محمد الزناتي،:« في عقدي الخمسينات، والستينات كانت الكتل الورمية أو البصق الدموي لا يثير اهتمام المريض، لينتقل الورم من الرئة إلى باقي الجسم، لكن الوضع يختلف اليوم مع الاكتشاف المبكر للمرض».

كل مناطق ليبيا لها نصيب من الإصابة بالسرطان
تزاحم مشهد الإشاعات والأوجاع وحفر آلامه في جدران الذاكرة، إلى أن جاء نفي ما يشاع عن أن مرض السرطان ينتشر بشكل كبير ومتزايد في المنطقة الشرقية.وقال لـ«الوسط»: «كل مناطق ليبيا لها نصيب من الإصابة بالسرطان، ولا توجد منطقة بها نسبة مرتفعة عن غيرها».

ولم تتوقف الشائعات عند حد ارتفاع نسبة الإصابة، بل وأيضا عن ارتفاع النشاط الإشعاعي في المنطقة الشرقية تسبب الإصابة بمرض السرطان، وهو ما نفاه الزناتي الأستاذ في كلية الطب بجامعة بنغازي، ويقول « البيئة تؤثر على الإنسان، ولكن هناك أسباب داخلية مثل عدم قدرة الجسم في التحكم في نمو الخلايا، إضافة إلى العوامل الخارجية هي التدخين ، ونوعية الأكل ونمط الحياة والتفكير والاجهاد».

ويجدد الزناتي التأكيد على أن هذه الأسباب «لا تقتصر على ليبيا، وإنما تشمل العالم كله»، لكنه يقول «هناك سلوكيات عربية تزيد مخاطر الإصابة مثل أكل المعلبات، وتناول الأدوية المعرضة للإشعاع، والتخزين الخاطئ لبعض الأدوية، والاستخدام الخاطئ للمعدات الإلكترونية».

العلاج يثقل كاهل المواطن المصاب بالسرطان نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد والانقسام السياسي

أول خطوة هي التشخيص المبكر
واختلف تشخيص المرض في البلاد عن الماضي، وفي هذا السياق نصح الزناتي بالكشف الدوري عند الطبيب، والاهتمام بالأعراض التي تبدو على شكل كتل ورمية، أو بصق دم، مشيرًا إلى اختلاف طرق العلاج إذ أن أول خطوة هي التشخيص المبكر، والثانية هي العلاج التي تختلف من ورم إلى ورم ، و من مكان إلى مكان ، وقد يكون العلاج الجراحي أولًا إذا كان هناك إمكانية لذلك.

لا يتوقف الأمر عند أوجاع المرض، إذ تعجز الظروف المالية الكثير من المرضي، وفي هذا السياق يقول الأستاذ في كلية الطب بجامعة بنغازي، «نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح العلاج مجانا»، لكنه يضيف «العلاج يثقل كاهل المواطن، نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد، والانقسام السياسي، وعدم وجود مخصصات لشراء هذا العلاج الذي يبدأ من 20 دينارًا إلى 7 آلاف دينار، وصولًا إلى200 ألف دينار ».

بين أوجاع المرضى، ما يزال الدكتور الزناني يتمسك بأهداب الأمل في توفير العلاج للمواطنين، ويقول « الإدارة الجديدة تسعى جاهدة إلى أن توفر قدر الإمكان، وهناك خطوات إيجابية لتوفير الدواء».

كلمات مفتاحية