معهد إيطالي: أطراف داخل وخارج ليبيا مستفيدة من الوضع القائم

قال تقرير نشره معهد الشؤون الدولية الإيطالي إن «هناك مجموعة خفية ومصممة من الأشخاص، داخل وخارج ليبيا، مستفيدين من الوضع القائم في البلاد، ويعملون بنشاط على عرقلة أي محاولات لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الحد الأدنى من القانون والنظام».

وحذر معد التقرير، الزميل في معهد رفيق الحريري للدراسات، كريم ميزران، من أنه «في حال فشلت جهود تحقيق التوافق بين المجموعات المسلحة، وإنشاء حكومة توافقية، في وقت قصير نسبيًا، فإن مصير ليبيا سيشبه مصير الصومال، وستعاني الدولة من الفقر وانتهاكات حقوق الإنسان، وصراع دائم بين الفصائل المختلفة».

«فوضى كاملة»
وقال الباحث الليبي إن «هناك كلمة واحدة تصف الوضع الحالي على الأرض وهو الفوضى الكاملة على الأصعدة كافة»، وأوضح أنه «على الصعيد المحلي، هناك حكومتان تتمتع كل منهما بشعبية في مناطق سيطرتها، الحكومة الموقتة في شرق ليبيا، برئاسة عبدالله الثني، وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، برئاسة فائز السراج، والمعترف بها دوليًا».

وأضاف أن «طبيعة الوضع على الأرض، حيث تتنافس مئات من المجموعات المسلحة حول المصالح والموارد، يعكس الطبيعة المنقسمة للحكومة. فولاء المجموعات المسلحة منقسم بين الحكومتين».

«نخبة مشبوهة من رجال الأعمال، وقادة مجموعات مسلحة متعطشين للسلطة، يستفيدون من حالة الفوضى والارتباك الراهن»

وتحدث الباحث الليبي أيضًا عن «تفتت السلطة السياسية على مستوى المجالس البلدية وعن أزمة على مستوى الحكم المحلي»، لافتًا إلى أن «هناك بعض المدن تديرها مجالس بلدية منتخبة تعمل وتواجه صعوبات كثيرة لاستئناف الخدمات المحلية للمواطنين، وفي المقابل هناك مدن أخرى، غالبًا في الشرق، تديرها مجالس بلدية يحكمها أفراد عسكريون عينهم الجيش الوطني».

وحذر التقرير أيضًا من انتشار منظمات إجرامية في كامل أنحاء الدولة، تصبح أقوى وأكثر ثراءً مع مرور الوقت، مشيرًا إلى أن «نخبة مشبوهة من رجال الأعمال، وقادة مجموعات مسلحة متعطشين للسلطة، يستفيدون من حالة الفوضى والارتباك الراهن، ويعملون على الدفع بمصالحهم الشخصية على حساب المواطنين».

«إهدار فرص النجاح»
وفي محاولة لحل الأزمة، تحركت الأمم المتحدة، بتأييد من الجهات الدولية ذات صلة، لإجراء مفاوضات بين الفصائل الليبية المتنافسة، أملاً في التوصل إلى اتفاق لإعادة تفعيل القانون والنظام، والسماح للدولة للتقدم في إعادة بناء اقتصادها.

لكن ميزران قال إن «أطرافًا محلية دعمت مصالحهم الخاصة مقابل جهود الوساطة، وبالتالي إهدار أي فرص للنجاح». وقال أيضًا إن بعض الأطراف الدولية، رغم إعلانها دعم المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، تدخل في ليبيا بدعم فصيل بعينه على حساب الآخر، وذلك لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية خاصة.

«أطرافًا محلية دعمت مصالحهم الخاصة مقابل جهود الوساطة، وبالتالي إهدار أي فرص للنجاح»

وتحدث ميزران عن «دعم تقدمه مصر لقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر»، وقال إن «الدعم المصري يهدف إلى إبعاد المجموعات الإسلامية خارج دائرة السلطة في ليبيا، وبعيدًا عن الحدود الفاصلة بين البلدين، وإعادة النظام لبدء عملية للإصلاح الاقتصادي، وهي عملية خططت مصر للفوز فيها بنصيب الأسد».

ولفت إلى «إشاعات تقول إن تغيير بعض القيادات الأمنية في مصر أخيرًا سيؤدي إلى تغيير في سياسات القاهرة نحو ليبيا»، وقال إن «القاهرة قد تضغط على حفتر للتعاون بشكل أكثر فاعلية مع الأمم المتحدة، والتوصل إلى حل تفاوضي.

وأضاف ميرزان أن هناك «لاعبين إقليميين آخرين لعبوا دورًا في تنظيم مفاوضات دبلوماسية واستقبلوا ممثلين عن الأطراف المختلفة، لكن تلك الجهود في الحقيقة قوضت جهود الأمم المتحدة بخلق منصات أخرى للتفاوض، بينما تسعى تلك الدول لتحقيق مصالح خاصة».

«خطة غير واقعية»
ويحاول المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة جمع الأطراف المحلية والدولة لدعم وساطة الأمم المتحدة، وحل الأزمة والدفع نحو جهود لبناء الدولة.

ووضع سلامة «خطة عمل»، قال ميزران إنها «مقبولة وخالية من العيوب من الناحية النظرية، لكن بمجرد ترجمتها على أرض الواقع ثبت أنها غير واقعية وغير سليمة».

واعتمدت خطة سلامة على أن يجتمع وفدان من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لتعديل شروط الاتفاق السياسي، الموقع في 2015، يعقبه مؤتمر وطني جامع ثم انتخابات رئاسية وبرلمانية، لكن هذا التسلسل «تم إحباطه من البداية عندما رفض وفدا مجلس النواب ومجلس الدولة الاتفاق على تعديل الاتفاق السياسي».

«خطة عمل سلامة مقبولة وخالية من العيوب من الناحية النظرية، لكن بمجرد ترجمتها على أرض الواقع ثبت أنها غير واقعية وغير سليمة»

وبدلاً عن المضي في التسلسل الطبيعي وانهيار خطة العمل بأكملها، قال ميزران إن «سلامة انتقل إلى تنظيم مؤتمر وطني». وأضاف: «الليبيون أصبحوا غير مبالين بفكرة التوافق الوطني، ويبدو من الصعب بشكل متزايد تنظيم المؤتمر في وقت قصير نسبيًا. وتحولت النقاشات حول المؤتمر الوطني إلى لغط».

وتابع أن «الخطوة الوحيدة المتبقية هي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، يمكن أن توحد مئات الفصائل في ليبيا. وحظيت فكرة إجراء انتخابات بزخم سواء داخل ليبيا وخارجها».

«سلاح ذو حدين»
واعتبر ميزران أن إجراء انتخابات في الوقت الراهن «سلاح ذو حدين»، وأوضح قائلاً: «من ناحية، إجراء انتخابات يعد الملجأ الأخير، إذ فشلت المحاولات السابقة كافة لحشد الليبيين حول مشروع وطني، وقد تُرى الانتخابات باعتبارها فرصة للحصول على إجماع وتأييد من الشعب، والذي أصبح غير مبالٍ، وغاضبًا بسبب مصاعب الحياة اليومية التي يواجهها».

ومن ناحية أخرى، قال الباحث الليبي إن «إجراء انتخابات حاليا يزيد من حالة الارتباك، وعدم الاستقرار بين الليبيين».

وتخوف ميزران من «حدوث مزيد من الانشقاق داخل ليبيا في الفترة المقبلة»، متحدثًا عن «توقف جهود الوساطة التي يقودها غسان سلامة، وغياب جذب للمبادرات الدولية والإقليمية، وتفاقم حالة انعدام الأمن، وانتشار الأنشطة الإجرامية، فضلاً عن التهديد الذي يمثله (التطرف الإسلامي)».

«الحل الأفضل لتحقيق الاستقرار في الدولة هو تكوين حكومة تكنوقراط، تهدف إلى توحيد القوات الأمنية ونزع سلاح المجموعات المسلحة»

ورأى الكاتب أن «الحل الأفضل لتحقيق الاستقرار في الدولة هو تكوين حكومة تكنوقراط، تهدف إلى توحيد القوات الأمنية ونزع سلاح المجموعات المسلحة، ودمج عناصر تلك المجموعات في هياكل ومؤسسات الدولة، مع البدء في مشاريع إعادة الإعمار.

وقال إن «جهود اللاعبين الدوليين يجب أن تكون استباقية، وموحدة، ومركزة، بدلاً عن المضي في جدالات ونقاشات لا تنتهي ولا طائل من ورائها».

المزيد من بوابة الوسط