«جريدة الوسط»: وقائع اختلاس معلن

جاء التقرير الموقت لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا ليثير مزيداً من القلق حول حجم الفوضى والفساد المستشريين في البلاد، في ظل سطوة الجماعات المسلحة التي يكشف التقرير عن لجوئها إلى تهديد وخطف كبار المديرين في المصارف التجارية، وتمكنهم من بناء شبكات واسعة مع رجال الأعمال وبعض المسؤولين في المنافذ الجوية والبرية والبحرية لتهريب الأموال والوقود والسلع المدعومة.

للاطلاع على العدد 120 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقال فريق الخبراء الأممي المعني بليبيا: «إن غياب آليات مراقبة فعَّالة وتواطؤ أعضاء المؤسسة السياسية واكتساب الجماعات المسلحة مكانة كبيرة، أدى إلى اختلاس أموال الدولة بمستويات لم يسبق لها مثيل».

وأضاف الفريق في تقريره الموقت، الذي حصلت «الوسط» على نسخة منه، «بينما كانت الرغبة في تمويل العمليات السياسية والعسكرية هي التي تدفع أفراد هذه الشبكات منذ البداية، فإنهم أقاموا منذئذٍ شبكات من المصالح الخاصة في جميع المجالات».

وأشار إلى استخدام «الجماعات المسلحة (والجهات الراعية لها) الاعتمادات المستندية وبطاقات السحب وتهريب الوقود والاتجار بالمنتجات المدعومة، والنفقات الخارجة عن الميزانية جميعها كقنوات لاختلاس أموال الدولة الليبية».

وقال فريق الخبراء إنه «سيحاول تحديد هوية الآليات المتبعة في اختلاس الأموال العامة والجهات الفاعلة المتورطة في ذلك، ولا سيما من خلال تهريب الوقود والاعتمادات المستندية، وكذلك شبكات تهريب البشر، والاتجار بهم»، لافتاً إلى أنه «يحقق حاليّاً أيضاً في أنشطة اتجار أخرى، وعلى وجه الخصوص الاتجار بالعقاقير والمصنوعات اليدوية الأثرية، وهو ما سيدرج في التقرير النهائي».

وأعرب فريق الخبراء الأممي عن قلقه من عمليات مصرفية مخالفة جرت بمصرف الجمهورية والمصرف الليبي الخارجي، واستند الفريق إلى معلومات تلقاها من كبار المديرين بالمصارف التجارية بخصوص حالات اختلاس لأموال عامة، كما تحدث عن عمليات تهديد وخطف تعرض لها مسؤولون في المصرفين.

وقال فريق الخبراء في تقريره الموقت إن «10 شركات تعمل لصالح جماعات مسلحة موجودة في منطقة تاجوراء بطرابلس حصلت على اعتمادات مستندية من مصرف الجمهورية بقيمة مليار دولار حتى فبراير 2016».
أما بخصوص المصرف الليبي الخارجي، فقد جاء في تقرير الخبراء أن «قيمة الاعتمادات المستندية التي أصدرها هذا المصرف بلغت مليار دولار أيضاً حتى سبتمبر 2016»، بل أشار إلى أن «مديري هذين المصرفين تعرضوا لضغوط شديدة». وقالوا رغم أن الفريق «لم يتمكن من التثبت من هذه الأرقام، إلا أنها تبين نطاق هذه العمليات»، مما جعل إدارة المصرف تسارع إلى إصدار بيان تنفي فيه ما نسب إليها في التقرير الأممي، وتحتفظ بـ«حقوقها القانونية المقرّرة لرد الاعتبار في الداخل والخارج».

في هذه الأثناء بدأت رائحة الفساد تفوح عبر المعلومات المتواردة بشأن عمليّات اختلاس تتعرض لها الأموال الليبية المجمدة في الخارج، حيث كشفت مجلة (لوفيف) الأسبوعية البلجيكية أن أكثر من عشرة مليارات يورو من الأموال الليبية المجمدة العام 2011 بعد قرار الأمم المتحدة، اختفت من الحسابات المفتوحة في مصرف «يوروكلير بانك» بين نهاية العام 2013 ونهاية العام 2017، وقالت المجلة إن هذه الأموال كانت تدار من قبل أقارب العقيد القذافي، مشيرة إلى أن السلطات القضائية البلجيكية لاحظت هذا الاختفاء في خريف 2017، عندما أراد قاضي التحقيق ميشيل كليسز مصادرة 16 مليار يورو في سياق قضية غسل الأموال.

ولم يتبق في الحسابات الأربعة المفتوحة سوى أقل بقليل من خمسة مليارات يورو.

للاطلاع على العدد 120 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في السياق يجدر التذكير بتصريح رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا غسان سلامة، الذي قال فيه «ما يحدث في ليبيا ليس فساداً، وإنما نهب ممنهج لمالية الدولة» مشيراً إلى أن هناك «أطرافاً دولية تشارك بالنهب» المتواصل للمال الليبي»، وبينما تتجه الأنظار إلى بيت مال الليبيين مصرف ليبيا المركزي، حيث لا يزال محافظه الصديق الكبير صامداً في معركة محاولة الإطاحة به، لصالح المحافظ الجديد الذي انتخبه مجلس النواب وأدى اليمين أمامه، محمد الشكري، فإن الهجوم على المصرف ومحافظه تحديداً لم يتوقف عبر سيل الاتهامات الموجهة إليه بالفساد، خاصة ما يتعلق بموضوع فتح الاعتمادات لآلاف الشركات، واللعب بحركة أسعار الدينار الليبي.

ويضع متتبعو الشأن الليبي أن المسألة الاقتصادية قد قفزت إلى صدارة مشهد الأزمة الليبية، لتنتزع الأولوية من العمليّة السياسية التي تشهد ركوداً لافتاً، حتى ليقال إن الطريق إلى الحل السياسي لا بد أن يوازيه أو يواكبه ضبط الاقتصاد ووقف الفساد ومعالجة أزمة السيولة المالية التي تزيد من تعقيد الأزمة العامة في البلاد، لانعكاساتها المباشرة على الحياة المعيشية للمواطن الليبي، الذي تبدأ معه وتنتهي مسيرة الوصول إلى حل الأزمة في البلاد.

للاطلاع على العدد 120 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط