دراسة أوروبية: الصراع الليبي ساعد «نخبًا اقتصادية» في نهب عائدات الدولة

قالت دراسة أعدها المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط إنَّ الصراع في ليبيا وفَّـر فرصًا كثيرة للاعبين جدد ساهمت في إنعاش ما أُطلق عليه اسم «نخب اقتصاد الحرب»، عملت على نهب عائدات الدولة المالية، في ظل ضعف المؤسسات الحكومية وانتشار الفوضى.

وذكرت الدراسة، التي نشرها موقع مركز الدراسات الأمنية في زيوريخ، أنَّ إطاحة نظام معمر القذافي، وانتشار المجموعات المسلحة وتآكل قدرة وكفاءة أجهزة الدولة، خلقت بيئة مكنت مجموعة جديدة، من أطراف مسلحة وأصحاب مشاريع، لبناء مصادر تمويل جديدة.

وجاءت الدراسة بعنوان «مقارنة اقتصادات الحرب في سورية وليبيا»، وتحدثت عن أنشطة اقتصادية ظهرت بالدولتين نتيجة الحرب المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات.

نخب اقتصادية
وقالت: «إن اقتصادات الحرب» تعتمد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على ترسيخ العنف وإدامته. وركزت الدراسة على أربعة نماذج رئيسية يمكن من خلالها تعريف «اقتصادات الحرب» في ليبيا وسورية، وهي استخراج الإيجارات والابتزاز، البيع المباشر للسلع، نهب عائدات الدولة، ورعاية الجهات الفاعلة الخارجية.

وقال المعهد الأوروبي إن الصراع في ليبيا وسورية خلق مجموعة جديدة من «النخب الاقتصادية»، تابعة لأطراف النزاع المختلفة، وتمكن بعضها من تحقيق أرباح طائلة، لقدرتها على التعامل على طول خطوط المواجهة.

«اقتصادات الحرب تعتمد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على ترسيخ العنف وإدامته»

ورأى أن «ظهور تلك الأطراف إلى الواجهة، في كثير من الحالات، رسخ حوافز مختلفة لإدامة الصراع، وتعطيل جهود الوساطة». وذكر أن «القوى المحركة لاقتصادات الحرب تعتمد بشكل كبير على ضعف الدولة».

وقال: «إن الآمال في ليبيا مرهونة بنجاح جهود الوساطة السياسية في إنشاء نظام سياسي شامل»، لكنه حذر من أن «تظل الأنشطة الاقتصادية التي ظهرت خلال الحرب، قائمة في مرحلة ما بعد التسوية السياسية في ليبيا وسورية».

البنية التحتية الاقتصادية
ونبهت الدراسة إلى أنَّ السيطرة على مساحات من الأراضي والبنية التحتية الاقتصادية أداة قوية لتوليد الدخل في ليبيا وسورية.

وقالت إنه في ظل غياب أجهزة فعالة بالدولة ظهرت «أسواق قوية، حيث حولت المجموعات المسلحة العنف إلى أداة للكسب». ففي ليبيا، تحول حصار المنشآت النفطية إلى أداة تستخدمها مجموعات مسلحة لابتزاز الدولة.

وأشارت إلى أن حصار المنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي بين 2013 - 2016، بقيادة إبراهيم الجضران، تسبب في خسارة عائدات مالية تخطت مئة مليار دولار.

«في ظل غياب أجهزة فعالة بالدولة، ظهرت أسواق قوية، حيث حولت المجموعات المسلحة العنف إلى أداة للكسب»

وفي سورية، أوضحت الدراسة أن «نقاط التفتيش الفاصلة بين الأراضي الواقعة تحت سيطرة قوى المعارضة وقوات النظام السوري في الغوطة الشرقية باتت تعرف باسم (نقاط المليون)»، في إشارة إلى كم الربح الذي يمكن توليده من فرض ضرائب غير رسمية على البضائع العابرة.

وفي 2015، تسببت الرشى في رفع أسعار السكر في الغوطة الشرقية إلى 24 ضعف سعره في دمشق. وقالت الدراسة: «إن استمرار تلك الأرباح يعتمد بالتأكيد على استمرار المواجهات المسلحة بين القوات في الغوطة الشرقية والمنطقة المحيطة بها».

عمليات البيع المباشر
ولفت تقرير المعهد الأوروبي أيضًا إلى أنَّ عمليات البيع المباشرة للبضائع في ليبيا أيضًا تدر دخلاً هائلاً، وقال: «إن غياب قوة الدولة خلق منافسة مفتوحة داخل قطاعات التهريب».

وتابع: «نتيجة للانتشار السريع للأسلحة، أصبحت شبكات التهريب تعتمد بشكل متنامٍ على المجموعات المسلحة. وفي المقابل، أصبحت تلك المجموعات متورطة بشكل مباشر في أنشطة التهريب»، وبالتالي فإنَّ وجود دولة قوية لها جهاز أمني قوي يمثل تهديدًا مباشرًا لتلك القطاعات.

وأصبح تهريب الوقود من مصادر الدخل المربح للمهربين، الذين يستخدمون أوراقًا رسمية مزورة للحصول على منتجات البترول المكررة والمدعومة من الدولة، لتهريبها بالخارج أو بيعها محليًّا في الأسواق الموازية.

«نتيجة للانتشار السريع للأسلحة، أصبحت شبكات التهريب تعتمد بشكل متنامٍ على المجموعات المسلحة»

ورغم خطورة تلك الأنشطة، تحدثت الدراسة عن «غياب جهود حقيقية للقضاء عليها، مع غياب الاهتمام الدولي للقضاء على أنشطة تهريب البشر في ليبيا».

وفي سورية، قال التقرير: «إن تنظيم (داعش) سيطر على حقول نفطية في سورية، لكن عمليات استخراج وتكرير البترول كانت تتم على يد قبائل محلية، والتنظيم فرض ضرائب على هذا الإنتاج وإدارة العائدات المالية».

وكانت دراسة بريطانية، نُشرت في 2015، أظهرت أن أرباح «داعش» من تهريب النفط تصل إلى مليوني دولار يوميًّا، وتلك الأرباح تتولى قبائل محلية توزيعها على تابعين لهم.

نهب إيرادات الدولة
وتطرقت الدراسة إلى العائدات النفطية وصناعة الغاز، التي تعتمد عليها ليبيا، وتتوزع على مستوى وطني، وقالت: «إن الفرصة الأكبر لاختراق توزيع العائدات النفطية هي في مركز الدولة».

وأوضحت: «أن ضعف حكومة الوفاق في طرابلس، المدعومة من الأمم المتحدة، أوجد بيئة خصبة سمحت بنهب إيرادات النفط من قبل مسؤولين فاسدين ومجموعات مسلحة».

«تراجع سلطة الدولة على الاقتصاد، وضعف النظام البنكي، بسبب تدخل المجموعات المسلحة، عزز بشكل متنامٍ السوق السوداء»

ولفتت إلى استخدام خطابات الاعتماد المزورة لاستيراد بضائع من الخارج، لكن عمليات الاستيراد لا تتم حقيقة، وتتم سرقة أموال خطابات الاعتماد.

وأضافت: «إن تراجع سلطة الدولة على الاقتصاد، وضعف النظام البنكي، بسبب تدخل المجموعات المسلحة، عززت بشكل متنامٍ السوق السوداء، حتى أصبحت الآن الأساس لمعظم الأنشطة الاقتصادية اليومية».

التدخل الخارجي
وانتقلت الدراسة لمناقشة قضية أخرى وهي التدخل الخارجي في الشأنين الليبي والسوري، وقالت: «إن تدخل القوى الأجنبية في ليبيا له دورٌ مباشرٌ ورئيسي في إطالة أمد الصراع».

وقالت: «إن التدخل الخارجي حدد مسار الثورة الليبية في 2011، ويستمر التدخل الخارجي بالبلاد، ففي 2017، كشف تقريرٌ لمجموعة الخبراء التابعة للأمم المتحدة دور الإمارات في دعم أحد الأطراف الليبية».

«تدخل القوى الأجنبية في ليبيا له دورٌ مباشرٌ ورئيسي في إطالة أمد الصراع»

وتابعت: «إن الدعم الدولي مكَّـن قائد الجيش، المشير خليفة حفتر، من تعزيز موقفه في شرق ليبيا، ورفض الانخراط بفعالية في جهود الوساطة الدولية».

ورأت دراسة المعهد الأوروبي أن «موقف المجموعات المسلحة لممارسة القوة هو العامل المحدد للدعم الذي تتلقاه من الأطراف الخارجية».

قواسم مشتركة
ورأت الدراسة أنَّه رغم الاختلاف الواضح بين الصراع في ليبيا وسورية، إلا أنَّ الإطار العام يحمل بعض القواسم المشتركة، موضحة أن «كلا البلدين تضم مجموعات وأفراد أقوياء مستفيدين من الوضع القائم، بعضهم متورط مباشرة في الصراع والبعض الآخر مستفيد منه».

ولفتت إلى محاولات جرت في ليبيا لمواجهة «انتعاش اقتصادات الحرب»، وهي محاولات تضمنت دمج المجموعات المسلحة في مؤسسات الدولة.

«صعود نخب اقتصاد الحرب في ليبيا له عواقب خطيرة في المستقبل، فتلك النخب تظل خارج جهود السلام الدولية»

لكنها قالت: «إن غياب سيطرة الدولة على الأجهزة الأمنية والفوضى التشريعية المحيطة بالأجهزة المتنافسة، تعني أنَّ مؤسسات الدولة لن تملك السيطرة الكافية على المجموعات المسلحة».

وحذرت من أن صعود «نخب اقتصاد الحرب» في ليبيا وسورية له عواقب خطيرة جدًّا في المستقبل، موضحة أنَّ تلك النخب تظل خارج جهود السلام الدولية، لكن مصالحهم ونفوذهم قوية ويجب بحثها في أي تسوية سياسية.

وكان الباحث الأميركي، ستيفن هيدمان، قال في كتابه «الحرب الأهلية، الحوكمة الاقتصادية وإعادة إعمار الدولة في الشرق الأوسط العربي» إنه حتى «إذا انتهت الحرب الأهلية عبر تسوية تفاوضية أو انتصار عسكري، بعض الأطراف المحلية لن يكون لديها الدافع للتخلي عن الأنشطة الاقتصادية التي نشأت وقت الحرب».