خبراء يضعون توصيات لمعالجة التأثيرات النفسية للأطفال جرّاء مشاهد العنف في ليبيا

أطفال ليبيون يجلسون على دبابة في شارع حيث يتم عرض العديد من الأسلحة في مصراتة 23 أكتوبر 2011. (فرانس برس)

دوي المدافع يكاد يصم آذانهم، وأزيز الطائرات يروع قلوبهم، ومشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام أعينهم كل يوم، هذا ما يعيشه الأطفال في ليبيا، بينما يتابع بشيء من الخوف أطفال آخرون في الأقطار العربية أمام شاشات التلفاز نقلاً حيّاً لفصول الحرب والدمار.

وما بين من يعيش الحرب ومن يشاهدها من الأطفال توأد براءة الطفولة وتزداد المعاناة، هكذا فعلت الحروب في الأطفال، فما العلاج لتدارك مزيد من الخسائر على الأقل النفسية.

علماء النفس والتربويون يركزون في تشريحهم تلك الظاهرة على الصدمة كأكثر الآثار السلبية للحروب انتشاراً بين الأطفال، فغالباً ما يصاحب الصدمة خوف مزمن «فوبيا» من الأحداث والأشخاص والأشياء التي ترافق وجودها مع الحرب مثل صفارات الإنذار، وصوت الطائرات، والجنود.. إلخ؛ يقابلها الطفل بالبكاء أو العنف أو الغضب أو الاكتئاب الشديد.

معاناة الأطفال من الحروب لا تتوقف بتوقف المدافع بل تصاحبهم إلى مراحل متقدمة من أعمارهم

العلماء ذهبوا إلى أنّ الصدمة الناجمة عن مشاهدة الطفل لحالات وفاة مروعة أو جثث مشوهة لأقارب له فإنها تؤثر على قدراته العقلية، وتتسبب الصدمة في معاناة الأطفال من مشكلات عصبية ونفسية ممتدة مثل الحركات اللاإرادية، وقلة الشهية للطعام، والابتعاد عن الناس، والميل للتشاؤم واليأس، وسرعة ضربات القلب في بعض المواقف.

وتفجر الحروب لدى الأطفال – لاسيما الصغار منهم – أزمة هوية حادة، فالطفل لا يعرف لمن ينتمي، ولماذا يتعرض لهذه الآلام، أما الأطفال الأكبر – الفتيان – فيجدون أنفسهم وقد أصبحوا في موقف الجندية عليهم الدفاع عن أنفسهم وذويهم ولو عرضهم ذلك للخطر، وحتى إذا لم يفعل الأطفال ذلك فإنهم يجدون أنفسهم في حالة من التشرد والفقر تفوق قدرتهم على الاستيعاب خصوصاً على التعبير الجيد عن المشاعر والرغبات؛ ما يغذي مشاعر دفينة تظهر في مراحل متقدمة من أعمارهم في صور عصبية وانطواء وتخلف دراسي وغيرها من الأعراض.

أكبر المآسي التي تُخلّفها الحروب هي الآثار التي تظهر على الأطفال في أعمارهم اللاحقة ممن نجوا من الحرب وقد حملوا معهم مشكلات نفسية تتوقف خطورتها على قدرة الأهل على مساعدة أطفالهم في تجاوز مشاهد الحرب.

من جانبه يقول حافظ البعباع قائد فريق تنمية وخدمة المجتمع التابع لمفوضية كشاف بنغازي، والذي قدّم برامج دعم نفسي للأطفال في أكثر من 40 مدرسة، إن الأطفالهم أكثر المتضررين جراء الحرب فى ليبيا، من حيث السن والتفكير وقلة الإمكانيات من سكن وتعليم وغذاء، حتى أضحى التغير واضحاً، فى كلامه وألعابه وتصرفاته التي أصبحت تشير إلى أسلوب الحرب وطريقة استعمال السلاح.

ولخص الخبير التربوي آثار الضرر التي بدت واضحة على ملامح الأطفال في كونه أصبح يحب ملابس المحارب من لون وشكل ومظهره العام، بالإضافة إلى تحوّل ألعابه إلى شكل مجسمات الأسلحة التي يستخدمها المحارب، وباتت أغاني ومصطلحات الطفل تشير إلى كلمات الحرب مثل تفجير، وأصبح التفكير المستقبلي للطفل بأن يمتلك سلاحاً حتى يحميه، كما أنّ دراسة الطفل وحلمه عندما يتخرج أن يصبح مقاتلاً وأن يعيش فى دولة يسودها الاستقرار.

تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات والتدخين، وآخرين أصبحوا يميلون للانضمام إلى صفوف المحاربين

وبشأن آلية دعم الأطفال خلال فترة الصراعات المسلحة، أشار إلى ضرورة التدخل وعمل جلسات تدريبية متنوعة لأعمال الريادة مثل التطريز والرسم والتشكيل والزخرف وألعاب رياضية متنوعة حسب السن والعمر والوزن، فضلاً عن دورات تنشيطية فى الدروس العامة مثل الرياضيات والمعلومات العامة وشرح معلومات عامة عن الوضع الذي نعيشه حالياً، وسبب الحرب الموجودة داخل البلاد، وأخيراً تشجيعهم بالمسابقات وحافز الهداية للفائزين.

وعن أشكال الدعم المعنوي، ذهب إلى ضرورة نشر صور للأطفال أثناء الألعاب والمسابقات، والإعلان عن أسماء الفائزين عبر الوسائل الإعلامية، وعقد مسابقات بين الأحياء من حيث أفضل شارع أو حديقة أو عيادة أو أفضل عمارة سكنية، لخلق بيئة إعلامية وخبرية موازية لتلك التي تتحدث عن الدمار والخراب والقتل.

وأضاف أن أبرز المشكلات النفسية والاجتماعية التي ظهرت على الأطفال، هي التوحد والتبول اللاإرادي والصراخ أثناء الليل والكآبة والعصبية وقلة الكلام والبكاء والعنف أثناء اللعب، وقلة الزيارات للأهل والأقارب حتى مرحلة العزلة.

وأشار إلى إلى امتداد التأثرات إلى مشاكل صحية وبدنية، حيث فقد البعض بصره، أو أحد أطرافه وأصبح فاقداً للأمل، لافتاً إلى أن التأثرات المستقبلية التي قد تظهر على الأطفال تتمثل في فقدان الطموح لديهم فى المجلات المختلفة، فقد أصبح كل حلمه أن يقود طيارة حربية أو سيارة مدرعة أو قائد ميداني أو رامٍ بدبابة.

أصبح الطفل يحب ملابس المحارب وتحوّلت ألعابه إلى شكل مجسمات الأسلحة التي يستخدمها المحارب

وعن أبرز المشكلات التي واجهته كخبير تربوي أثناء العمل، تحدث عن طفل يدعى «معاذ» قام بالتقاط طلقة نارية ليلهو بها معتقداً أنها فارغة، ولكنها انفجرت فيه وقطعت يده وأصبح بدون يد، فضلاً عن بعض المشاكل مثل بعض المناطق التي يصعب التحرك فيها وهي مناطق النزوح التي يصعب فيها السيطرة على الأطفال.

وأشار إلى أنه جرى وضع خطة للوصول إلى الأطفال وفق استراتيجية، حيث تم التنسيق مع المدارس الخاصة والعامة وإجراء زيارات وإقامة دورات وألعاب داخل المدرسة، وتوزيع ألعاب رمزية داخل المدرسة أو مكان إقامة الأطفال، ورسوم متحركة تبين خطورة السلاح داخل المدينة، ورسم إرشادات توضح للأطفال كيفية تجنب خواطر مخلفات الحرب، وجلب بعض المصابين وتصويرهم وعمل لقاءات معهم وعرضهم للأطفال حتى يكون الموضوع أكثر جدية، وطرح العديد من الأسئلة على الأطفال عن المواقف التي تعرض لها الطفل مع أهله ومسكنه وأقاربه.

وقدّم حافظ البعباع مجموعة من التوصيات والنصائح، تتمثل في ضرورة تواجد داخل المدارس التعليمية مدرس أو إخصائية متمكن فى الداعم النفسي ولديه الروح المرحة فى التعامل مع الأطفال من ألعاب وأفكار يدوية ورحلات ومسابقات وتحفيزه من خلال تقديم هدايا تناسب عمر الطفل.

وتابع: «قمنا بزيارة 43 مدرسة خاصة وعامة وكذلك بعض المدارس والمؤسسات خارج مدينة بنغازي واستهدفنا 6300 طفل، ولوحظ أن كل مدرسة يوجد فيها تقريباً من 6 إلى 8 حالات لديها تأثيرات سلبية جراء الحرب، لكن توزيع وجبة الإفطار وتوزيع الألعاب والعرض السينمائي، كان له دور كبير فى الداعم النفسي»، مشدداً على ضرورة أن تتعامل الأسر مع الطفل بحذر وحرص شديدين خلال فتره الحرب، مع ضرورة أن تكون هناك العديد من الرحلات العائلية مع الأطفال حتى يتلاشى التفكير السلبي الذي يحيط به.

إيناس محمود:  الأطفال هم أكثر فئة متضررة نتيجة الحرب في ليبيا من حيث المراحل العمرية الصغيرة أو التفكير وقلة الإمكانيات

في الإطار نفسه قالت إيناس محمود رئيس منظمة الروناس للمرأة والطفل، إن الأطفال هم أكثر فئة متضررة نتيجة الحرب في ليبيا من حيث المراحل العمرية الصغيرة أو التفكير وقلة الإمكانيات سواء كان سكنية أو تعليمية أو صحية وغدائية، حتى أصبح التغيير واضحاً لدى الطفل في طريقة كلامه وتعبيره وتصرفاته وحتى طريقة ألعابه، وكلها تشير إلى أسلوب الحرب وطريقة استعمال السلاح.

وأوضح أن الطفل الليبي عاش فترة متوالية من الحرب وعاصر الاشتباكات والانفجارات وفقدان أحد الوالدين، فضلاً عن نقص الإمكانيات التي تسببت في تفاقم الحالات المرضية وانتشار الأمراض المزمنة وازدياد حالات أمراض الأورام والأمراض النفسية والاضطرابات السلوكية، التي تتمثل في العنف والتخريب وفرط الحركة.

وتحدثت عن تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات والتدخين، وآخرين أصبحوا يميلون للانضمام إلى صفوف المحاربين، فضلاً عن بعض حالات الاكتئاب وسرعة ضربات القلب والتأتأة والتبول اللاإرادي، وفقدان بعض الأطفال فرص التعليم بسبب التهجير من منازلهم والوضع المادي المتردي وفقدان الأمان.

ومن جانبه قال الدكتور محمد أوحيدة الخبير التربوي، إن الأطفال هم أكثر الفئات تأثرًا بالحرب الدائرة في ليبيا، في ظل مشاهد القتل والدمار الذي يشاهدونها أمام أعينهم كل يوم، لافتًا إلى أن «ضرورة مساعدة الطفل للتعرف على الوضع الراهن؛ كي يُدرك أن ما يجري من أعمال إرهابية هي حقيقة، وليست بفيلم أكشن أو خيال علمي أو ألعاب فيديو وإنما هي أمور أكثر جدية».

وأشار أوحيدة في تصريحات إلى «بوابة الوسط»، إلى أن ذلك «يستدعي تدخل الأهل لشرح ما يجري للطفل وتوضيح من هم هؤلاء الإرهابيون؟ وما هي أهدافهم؟ ولكن بكلمات بسيطة من دون مبالغة ومع مراعاة عمر ودرجة تفهم الطفل».

الدكتور محمد أوحيدة: يجب مراقبة الوالدين تصرفات الطفل ونظامه الطبيعي، إن كان لا ينام جيداً أو لا يأكل جيدًا أو أنه يخاف البقاء وحيداً دائماً

ونصح بضرورة «مراقبة الوالدين تصرفات الطفل ونظامه الطبيعي، إن كان لا ينام جيداً أو لا يأكل جيدًا أو أنه يخاف البقاء وحيداً دائماً، أو أنه يشعر بمخاوف متعددة كالخوف من أمور لم يكن يخافها من قبل كالظلمة والليل، أو قد يخاف الطفل من ركوب الحافلة أو الباص بعد أن رأى في الأخبار باصاً ينفجر، أو الخوف من الذهاب إلى المدرسة بعد أن شاهد مدرسة تتعرض للقصف، وهذه كلها علامات تشكل إنذارا للوالدين بأن هناك خللاً ما في نفسية الطفل، ولكنه لا يتمكن من التعبير عنها».

وعاد الدكتور أوحيدة للحديث عن تفاعل الأطفال مع الحرب والحوادث الإرهابية، لافتًا إلى اختلاف ردود أفعال الأطفال حول الحروب والحوادث الإرهابية والصور المرافقة لها، بسبب اختلاف عوامل كثيرة كعمر الطفل وطبيعة شخصيته والتجارب التي مر بها في حياته، ونوعية علاقته بالآخرين من حوله كالوالدين وغيرهما.

وأشار إلى أن «أكثر ما يزعج الأطفال قبل المرحلة المدرسية هي المناظر المرعبة والمؤلمة وأصوات الدوي والانفجارات، وليس مستغرباً أن يخلط الأطفال في هذا السن بين الحقيقة والخيال، وبين تقديرهم لحجم الأخطار التي قد تلحق بهم أو بغيرهم، ومن السهل أن تسيطر مشاعر الخوف والقلق على هؤلاء الأطفال، حيث يصعب عليهم إدراك البعد الحقيقي للأمر، أو صرف الأفكار المخيفة عن أذهانهم».

وأضاف أن «أطفال المرحلة المدرسية يمكنهم التفريق بين الحقيقة والخيال، لكن قد يصعب عليهم أحياناً الفصل بينهما، فقد يخلط الطفل بين مشهد من فيلم مخيف وبين منظر من مناظر الأخبار، وقد لا ينتبه الطفل إلى أن بعض المشاهد الإخبارية يعاد عرضها مرات ومرات، وليس أنها تتكرر من جديد، وقد يشعر الطفل وبسبب وضوح الصور المنقولة أن الحدث قريب منه كثيراً وربما في الشارع الذي يسكنه».

أما الأطفال في المرحلة الإعدادية والثانوية فإنهم «أكثر اهتمامًا بالنقاشات السياسية المرافقة للحروب والعمليات الإرهابية، ويشعرون بأن عليهم أن يتخذوا موقفاً محدداً من هذه القضايا ولذلك قد نجدهم ينخرطون في بعض الأعمال السياسية أو الخيرية المتعلقة بحالة الحرب والعمليات العسكرية».

ونصح الدكتور أوحيدة الأسرة بضرورة «الانتباه إلى خطورة مشاهدة الأطفال للمشاهد المؤلمة للتفجيرات، أو إشعارهم بعدم الأمان، داعياً إلى إحاطتهم بالحنان والرعاية، وفي حال استفسار الطفل عما يحدث من عمليات إرهابية لابد من اختيار الطرق المثلى في التحدث مع أطفالهم بخصوص الحروب والإرهاب».

ودعا إلى ضرورة «اختيار كلمات مناسبة لعمره الصغير، وذلك كي يتسنى له فهم المراد من الحديث، وتبسيط الأمور قدر الإمكان بما يتناسب مع سن الطفل، وإخباره بعدم وجود ما يدعو للخوف، وأن هذه محنة وستزول، لأن الأمور العالقة قد تكون خطيرة للطفل إذ إنها قد تسبب بتشكل مفهوم خاطئ.».

كما شدد على ضرورة أن «يُعطي للطفل الإحساس أنه يستطيع دائمًا طرح الأسئلة، وعدم الهروب من أسئلته بالصراخ عليه، وإنما طمأنته بأنهم لا يستثقلون منه، وهذا بدوره يولد الثقة بالنفس لدى الطفل، كما أنه ينمي الثقة بين الطفل وأهله، ويصبحون مرجعاً له للحصول على معلوماته».

وتابع: «ينبغي عدم السخرية من مخاوف الطفل أو الضحك منه أمام الآخرين أو مقارنته بزملائه الشجعان، كما أن على الأم إبعاده عن مثيرات الخوف مثل مشاهدة الأحداث المؤلمة والصور المفزعة».

ونصح أوحيدة بضرورة «الامتناع عن سرد الروايات والشائعات التي يتداولها الناس خصوصاً أمام الطفل, وحثه على التقرب إلى الله والاستعانة به في وقت الشدة، حتى ينعم بهدوء البال والاستقرار النفسي ويعيش مطمئناً سعيداً».

وقال إن أهم أسلوب لمنع خوف الطفل هو «عدم رؤيته للتلفاز أو الصحف التي تحتوي صوراً مرعبة بالنسبة له، وضرورة إبعاده عن هذا الجو تماماً، وإشعاره بالمحبة ومداعبته ومحادثته وملاطفته؛ ليشعر بالمحبة والاهتمام، فينسى الأحداث المؤلمة».