المجلس الأطلسي: للجزائر دور مهم في حل الأزمة الليبية رغم التحديات الداخلية

حثَّ مقالٌ نشره موقع المجلس الأطلسي، «أتلانتيك كاونسيل» الجزائر على استعادة دورها في حل الأزمة الليبية، رغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تمرُّ بها، وذلك لـ«موقفها المحايد منذ بدء الأزمة، وهو ما يجعلها الشريك المناسب لجمع الأطراف الليبية المتنافسة حول مائدة المفاوضات».

وذكرت كاتبة المقال، أندريا تايلور، أنه «لطالما اعتقدت الجزائر، منذ بدء الأزمة في 2011، أنَّ جهود الوساطة هي المسار الأمثل في ليبيا وليس التدخل»، وتماشيًا مع تلك السياسة، دعمت المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة في ليبيا، وعارضت التدخل الخارجي، سواء إذا كان تدخلاً من جانب حلف شمال الأطلسي «ناتو» أو عبر تسليح أطراف الصراع في ليبيا.

وقالت تايلور، الباحثة في معهد رفيق الحريري للدراسات، «رغم أن ليبيا تعد أحد أكبر الأزمات التي تحوم في الأفق بالنسبة إلى الجزائر»، إلا أنَّ مزيجًا من الأزمات السياسية والاقتصادية أضعف انخراط الجزائر في ليبيا خلال السنوات الماضية.

هدفان للجزائر

وأضافت الكاتبة أن الجزائر سعت لتحقيق هدفين مترابطين في ليبيا، أولهما تحقيق الاستقرار، إذ أن «المخاوف الأمنية بمثابة هدف واضح وملموس يدفع الجزائر لتسهيل التوصل لحل ينهي الصراع الجاري في ليبيا».

والهدف الثاني، وهو الأقل أهمية، يتمثل في الحفاظ على توازن القوى الإقليمية، ولطالما لعبت الجزائر دورًا تقليديًّا للحفاظ على توازن القوى، سواء في أفريقيا أو منطقة الشرق الأوسط.

لكن الكاتبة تحدثت عن «تنافس بين الجزائر والمغرب حول النفوذ في منطقة جنوب الصحراء الأفريقية. وتنجح الجزائر في موازنة نفوذ مصر في باقي شمال أفريقيا»، وقالت إن «الجزائر ليس لديها تفضيل خاص لمَن يحكم ليبيا، لكنها تريد دولة مستقرة، لا تدين بشكل كامل إلى مصر».

ولفت المقال إلى أن عدم الاستقرار في ليبيا يهدد الأمن على حدود الجزائر، ويوفر مدخلاً للمجموعات المتشددة، مثل تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب» وتنظيم «داعش»، للتمدد وتعزيز قواها.

تركيز الجهود الدبلوماسية

وتطرق المقال إلى الانتخابات المزمع عقدها العام الجاري في ليبيا، ورأى أن «احتمالات إجراء انتخابات حرة ونزيهة في ليبيا تظل بعيدة، في ظل أعمال العنف والقمع السياسي، التي تهدد الناخبين والمرشحين»، وفي ظل هذا المناخ الضبابي، يمكن للجزائر لعب دور حيوي.

وحيال الدور الذي قد تلعبه، حثت الكاتبة الجزائر على «أن تعطي الأولوية للتعاون، وليس المنافسة، مع مصر وتونس للضغط على جميع الأطراف لإنهاء الصراع».

وتابعت أن «الجزائر ومصر وتونس لها مصلحة مشتركة في تحقيق الاستقرار في ليبيا. لكن يبدو أن جهود الوساطة المصرية المنفردة لم تنجح، وكذلك اكتفاء الجزائر بدعم وساطة الأمم المتحدة».

ولفتت الكاتبة إلى أن «الجزائر في موقف مناسب جدًّا لجمع الأطراف المتنافسة حول مائدة المفاوضات، وذلك لأنها لم تتدخل مباشرة في الصراع الليبي، وحافظت على موقف محايد، ولها علاقات مع أطراف النزاع المختلفة».

وترى تايلور أن الجزائر تملك علاقات وتاريخًا قويًّا مع روسيا، ويمكنها استغلال ذلك والضغط عليها كي تلعب دور بنَّـاء في الصراع داخل ليبيا.

ويمكن للجزائر أن تستغل علاقاتها بالمجموعات القبلية في ليبيا، وروابطها السياسية والاقتصادية مع الغرب كي تعزز موقفها في المفاوضات.

وقالت الكاتبة: «جهود تونسية - مصرية - جزائرية مشتركة يمكنها الاستفادة من العلاقات مع روسيا ودول الخليج، والدول الغربية، وكذلك اللاعبيين القبليين و(الإسلاميين) وغيرهم داخل ليبيا».

ورأت الكاتبة أنَّ دور الجزائر في الملف الليبي مازال موجودًا وبقوة رغم ماتعانيه من تحديات سياسية واقتصادية، إذ تملك الفرصة لإعادة تأكيد دورها كوسيط مهم في الإقليم أمام جهود التفاوض المتعثرة، وزيادة تواجدها وتركيزها الدبلوماسي لحل الأزمة الليبية.

تراجع النفوذ الجزائري

لكن المقال تطرَّق إلى أسباب تراجع النفوذ الجزائري في ليبيا، وقال: «إن القوة السياسية والاقتصادية للجزائر، التي برزت في وقت سابق، لم تعد قائمة على أرض صلبة».

ولفت إلى أن الجزائر تواجه عدة أزمات داخلية تحد من قدرتها على الانخراط بفاعلية في ليبيا، متحدثًا عن موقف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ووضعه الصحي، وقال: «إن بوتفليقة يتمتع بسلطة ظاهرية فقط. وهناك تساؤلات حول قدرته على التواصل مع الآخرين واتخاذ قرارات حاسمة في وضعه الصحي الراهن. وهناك تساؤلات عمن يملك السلطة التنفيذية الحقيقية في الجزائر، وهل خروج بوتفليقة من المشهد سيعقبه استقرار بالبلاد».

وتحدث المقال عن «هيبة دبلوماسية تمتعت بها الجزائر سابقًا، إذ لعبت دورًا رئيسيًّا في أزمات دولية وإقليمية، ولها دورٌ بارزٌ في الاتحاد الأفريقي، وتعد الجزائر شريكًا حيويًّا للولايات المتحدة والمجتمع الدولي لمحكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط ومنطقة جنوب الصحراء الأفريقية، وذلك بفضل جيشها القوي، المجهَّز تجهيزًا جيدًا».

وأشار إلى تحديات سياسية تفاقم المخاوف حول تأثير الوضع في ليبيا على استقرار الجزائر، إضافة إلى تأثر الاقتصاد الجزائري بانخفاض أسعار النفط، وانخفاض العائدات الحكومية، وتراجعت معه قدرة الحكومة على تلبية مطالب التظاهرات الشعبية للمدرسين والشرطة وغيرهما من القطاعات الحكومية.

وقالت الكاتبة: «تلك الأزمات الداخلية تهدد شرعية الحكومة الجزائرية، أمام الشعب الجزائري وأمام المجتمع الدولي والمنافسين الإقليميين مثل مصر».

وتابعت بالقول: «ضعف موقف الجزائر جعلها غير قادرة على موازنة دور مصر في ليبيا»، وقال: «إن الجزائر ظلت ملتزمة بدور الوساطة منذ 2011، وأعلنت دعمها مفاوضات الأمم المتحدة في ليبيا بدلاً عن لعب دور أكثر مباشرة، وقيادة مفاوضات منفصلة».