جريدة «الوسط»: الجنوب الليبي تحت طائلة الغزو

ماذا يجري في جنوب ليبيا؟ سؤال يتكرر كثيرًا هذه الأيام بينما الاشتباكات مندلعة حول مطار سبها، والقذائف تسقط على قلعة سبها التاريخية، ومعلومات عن رفع علم دولة أجنبية فوق بعض مرافق المدينة، في حين تتحدث وسائل إعلام محلية ودولية أن اشتباكات قبليّة هناك، وهو ما يعكس نصف الحقيقة.

«الوسط» اتصلت بعددٍ من أبناء الجنوب المطلعين على الأحداث عن قرب، ووصلت إلى نتائج تدعو إلى القلق بل الفزع، فالجنوب وفق هؤلاء يتعرض لمؤامرة إقليمية تسهم فيها قوى دولية، تنوي نقل مجموعة من القبائل الأفريقية من مالي والنيجر وتشاد لتوطينهم في الجنوب الليبي، لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، ولنقل صراع هذه القبائل مع الحكومات المركزية بعيدًا عن البلدان التي نشأت فيها، وساعد في ذلك الصراع بين القبائل العربية في الجنوب وفي مقدمتها قبيلتا القذاذفة وأولاد سليمان الحليفان التاريخيان اللذان كما عرف عنهما طويلًا.

تقول شهادات من تواصلت معهم «الوسط» إنّه وخلال حكم القذافي سيطرت قبيلة معينة على الجنوب عسكريًا واقتصاديًا، ولكن لقلة عددها اضطرت للاستعانة ببقية القبائل، في مواجهة القبيلة المتخاصمة معها، وبعد أحداث 11 فبراير 2011 حاولت الأخيرة استرجاع نفوذها، استنادًا إلى مبررات تاريخية، وزادت الأحداث التي واكبت ثورة فبراير من شقة الخلاف بين الطرفين بسبب اختلاف موقفيهما منها، ويبدو أنّ القوى الإقليمية والدولية وخاصة تلك التي تعتبر الجنوب الليبي منطقة نفوذها سابقًا، استغلت هذا الصراع وشجعت القبائل المشاغبةفي مالي والنيجر وتشاد للقدوم إلى الجنوب الليبي، وفرض وجودها بالقوة ليمارسوا الخطف مقابل دفع الفدية، وتخصصوا في تهريب الوقود وغيره من السلع.

وساهمت مرحلة ما بعد حكم محكمة العدل الدوليّة بتبعية إقليم (أوزو) لتشاد، في اختلال التوازن العرقي لصالح قبائل محددة لها امتداداتها في تشاد والنيجر ومالي

وساهمت مرحلة ما بعد حكم محكمة العدل الدوليّة بتبعية إقليم (أوزو) لتشاد، في اختلال التوازن العرقي لصالح قبائل محددة لها امتداداتها في تشاد والنيجر ومالي، كما ساهم انتشار السلاح وغياب مؤسسات الدولة بعد فبراير 2011 ، تمكنت تلك القبائل من إحكام سيطرتها على بعض بلدات المنطقة، ما شجعها وفق تلك الشهادات على محاولة السيطرة على عاصمة الجنوب مدينة سبها، مثلما استهدفت من قبلها مدينة أوباري، هذه الصراعات القبليّة المحلّية هي التي فتحت الباب على مصراعيه لدخول قوى أجنبية ميدان الصراع، بحكم الامتدادات العرقيّة للقبائل المتصارعة.

للاطلاع على العدد 119 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ووفق المتابعين لشؤون المنطقة، فإن من بين تلك القوى حركات مسلحة معارضة للنظام التشادي والنيجري، وأخرى من مالي، مثل الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة في تشاد،«MDJT 2»، والقوات الثورية المسلحة من أجل الصحراء «FARS» المعارضة للنظام النيجري، وجبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد، والمجلس العسكري لانقاذ الجمهورية « CCMSR » التشادية المعارضة، وتجمع القوى من أجل التغيير في تشاد « RFC » و حركة العدل والمساواة السودانية وهي من أكثر الحركات التي تردد اسمها في عديد الأحداث المسلحة التي شهدتها مناطق الجنوب، وتردد اسمها في تقارير خبراء الأمم المتحدة كحركة مسلحة استخدم بعض أطراف الصراع في ليبيا عناصرها كمرتزقة قاتلوا إلى جانبها، وأمام حالة الفراغ التي تعيشها المنطقة في غياب شبه تام لوجود قوة فاعلة تمثّل الدولة، فإن الوضع مرشحٌ للتفاقم، وباتجاه مسار مخيف، قد يؤدي إلى انهيار التوازن العرقي والقبلي في الجنوب لصالح طرف معيّن، ما يؤدي بدوره إلى تغيّر ديمغرافي خطير يهدد وحدة ليبيا، وهو ما أراد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الإشارة إليه في بيان بالخصوص، بتشديده على أنّ«المجلس الرئاسي والليبيين جميعًا لن يتخلو أبدًا عن واجبهم في الدفاع عن الجنوب وستحبط كل المحاولات التي تستهدف إيجاد واقع ديمغرافي جديد في جنوبنا الحبيب». وفيما أكد البيان أن «إجراءات اتخذت لدعم هذه الوحدات والرد على الهجمات المتكررة التي يقوم بها مجموعة من المرتزقة».

ما يجري في مدينة سبها وما يهدد بانفجار مسلّح أكبر، لا يمكن حصره فيما يسمى بـ«الصراع القبلي» بين قبيلتين أو أكثر

إلا أنّه من غير الواضح ماهيّة تلك الاجراءات، وما هي القوة التي يملكها المجلس لتحقيق ذلك، وفي السيّاق نفسه فإن الأسئلة تدور أيضا حول دور الجيش التابع للقيادة العامة، الذي سبق أن كلف المشير خليفة حفتر قادة بعض ألويته في الجنوب، وما إذا كان في مقدوره مواجهة القوى الخارجيّة المتورطة فيما يمكن تسميته بوقائع«غزو» ، إلى ذلك تطال الأسئلة أيضاً موقف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ورئيسها غسان سلامة إزاء ما يحدث، باعتباره -على الأقل- يقوّض جهود حل الأزمة الليبية ويزيد من تعقيدها، وليس بعيدًا عن ذلك صمت البلدان الكبرى المؤثرة في الشأن الليبي، خاصة إن إحداها وهي فرنسا، تلحقها من قبل كثير من الليبيين شبهة علاقة مع ما يتعرض له الجنوب الليبي، وهي التي كانت تعتبره في مرحلة ما منطقة لنفوذها، زد على ذلك تواجدها العسكري قريبًا من المنطقة عبر قواعدها العسكريّة الموجودة في كل من النيجر وتشاد مع وجود عسكري لها فاعل في مالي.

والخلاصة، في رصد أحداث الجنوب التي تصاعدت وتيرتها مؤخرا، هي أن ما يجري في مدينة سبها وما يهدد بانفجار مسلّح أكبر، لا يمكن حصره فيما يسمى بـ«الصراع القبلي» بين قبيلتين أو أكثر، بل هو أبعد من ذلك بتمدداته الإقليمية ليصل إلى ما يمكن اعتباره غزواً  للأراضي الليبية، يهدد وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي.

للاطلاع على العدد 119 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط