السفيرة الأميركية ديبورا: هل يمكن تحقيق مبدأ «وستفاليا» في ليبيا؟

 

قالت سفيرة أميركا السابقة لدى ليبيا، ديبورا جونز، إنه بعد سبع سنوات من الثورة الليبية ضد حكم معمر القذافي فإن ليبيا تظل «أحجية»، مضيفة أن الوضع في البلد يطرح سؤالاً ملحًا بشأن ما إذا كان بالإمكان تحقيق مبدأ «سيادة وستفاليا»، الذي يشترط احتكار استخدام القوة الجبرية لفرض سيادة الدولة.
 
ومبدأ «سيادة وستفاليا» هو مبدأ بالقانون الدولي ينص على أن «لكل دولة سيادة على أراضيها وشؤونها الداخلية، ويتم استبعاد جميع القوى الخارجية، والتدخلات في الشؤون الداخلية لدولة أخرى». 
 
وذكرت جونز، في تحليل نشره «نادي فالداي للنقاش» وهو مؤسسة بحثية روسية، أنه «إذا كان ذلك ممكنًا، فكيف سيكون بمقدور ليبيا حديثة إنشاء البنية التحتية والإطار التكنوقراطي اللازمين لدعم وتحقيق دولة فاعلة قادرة على أداء ما تفعله البلدان الناجحة؟»
 
ما الخيارات الأخرى؟
 
وأشارت السفيرة السابقة إلى أن كلاً من القذافي والملك إدريس السنوسي رفضا تطوير بيروقراطية مكتفية ذاتيًّا ومستقلة، تعتمد على موظفين مدنيين مثقفين سياسيًّا.
 
وتساءلت جونز: «كيف ستؤسس ليبيا دروع الحماية للدولة لتشمل الأمن وسيادة القانون وإطارًا تنظيميًّا يوفر لمواطنيها وصولاً آمنًا وعادلاً إلى الثروة القومية للبلد، ويحميها ضد الفساد ويخلق الروابط المؤسسية الضرورية للمشاركة الفعالة مع النظراء الإقليميين والدوليين».
 
وقالت: «إذا كان مبدأ ويستفاليا غير قابل للتطبيق، فما الخيارات المتاحة لليبيين وأولئك المتأثرين من الاضطراب السياسي وتنافس الأجهزة الأمنية والجريمة الناتجة عن ذلك، وغياب السيطرة على الحدود واستغلال الفراغ في ليبيا غير الخاضع للرقابة للإعداد وشن أعمال إرهابية ضد جيرانها ودول أخرى؟».
 
كما طرحت السفيرة السابقة تساؤلاً بشأن قدرة «الأطراف الإقليمية والمجتمع الدولي ككل على احتواء الأزمة في ليبيا ذات الموقع الاستراتيجي، التي تعد ثورتها الهيدروكربونية مهمة بالنسبة لاقتصاد شعبها وغيره، التي يعد موقعها تهديدًا وفرصة على حد سواء»، وقالت: «إذ كان ذلك ممكنًا فأين يقع النموذج الناجح من أجل مثل ذلك الاحتواء؟».
 
وتابعت تساؤلاتها قائلة: «هل أفضل ما قد نأمله هو نهج يتجاهل تطلعات المواطنين الليبيين، بينما يفرض لاعبون خارجيون دوائر النفوذ على سلطة اتحادية غير وثيقة الترابط، تنسق للفصل بين أفعالها بينما تسعى إلى تحقيق مصالح متفاوتة مثل تأمين مصادر الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي الهدام؟ وإلى أي نهاية قد يؤدي هذا النهج؟ وإلى متى يجري تطبيقه؟».
 
وقالت إن الحقيقة هي أنه لا توجد دولة خارجية قادرة على تحمل تكلفة مفتوحة من «الدم والثروات» من أجل الأمن والطاقة الإقليميين، مضيفة: «تاريخيًّا لم يتمكن أي كيان سواء كان الدولة العثمانية أو نظام موسيليني الفاشي من تكبد الموارد والإدارة السياسية اللازمين لاحتلال ليبيا من داخلها أو توجيهها من الخارج».
 
واعتبرت أن «المصالحة السياسية والعملية المضنية لإنشاء دولة من لا دولة وحدهما فقط سيلبيان احتياجات الليبيين الملحة وكذلك لجيرانها»، إلا أنها قالت إنه ربما ينبغي إعادة النظر في بعض المصطلحات والتعاريف المتعلقة بطبيعة تلك الدولة، ومسألة السيادة، وتنقيحها في ضوء الحقائق الراهنة.
 
أسس الدولة الناجحة
 
وقالت جونز إن الدول الناجحة في العصر الراهن تمارس سيادتها على مواطنيها وأراضيها عبر تأسيس جيوش وطنية، قائمة على أسس التجنيد الإلزامي العالمي، ونظم بيروقراطية مقبولة على نطاق واسع للتوزيع العادل، خاصة الثروة القومية، إلا أن ذلك النجاح يقاس بالمزايا التجارية، والضرائب، أو نموذج الرعاية الاجتماعية.
 
وأضافت أن احتكار الدولة استخدام القوة القهرية الشرعية أجبر على الالتزام بأطر توافقية أو مفروضة للتفاعلات المدنية والنظام الاجتماعي والتجارة، مشيرة إلى أن أيًّا من ذلك يوجد في ليبيا حاليًّا أو كان موجودًا في أي وقت مضى.
 
وأشارت إلى أنها عندما وصلت طرابلس في يونيو 2013 «كانت ثورة فبراير 2011 استهلكت كثيرًا من الزخم، كما أن الهجوم المروع على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي تسبب في درجة من الرزانة في فترة النشوة التي أعقبت إطاحة القذافي».
 
وتابعت أنه آنذاك كان مبدأ القوة القهرية مفككًا في الدول العربية بما في ذلك مصر واليمن وليبيا بفعل دخول الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي على تلك المجتمعات، إذ أصبح عامل التسارع في أيدي الجماهير، ما أدى إلى ظهور قوة ساحقة.
 
لماذا فشل زيدان؟
 
وأضافت أن نهج «استعادة» الدولة الليبية ظل ثابتًا إذ كان يعتمد على مبدأ «السعي لتعزيز حكومة علي زيدان حديثة العهد عن طريق تطوير قوة متعددة الأغراض بإمكانها التفوق على الميليشيات والتأسيس لسيادة القانون».
 
وأوضحت أن حكومة زيدان أخفقت في تحقيق منافع اقتصادية، وكانت تُعتبر فاسدة إلى حد كبير، كما أنها عارضت إنشاء أي جيش وطني وأحبطت محاولة تشكيله في أعقاب محاولة إبراهيم الجضران وحرس المنشآت النفطية التابع له في مارس 2014 للاستيلاء على سفينة محملة بالنفط المملوك للدولة، وقالت جونز إن ذلك كشف انقسامات عميقة داخل ليبيا -أو ما اعتبرته بأنه «ثورة غير مكتملة»- فضلاً عن تدخلات الأطراف الخارجية في ليبيا.
 
ولفتت إلى أن الولايات المتحدة الأميركية طالبت المؤسسة الوطنية للنفط بإطلاع الليبين بانتظام على عمليات الاستكشاف والإنتاج، إلا أن ذلك الطلب رُفض، في حين اعترف رئيس مجلس إدارة المنظمة الحالي التكنوقراط مصطفى صنع الله بالحاجة إلى تطوير نهج يتسم بالشفافية بشأن عملية الإنتاج والتوزيع العادل لثروة ليبيا النفطية، مع عمله على مواصلة الإنتاج بغض النظر عن كل الصعوبات الناجمة عن الانقسام السياسي والفوضى.
 
وقالت: «إن مثل تلك الشفافية مطلوبة من البنك المركزي، إذ تمثل تلك المؤسستان المهمتان محور أي تجديد ليبي ناجح، ويجب أن تظلا جهازتين موحدتين وحياديتين لأي حكومة ليبية ذات سلطة معترف بها داخليًّا ودوليًّا».
 
أهمية ليبيا
 
قالت السفيرة السابقة ديبورا إنَّ ليبيا مهمة للغاية للدول الأخرى نظرًا لموقعها الجغرافي ومصادر الطاقة بها، بحيث لا يمكنهم تجاهلها، مضيفة أنَّه في ظل غياب حكومة، تسعى القوى الخارجية إلى إقامة أقاليم نفوذ لتحقيق مآربها، سواء كانت بالاستفادة من مصادر الطاقة الليبية، أو معالجة أزمة الهجرة غير الشرعية أو الإرهاب العابر للحدود والمخاوف الأمنية، أو النفور من تصاعد «الإسلام السياسي» الذي يعتقد بأنه مرتبط بسقوط النظم السياسية في البلدان المجاورة والإقليمية. 
 
إلا أنها أضافت: «الحقيقة هي أن اللاعبين الخارجيين سيقدمون على التحرك عندما يلائم ذلك أغراضهم، لكنهم غير مستعدين لإهدار الدماء والثروات لفرض نظام موقت في البلد مع غياب أجهزة الإدارة في ليبيا»، مشيرة إلى أن القذافي نفسه لم يستطع جعل حدود ليبيا آمنة خلال حكمه وسط نظام يوصف بأنه قائم على الرشاوى وتعمد إغفال نشاط التهريب. 
 
واعتبرت السفيرة السابقة أن مثل ذلك النمط من «التساهل» غير مقبول في البيئة الأمنية الحديثة، مشددة على أنه يتحتم على الحكومة الليبية تعلم التفاوض مع الشركاء الدوليين الذين يشاركونها الأهداف الأمنية ذاتها.
 
«نموذج ليبي»
 
ورأت جونز أن التحدي، الذي واجهته البعثات الأممية المتعاقبة في ليبيا والوسطاء الدبلوماسيون والسفراء والمبعثون وآخرون، هو اكتشاف ما يريده الليبيون حقًّا في الحكومة، مشيرة إلى أنه في أعقاب الثورة انخرط كثيرون في مشاورات مثابرة وصادقة مع نطاق كبير من المحاورين من كل أرجاء الطيف السياسي والثقافي والمدني بهدف استخلاص العناصر الأساسية لوحدة سياسية ليبية ناجحة. 
 
وقالت إن مثل تلك المهمة ليست بالسهلة في مجتمع كان حكامه يتعمدون تنمية أميته السياسية، موضحة أن الحوار السياسي الذي بدأ في أواخر العام 2013 خَلص إلى أن الليبيين يرغبون في حكومة «ليست مركزية بصورة كبيرة ورئاسية نوعًا ما في تشكيلها»، كما أنهم وافقوا على أن الشريعة «كانت مقبولة كأساس للدستور». 
 
وأشارت إلى أنه عقب ذلك قاد برناردينو ليون الحوار السياسي الذي أفضى إلى توقيع اتفاق الصخيرات التاريخي في 2015، الذي نتج عنه تشكيل حكومة الوفاق الوطني، ثم دفع خليفته مارتن كوبلر الليبيين إلى صياغة الدستور، وواصل غسان سلامة خليفة كوبلر عملية تنقيح الفكر الليبي بشأن ھیكل وسلطات ومخصصات السلطة داخل الحکومة. 
 
واعتبرت أن مثل ذلك النهج في العملية السياسية لن يؤدي إلى حلول مستدامة، إلا أنها قالت إن العملية السياسية تزداد أهمية، وكذلك نضوج المشاركين فيها مع مرور الوقت، مضيفة أن «هذه عملية بناء دولة في مستواها الأولي». 
 
وذكرت أنه اتضح الآن أن أولئك الساعين إلى السيطرة باستخدام الأنماط التقليدية للقوة لن يكون بإمكانهم النجاح في خلق احتكار للقوة القهرية إلا عن طريق الشرعية وسيحتاجون الدعم الذي سيوفره لهم حماية ونفوذ حكومة ذات سلطة، والشركاء الدوليون الداعمون لتلك الحكومة». 
 
الفيدرالية لعنة 
 
وقالت جونز: «إن الفيدرالية هي بمثابة اللعنة في ليبيا»، إلا أنه يتضح أنَّ الحوكمة المحلية المفوضة تزداد أهميتها، مضيفة أن الليبيين عليهم السعي لتكييف الشروط مع حاجاتهم لا أن يتقيدوا بمصطلحات عتيقة. 
 
وأوضحت أن التجربة أظهرت أن الشؤون الداخلية تدار بشكل جيد إلى حد ما على مستوى البلديات في كثير من المناطق في ليبيا، مطالبة أي حكومة بالسعي إلى تعزيز دور تلك البلديات عن طريق منحها التمويل بطريقة تتسم بالشفافية والمساواة وتنظمها قواعد وإجراءات موحدة تُحد من الفساد والمحسوبية.
 
واعتبرت أنه ستكون هناك حاجة إلى تكنوقراط مخضرمين، إذ أنَّه يجب الترحيب بجميع الليبيين ممن لم يدانوا بارتكاب جرائم.