ما بين النظارة والوزارة.. جوانب من نهضة المرأة الليبية في فترة الاستقلال

عندما تتقدم بك السنوات لا تبقي إلا الذكريات، خاصة العطرة منها، تؤنسك وتمنحك الرضا وتشعر معها أنك قدمت شيئاً جميلاً تعتز به.

في العام 1963، اتحدت الولايات الثلاث، (طرابلس وبرقة وفـزان)، وتغيـر النظام الإداري من «نظارات» إلى «وزارات»، حينها تم استئجار عمارة سكنية في زاوية الدهماني، لتكون مقراً لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، التي ضمت من بين إداراتها إدارة جديدة تحت مسمى «الشباب والرياضة». نقلتُ آنذاك من موظفة بإدارة الشؤون الاجتماعية التابعة لنظارة الشؤون الاجتماعية بولاية طرابلس إلى رئيسة قسم «الأسرة والطفولة» بإدارة الشؤون الاجتماعية التابعة للوزارة، الذي اُستحدث حينها دون تحديد اختصاصاته بعد. وهكذا توليت الإشراف على كلٍ من دار رعاية البنات والحضانة في منطقة أبو هريدة وأحياناً أقوم بالإشراف على دار المسنين ودار رعاية البنين. وبعد أن كانت الحضانة أيام نظارة الشؤون الاجتماعية عبارة عن حجرة في مبنى دار رعاية البنات، بها نحو 15 طفلاً، تم تشييد مبنى خاص ملاصق من دورين ليستوعب 250 طفلاً، من أنحاء البلاد، وتم افتتاحه من الملكة فاطمة رحمها الله وبحضور زوجات السلك الدبلوماسي.

تولت السيدة حويوة بن غارات إدارة دار الحضانة، كما تولت السيدة نديمة بن ظافر إدارة دار رعاية البنات.

وفي العام 1965، قامت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتشكيل لجنة المرأة للنظر في شؤون المرأة والسعي للنهوض بمكانتها، وتشكلت هذه اللجنة من السيدات: خديجة الجهمي وأمل شنيب وخدوجة الشلي وفتحية مازق وسهير الغرياني.

التعاون النسائي
في تلك الفترة قمت بزيارة صديقة عزيزة، هي السيدة ربيعة أبوخريص بمقر عملها المجاور لعملي بمنطقة زاوية الدهماني، وكانت مديرة مدرسة زاوىة الدهماني الابتدائية للبنات، بينما كنت أتولى قسم الأسرة والطفولة بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حيث كنت آنذاك العنصر النسائي الوحيد في الوزارة.

تحدثنا بما أثلج صدورنا وجعلنا نشعر بالاعتزاز، حيث قالت لي السيدة ربيعة أبوخريص، إن نسبة المعلمات الليبيات بالمرحلة الابتدائية عالية جداً، ولكنها ذكرت بحزن أن هذه الفرحة مهددة بالانحسار بعد أن أصبحت المعلمة مرهقة وغير قادرة على الجمع بين العمل ورعاية الأبناء، وأن الأم العاملة وإن كانت قادرة على تربية الطفلين الأول والثانى بمساعدة أمها، أو أم زوجها، إلا أنه عند الطفل الثالث يصبح الأمر جد صعبًا عليها، خاصة أنها لا تجد من يمد لها يد العون لمساعدتها، مما جعل كثيراً من المدرسات يشتكين وتلوْح للأسف أمامهن فكرة العودة إلى البيت والتفرغ لرعاية الأبناء.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كانت رياض الأطفال التابعة لوزارة التعليم تقبل الأطفال من 4 إلى 6 سنوات وليس دون ذلك.

عندها اقترحتُ عليها فكرة حل لهذه المشكلة، وهي تخصيص حجرة بالمدرسة والاستعانة بحاضنة مقابل مرتب شهري تتعاون فيه المدرسات المستفيدات. فرحت السيدة ربيعة بالفكرة التي اقتنعت بها وتحمست لها، ولكنها ذكرت لي أنه لا يمكنها التنفيذ إلا بعد موافقة السيدة مديرة قسم التفتيش بوزارة التربية والتعليم.

وفي اليوم التالي كنت في مكتب مديرة قسم التفتيش بوزارة التربية والتعليم السيدة عايدة طالب، وعرضت عليها المشكلة والمقترح لحلها، التي أكدت على وجودها بالفعل، إذ أصبحت رعاية الأبناء تشغل الكثير من المدرسات وأبدت تجاوباً مع المقترح الذي قدمته على الفور، وذكرت أنه وبالرغم من اقتناعها بالفكرة إلا أنها لابد أن تقابل السيد مديرالتعليم للمشاورة وأخذ الموافقة واتفقنا على لقاءٍ آخر في غضون يومين.

بالفعل اجتمعنا في مكتبها بعد يومين، ولكنها ذكرت وبكل أسف أن السيد مدير التعليم رفض المقترح وقال بالحرف الواحد إنه لايمكن الاستغناء عن حجرة في المدرسة، وإنه على المعلمة التي لا تستطيع التوفيق بين العمل ورعاية الأبناء أنْ «تقعد في حوشها».

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كانت وجهة نظر سلبية سترجع بالمرأة إلى الوراء، وهو الرد الذي استقر في ذاكرتي وكان متناقضاً مع ما كانت تشهده المرأة الليبية من نهضة في فترة الاستقلال، حيث تم افتتاح الكليات المختلفة، التي أُحضر لها أساتذة متخصصون ومرموقون من الخارج، وتلقت الطالبة الجامعية، كما الطالب، مبلغ 35 جنيهاً شهرياً، كما خصصت حافلة لنقل الطالبات من وإلى الجامعة، وشهدت تلك الفترة إيفاد عديد الطالبات الليبيات إلى البلدان العربية والأوروبية للدراسة الجامعية، إضافة إلى انخراط المرأة الليبية في العمل في مجالات عدة والمشاركة في المؤتمرات الخارجية ممثلة لبلادها.

فعلى سبيل المثال ترأستُ وفد ليبيا العام 1963 في مؤتمر الأسرة والطفولة بالجامعة العربية رفقة الزميلة سالمة الحوات. حين كان الرجل يقدر عمل المرأة ويشجعها ويعتز بالمرأة المتعلمة العاملة أختاً أو زوجة أو ابنة ويفخر بها.. ولمواجهة مشكلة المرأة العاملة أدركنا أنه لا يمكن للمرأة أن تتقدم وتحل مشاكلها إلا إذا اعتمدت على جهودها طبقاً للمثل القائل «ماحك جلدك مثل ظفرك فتولَ أنت جميع أمرك».
الدعوة إلى ندوة نسائية لمناسبة افتتاح مراكز الأسرة والطفولة بإحدى قاعات معرض طرابلس الدولي

في العام 1965، كانت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بصدد إنشاء مشروع مراكز الأسرة والطفولة برعاية الأمم المتحدة، وبصفتي رئيسة قسم الأسرة والطفولة كنت معنية بهذا المشروع. وفي هذا الإطار أعددت ندوة تحت عنوان «دور المرأة في تقدم المجتمع والنهوض به بين الأمم»، بمعرض طرابلس الدولي، ودعوت إليها سيدات عاملات من كل القطاعات.

تحدثت في هذه الندوة كل من السيدة خديجة الجهمي رحمها الله عن مجال الإعلام، والسيدة عايدة طالب عن مجال التعليم، وسيدة لا أتذكراسمها عن مجال التمريض، وتحدثت أنا عن مشروع مراكز الأسرة والطفولة.

تحدثت السيدة خديجة الجهمي، رحمها الله، عن مسيرتها الذاتية في مجال الإعلام، التي بدأت عند مصاحبة والدها إلى جمهورية مصر العربية والوقوف على نهضة المرأة في هذا المجال، وعن بداية عملها كمذيعة بالإذاعة المسموعة ومقدمة برامج مميزه يتابعها الجميع، بالإضافة إلى برنامج لحل مشاكل المستمعين، كذلك العمل في مجال الصحافة وتفوقها حتى تولت رئاسة تحرير مجلة «المرأة».

تحدثت السيدة عايدة طالب عن بداية مسيرتها التعليمية والتحاق كوكبة من الفتيات بمعهد المعلمات، وكيف أنها رغم صغر سنها، التي لم تتجاوز السادسة عشرة، كانت طالبة بالمعهد في الفترة الصباحية ومدرسة لتلاميذ الصفين الأول والثاني في الفترة المسائية لعدم توفر المدرسات، وكيف ثابرت واجتهدت حتى أصبحت مديرة التفتيش الفني بوزارة التربية والتعليم.

تحدثت السيدة التي لا أتذكر اسمها، للأسف،عن عملها في مجال التمريض، كيف بدأت طالبة بمعهد التمريض ثم تفوقت والتحقت هي وزميلة لها بدورات دراسية وتدريبية بكل من السودان وبريطانيا حتى عملت مدرسة بمعهد التمريض.

وبدوري تحدثت عن مركز رعاية الأسرة والطفولة الذي أُنشئ بناءً على اتفاقية مشتركة بين الحكومة الليبية وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، وصندوق الطفولة بالأمم المتحدة في 1- 2- 1964. كنت قد قمت، صحبة السيدة إقبال شلبي خبيرة الأمم المتحدة والمشرفة على المشروع، بزيارة لعدة أحياء سكانية بطرابلس، وقع اختيار خبيرة الأمم المتحدة على منطقة تعرف بـ«باب عكارة»، وهو حي سكني يضم مساكن شعبية ومجموعة كبيرة من الأكواخ تبلغ المئات، ومدرسة ابتدائية تديرها السيدة سلوى كريم رحمها الله، ومركزاً للأمومة والطفولة تابعاً لوزارة الصحة، ويعتبر من أفقر الأحياء بمدينة طرابلس، وذكرت أنها اختارتها لأنها أكثر حاجة للخدمات، وبالفعل تم تشييد مركز رعاية الأسرة بوسط المساكن الشعبية بالحي وفقاً لخريطة من إعداد الأمم المتحدة في أشهر قليلة وتم افتتاحه العام 1965، كما قامت إدارة الأسرة والطفولة التابعة للأمم المتحدة بإعداد اللائحة الداخلية لهذه المراكز.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

قام المركز بتقديم الرعاية والتوعية والتدريب المهني للأمهات ورعاية الأطفال وتقديم الرعاية الصحية وتقديم وجبتي فطور وغداء وألعاب داخلية وخارجية وأنشطة تربوية وتعليمية، كذلك تدريب العاملات بالمركز وتطوير مهاراتهن.
كانت العاملات في المركز ليبيات، وكن جديرات ومتفانيات في عملهن، مواظبات على الحضور من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثالثة ظهراً عند تسليم آخر طفل لذويه، ويشترط للتسليم إبراز بطاقة تثبت ذلك. وكانت للمركز وسيلة مواصلات لنقل العاملات من بيوتهن إلى المركز، التي تبدأ قبل الساعة السابعة وحتى الخامسة مساءً.

أتمنى في مقال قادم أن أسلط الضوء على تلك المراكز التي أضاءت منطقة باب عكارة (الأكواخ لاحقاً)، ومنطقة المدينة القديمة الذي أدارته بجدارة السيدة نعيمة عبد العال من خريجات الدفعة الأولى لمعهد الخدمة الاجتماعية، والمركز الذي أُسس في مدينة بنغازي وأدارته السيدة بن عامر.كان الهدف من الندوة تسليط الضوء على مراكز رعاية الأسرة والطفولة وأهميتها في توعية وتطوير المرأة والنهوض بها والتي كنت أتمنى أن تنتشر مثل مراكز الأمومة والطفولة التابعة لوزارة الصحة التي انتشرت في طول البلاد وعرضها.

جمعية المرأة العاملة العام 1968
عرفت تلك الفترة نشاطاً أهلياً ملحوظاً بما فيه الجمعيات التي تعنى بشؤون المرأة مثل جمعية «النهضة النسائية في بنغازي» برئاسة السيدة حميدة العنيزي رحمها الله، وجمعية «النهضة النسائية في طرابلس» ورأستها السيدة صالحة ظافر رحمها الله ثم السيدة الفاضلة خدوجة الشلي.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ظل موضوع مساعدة المرأة العاملة التي كانت تتقدم في مجالات العمل يشغلني، وجدت مصادفة بين الكتب والمجلدات التي تزخر بها مكتبة زوجي الأستاذ كامل المقهور رحمه الله، كتيبًا صغيرًا خاصًا بالجمعيات الأهلية والأندية واللائحة التأسيسية لإنشائها، باطلاعي عليه، تبين لي أن الأمر بسيطٌ للغاية، وأن كل ما يتطلبه هو تقديم طلب لوزارة الشؤون الاجتماعية يتضمن ما يلي:
1 - اسم الجمعية ومقرها.
2 - تحديد أهداف الجمعية ونشاطها.
3 - مصادر التمويل.
4 - توقيع عدد -لا أتذكره–من الأعضاء.

تحمست لفكرة تأسيس جمعية نسائية للمرأة العاملة وعرضت الفكرة على السيدة خديجة الجهمي التي باركت الفكرة وروجت لها إعلامياً.
وبالفعل قمت بكتابة مذكرة بالنظام الأساسي وضحت فيها البيانات المطلوبة لتأسيس جمعية نسائية تهتم بشؤون المرأة العاملة مقرها طرابلس، وأهدافها مساعدة المرأة ورعاية أبنائها من عمر شهر إلى ست سنوات، وأن تكون مصادر التمويل بالاشتراكات عن الأطفال وهو خمسة جنيهات شهرياً عن الطفل، وفي حالة أكثر من طفل للأسرة أربعة جنيهات عن كل طفل مراعاة لميزانية الأسرة.

كان لدي قائمة بأسماء سيدات عاملات في مجالات متعددة في الدولة كالإرشاد الزراعي والصحافة والإعلام والإذاعة والتمريض والتعليم وشركات النفط والمصارف... إلخ، حيث سبق دعوتهن في مناسبات عديدة تهم الوزارة، قمت بدعوتهن لاجتماع بخصوص تأسيس الجمعية بمركز الأسرة بمنطقة باب عكارة، وكان الحضور أكثر من المتوقع، حيث اكتظت القاعة بالحضور وقمن بالتوقيع على النظام الأساسي للجمعية واختيار مجلس إدارة الجمعية وكان على النحو التالي: السيدة سهير الغرياني رئيسة الجمعية، والسيدة مريم الكانوني نائبة الرئيسة، والسيدة زهرة الجزيري أمينة الصندوق، وأمينة سر (لا أتذكر اسمها). تقدمنا بالنظام الأساسي وقرار تشكيل مجلس الإدارة إلى السيد محمد المريمي رحمه الله، وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية؛ لتسجيلها وإشهارها وهو ما كان وهكذا تم إشهار الجمعية ووُلدت بيسر ومحبة وسميت «جمعية المرأة العاملة». قمت رفقة السيدة مريم الكانوني في ذلك الوقت بالبحث عن مقر مناسب للجمعية، واستغرق ذلك بعض الوقت حتى وجدنا مكاناً مناسباً محاطاً بعدة مدارس وهو عبارة عن مبنى من دورين يقع في ميدان أبو هريدة مقابل صيدلية أبو هريدة بإيجارعشرين جنيهاً شهرياً.

بعد فترة قصيرة تمكنا من نقل مقر الجمعية إلى شقتين بنفس المنطقة تقريباً، بمنطقة شارع الصريم، مملوكتين للدولة بمساعدة السيد جمعة أبوحلقة مشكوراً، وكان وقتها مديراً للإسكان لتوفير الإيجار واستثماره في مشاريع أخرى تخص المرأة.

أنشطة جمعية المرأة العاملة
1 - بيت الرضيع
كان الهدف الأساسي لتأسيس الجمعية هو توفير الرعاية لأطفال السيدات العاملات منذ انتهاء إجازة الوضع، وهي شهر واحد للموظفات وأربعة أشهر للمدرسات مقابل اشتراك شهري رمزي.
بدأنا بتهيئة المكان وتأثيثه وتأمينه، حيث قمنا بتركيب حديد على النوافذ تكلف نصف الميزانية وفرش بساط بالحجرات لراحة الأطفال وثلاجة لحفظ حليب الأطفال، وتعيين الموظفات وتم الاتفاق على إطلاق اسم «بيت الرضيع» وقد اختارته السيدة نظمية عياد إحدى عضوات الجمعية.

يبدأ العمل في بيت الرضيع من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثالثة ظهراً، ولايزيد عدد الأطفال الرضع على عشرة أطفال للمشرفة.

كنت قلقة من تحمل مسؤولية رعاية طفل رضيع عمره شهر، ولكني كنت أتطلع لحل جدي لمساعدة المرأة. وبفضل الله ورغبة الأوفياء للوطن وتشجيع المرأة الليبية ومساندة المرأة العاملة والتقدم في مسيرتها وروح التعاون والعمل الجليل دون ضجيج، نجحت الفكرة ونفذت. وتجدر الإشارة إلى أن السيد وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الأستاذ محمد المريمي قام مشكوراً بالتعاون مع نظيره وكيل وزارة الصحة بمفاجأتنا بانتداب طبيبة أطفال من وزارة الصحة للحضور يومياً طوال فترة العمل هي الدكتورة ماجدة من جمهورية مصر العربية وذلك أسوة بدار الحضانة التابعة للوزارة، التي ترعى الرضع الأيتام، دون أن يمن علينا أو يتباهى بما قدم أو حتى يتصل بنا لإبلاغنا مسبقاً بالموضوع وبذلك تسنى تقديم أفضل الخدمات والرعاية للرضع.

كنا ثلاثتنا رئيسة الجمعية، ونائبة الرئيسة وأمينة الصندوق، نلتقي يومياً بمقر بيت الرضيع قبل الذهاب إلى وظائفنا نتحدث مع السيدة نعمات بحري رحمها الله، مديرة بيت الرضيع للوقوف على ما يطرأ من صعاب نتكاتف لحلها فوراً.
2 - عرض سينمائي صباحي يوم الجمعة للأطفال حتى سن الثانية عشرة

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

توليت أثناء عمل الجمعية إدارة معهد الخدمة الاجتماعية التابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية الذي شاركت في تأسيسه، كانت مادة الوسائل السمعية والبصرية مقررة على طالبات المعهد، ورغبة في إفادة الطالبات وعدم الاقتصار على الناحية النظرية وبما أن زميلتنا السيدة شكرية شكري رحمها الله مديرة مركز الأسرة والطفولة، باب عكارة، وعضو في الجمعية متزوجة من السيد محمد الفرجاني رحمه الله مدير قسم الوسائل السمعية والبصرية بوزارة التربية والتعليم، فقد تم التعاون معه على أن تتلقى طالبات المعهد دراسة هذه المادة عملياً على يد متخصصين.

وعند مرافقتي في إحدى المرات للطالبات وجدت مكتبةً عامرة بالأفلام العربية وأفلام الرسوم المتحركة. حينها، وبهدف تنمية أنشطة جمعية المرأة العاملة وتنوعها، عرضت على السيد محمد الفرجاني تقديم عروض سينمائية للأطفال بفيلم أسبوعي يوم الجمعة. رحب بالفكرة وتم الاتصال بالقائدة الكشفية السيدة نبيهة زغبية وهي من أوائل القائدات بالحركة الكشفية لاستخدام مسرح الكشاف لذلك، وقامت السيدة أمينة الصندوق بالجمعية زهرة الجزيري مع بعض العضوات بطباعة تذاكر للدخول أعتقد بقيمة قرشين أو أربعة قروش. كنا جميعاً على أبواب المسرح لاستقبال الأطفال الذين حضروا بأحسن الثياب والفرح يغمرهم، ودخلوا المسرح دون أولياء الأمور. ونظراً لنجاح هذا البرنامج ورغبةً من عضوات الجمعية في إدخال البهجة على الأطفال اقترحنا أن نضيف فقرة الاحتفال بمواليد الشهر وتوزيع الحلويات والمشروبات على الأطفال ولكن الفرحة لم تستمر حيث خشي الكشاف على مسرحه بسبب بعض فوضى الأطفال وأبلغنا بعد عدة عروض بعدم الاستمرار في التعاون معنا

3 - نشاط آخر لجمعية المرأة العاملة
استخراج البطاقات الشخصية للعاملات
صدر قانون البطاقات الشخصية الذي يفترض تردد الراغبين في استخراجها على مراكز الشرطة، وبما أن ذلك يتعارض مع التقاليد آنذاك قامت الجمعية بالاتصال بالمسؤولين في جهاز الشرطة لحضور مندوبين عنهم لمقر جمعية المرأة العاملة لتعبئة البيانات ثم احضار البطاقات الشخصية لاحقاً في ذات المقر. كل هذا بهدف تمكين المرأة العاملة من استخراج هذه البطاقات من مقر الجمعية وبهذا استطاعت المئات من العاملات الحصول على البطاقات الشخصية بيسر .

التعاون مع جمعيات أخرى
كان لدي أمل في أن تقوم جمعية المرأة العاملة بمشروع تأهيل السيدات الأرامل والمطلقات اللاتي يعشن على المساعدات النقدية التي تقدمها «جمعية البر والمساعدات» وكانت لا تتعدى 15 جنيهاً للأسرة مهما بلغ عدد أفرادها. تمنيت أن نقوم بتدريب هذه الفئات على مهن بسيطة كالخياطة والتطريز وصناعة البسط أو التريكو الآلي، بحيث تزيد من دخلها وهي في بيتها ترعى أطفالها.

شاءت الظروف أن ألتقي زميلة في الدراسة، السيدة فريدة عبد المطلب، التي حضرت إلى البلاد رفقة زوجها الطبيب.. فرحت وشعرت أن الأمل سيتحقق، اتفقت معها على أن يتم تعيينها بالجمعية مقابل مكافأة شهرية على أن تقوم بإجراء بحث ميداني بمنطقة المدينة القديمة لحصر هذه الفئات من النساء. ذهبت إلى مكتب الشيخ الفاضل عبد اللطيف الشويرف رئيس «جمعية البر والمساعدات»، وشرحت له الفكرة وبأننا سنتكفل بدفع مكافأة الاخصائية. في اليوم التالي ذهبت رفقة زميلتي السيدة فريدة وقدمتها لاستلام العمل وبالفعل تم تسليمها الكشوفات بالأسماء والعناوين وبدأت العمل.

مقابلة السيد وكيل وزارة الصناعة
قمنا بزيارة السيد وكيل الوزارة بمكتبه وشرحنا له فكرة مساعدة السيدات الأرامل والمطلقات اللاتي يتلقين مساعدات مالية من «جمعية البر والمساعدات» وبأن الجمعية تقوم حالياً بحصر العائلات بمنطقة المدينة القديمة وستتولى الجمعية التدريب على الخياطة والتريكو الآلي وصناعة البسط، وأننا نأمل أن تساعدنا الوزارة بتوفير الآلات للمتدربات.

رحب السيد الوكيل بالفكرة وأبدى استعداده الفوري للقيام بهذا العمل بعد حصر العدد وإبلاغه بهم، بل أفاد برغبته في المساهمة في تسويق المنتجات., بعد فترة أبلغتني زميلتي بأنها عند قيامها بزيارات ميدانية لحصر الحالات اتضح أن كثيراً من الأسماء غير صحيحة وأن هناك أسماء وهمية مما جعل السيد رئيس «جمعية البر والمساعدات» يتمسك بتعيينها بعقد محلي لمواجهة تلك المشكلة بالتعاون مع الأستاذ الطاهر شرلالة عضو «جمعية البر والمساعدات»، ووافقت على ذلك لأن المهم أولاً وأخيراً مصلحة الوطن.  كما سمعت بعد فترة بأن السيد وكيل وزارة الصناعات قد تبنى مشروع الأسرة المنتجة وتعليم السيدات مهارات مختلفة ومساعدتهن في الحصول على شهادة تمكنهن من العمل كمدرسات للخياطة ولكني لم أعرف هل المشروع للمرأة عموماً أم فئة الأرامل، وأياً كان فالفائدة شملت سيدات الوطن وكان مشروعاً ناجحاً قامت به الوزارة.

الخاتمة
لاشك أن فترة الاستقلال شهدت حراكاً ونهضة نسوية، شاركت فيها المرأة الليبية بقوة، معتمدة على نفسها وعلى روح التعاون والتضامن فيما بينها، كما أن هذه النهضة اعتمدت بشكل كبيرعلى التعليم والعمل الأهلي ومساعدة القطاع الحكومي.
فعلى صعيد العمل الأهلي وتأسيس جمعية المرأة العاملة، وعلى الرغم من قلة الموارد المالية التي كانت بالكاد تكفي المرتبات لم نزد قيمة الاشتراك في بيت الرضيع، ولم نفتح القبول لأبناء غيرالعاملات رغم التهافت على الالتحاق، وذلك حفاظاً على مستوى الخدمات ولإتاحة الفرصة لأبناء المرأة العاملة في أية وقت وطول العام.

إلا أنه في العام 1970 صدر القانون رقم 111 لسنة 1970 بشأن الجمعيات، الذي قيد الحق في تأسيس الجمعيات وحد من نشاطها، وعلمنا بأنه صدرت تعليمات بمنع عضوات الجمعية من دخولها وممارسة العمل بها، وبذلك لم نقترب من الجمعية ولكن استمر «بيت الرضيع» ولا أعلم إذا اقتصر على أبناء المرأة العاملة أم شمل أبناء غير العاملات، أما اسم الجمعية فقد تم استبداله بـ«رابطة المرأة»، وهكذا طويت صفحةٌ ناصعةٌ من صفحات العمل الأهلي ولم تبقَ إلا ذكرى من ذكريات كثيرة.

من خلال هذه التجربة يمكنني أن أقول إن النشاط التطوعي يجب أن يمتاز بالمرونة والبعد عن البيروقراطية والروتين والإجراءات المعقدة، كما أن النشاط الأهلي التطوعي يسير جنباً إلى جنب مع النشاط الحكومي، ويزداد كلما زاد وعي الأفراد وحبهم لفعل الخير وحب الوطن.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كانت إجراءات تأسيس الجمعيات الأهلية غاية في البساطة، حيث ربطت بين الأعضاء علاقة ودٍ ومحبةٍ وتعاون وهدف واحد هو الرقي بالمجتمع من خلال لقاءات شخصية وطرح الفكرة، ثم تعاون الإدارة في عملية التسجيل والإشهار، بل وتقديم المساعدة لينطلق العمل، إضافة إلى نشوء علاقات تعاون بين الجمعيات.

هكذا وُلدت وعملت جمعية رعاية الأسرة، وحتى وإن انطفأت إلا أن وهجها لا يزال، لتظل ذكرى عطرة وسط ذكريات كثيرة.

كنت العنصر النسائي الوحيد في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عندما توليت قسم الأسرة والطفولة

وكيل وزارة الصناعات تبنى مشروع الأسرة المنتجة وتعليم السيدات مهارات مختلفة ومساعدتهن في الحصول على شهادة تمكنهن من العمل

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط