«الوسط» تعايش مأساة العالقين من نازحي تاورغاء في «قرارة القطف»

تحولت حياة نازحي تاورغاء في قرارة القطف إلى مأساة دائمة بعدما تزايدت الأزمات الصحية والمعيشية التي يواجهونها، لا سيما خلال الأيام الماضية، وقد قضت الأمطار وسوء الأحوال الجوية على ما تبقى من ملاذات الأمان داخلها، فيما نفد صبرهم وسط عراء الصحراء في خيام عشوائية موقتة؛ بسبب عدم تمكنهم من العودة إلى ديارهم في اللحظة الأخيرة.

وسط هذه الأوضاع الإنسانية المتفاقمة، ثمة تحركات لأطراف الخلاف لإنهاء الأزمة لكنها بدت تقليدية كسابقتها، فلم تسفر عن أية تطورات يمكن أن تنهي معاناة الأهالي، وهو ما دفع بمنظمات حقوقية دولية إلى مطالبة «الجنائية الدولية» بالتحقيق في معاناة أهالي تاورغاء، فيما رد النازحون باحتجاجات في الصحراء فهل يراها أحد؟!

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وكانت مئات العائلات قد توجهت إلى تاورغاء (40 كلم جنوب مصراتة و240 كلم جنوب شرق طرابلس)، بناء على اتفاق جرى مؤخراً، لكن مجموعات مسلحة تعارض الاتفاق منعتهم عند نقاط التفتيش قبل المدينة، وذلك بعد رحلة هجرة بدأوها العام 2011 بسبب دعمهم نظام معمر القذافي.

في وسط الأحداث التي خفت صداها مؤخراً في زمرة الأحداث، نقلت «الوسط» أحاديث متفرقة لمسؤولين ونازحين انقطعت بهم السبل في الصحراء.

عبدالرحمن الشكشاك، رئيس المجلس المحلي تاورغاء، ينقل مستوى المأساة الذي وصل إليه النازحون بسبب تساقط الأمطار في أجواء باتت صعبة للغاية يعبرون عن آلامهم من حين لآخر بالتظاهرات وسط المخيم، متابعاً بنبرة حزن: «نحن الآن نبعد عن تاورغاء نحو 35 كلم، والناس حزينة وهي تنظر إلى أطلال مدينتهم، وتتمنى أن تكون في بيوتها في هذه الظروف والبرد القارس».

اجتماعات متواصلة
وعن التحركات الرسمية أشار الشكشاك في تصريحات إلى «الوسط»، إلى اجتماعات عقدت أول من أمس، فيما ينتظرون لقاءً قريباً في مدينة ترهونة، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً مع مدينة مصراتة وبعض الوفود من القبائل والمناطق الأخرى.

المخيم يعاني نقصًا كبيرًا من الاحتياجات في ظل انخفاض درجات الحرارة بمنطقة قرارة القطف، بالنظر إلى كونها منطقة مكشوفة

وقال الشكشاك إن المخيم يعاني نقصًا كبيرًا من الاحتياجات في ظل انخفاض درجات الحرارة بمنطقة قرارة القطف، بالنظر إلى كونها منطقة مكشوفة، معتبراً أن التحركات الحالية تأتي في إطار «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».

ونوه إلى أن المخيم يحتاج إلى مولدات كهرباء، بالإضافة إلى نقص مياه الشرب والاستخدام اليومي، وتحتاج إلى مستشفى ميداني، وهي الحلول التي وصفها بـ«حلول تلفيقية» من أجل الوصول إلى الحل الجذري وهو عودة أهالي تاورغاء إلى مدينتهم.

وتمسك الشكشاك بقرار الأهالي عدم التحرك من الصحراء دونما العودة إلى مدينتهم، متمنياً دخولها بالراية البيضاء، مطالباً «الحكومة والعقلاء في مدينة مصراتة بالتحرك الفوري لأن الظروف أصبحت صعبة جداً».

محمد رضوان، عضو اللجنة الإعلامية لعودة نازحي تاورغاء، قال: «رغم النقص الكبير في البنية التحتية للمدينة، وافتقارها لأبسط متطلبات العيش، إلا أن العائلات مستعدة لتحمل ما تطلبه إعادة تهيئة المدينة من أوقات، كما أنهم على استعداد كامل للمشاركة في إعادة بنائها».

مضايقات واحتكاكات
وتحدث رضوان في تصريحات إلى «الوسط» عن الصعوبات التي وجهها الأهالي خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى تعرضهم لـ«أبشع العبارات العنصرية والإهانات»، متابعاً: «نحن كرجال وشيوخ ونساء وأطفال حاولنا قدر الإمكان عدم حدوث أي احتكاك ما القوة المسلحة التي هاجمت مخيم قرارة القطف لأننا نرفض أي دماء، خاصة بعد وجود هذه المصالحات والجهود».

وأشار إلى أن المخيم يضم 170 عائلة من مدينة سبها، متوسط عدد أفراد العائلة الواحدة خمسة أفراد، بالإضافة إلى 270 عائلة من مخيم بني وليد أيضًا جاءت إلى مخيم قرارة القطف، و170 عائلة جاءت من مدينة طرابلس.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتابع عضو اللجنة الإعلامية قائلاً: «نحن هنا باقون في هذا المكان، ليس لنا مكان آخر نتجه إليه، سنبقى هنا ليرى العالم المعاناة التي يعانيها أهالي تاورغاء، نحن قبلنا بكل الشروط رغم أنها شروط غير مرضية ورغم الانتهاكات الواضحة لحقوق الإنسان، لكننا قبلنا من أجل العودة».

الظروف الصحية
ويقول عضو لجنة الصحة بالمخيم أحمد عمار لقطع، إن عيادة المخيم استقبلت بسبب الظروف المناخية عدة حالات مثل الإغماء، هيستيريا، التشنجات، لافتاً إلى أن عدد الحالات المرضية منذ الأول من فبراير حتى الآن بالمخيم وصل إلى 1000 حالة معظمها «ارتفاع ضغط دم، وهبوط في السكر وارتفاع الحرارة للأطفال والاحتقان وضيق التنفس».

وأشار إلى أن الحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية متقدمة يتم تحويلها إلى مستشفى بني وليد العام، مشيراً إلى وفاة رجلين من النازحين في المخيم بسبب الانخفاض الشديد لدرجات الحرارة بالمنطقة، حيث يعاني الأهالي قلة الخدمات والمساعدات المقدمة، وندرة وسائل التدفئة مع انتشار أمراض الشتاء بينهم خاصة لدى الأطفال وكبار السن.


أحد مهجري تاورغاء يدعى رمضان أنطيط، يتحدث عن ظروف إنسانية ومأساة يعيشها الأهالي في المخيم بسبب الأمطار والعواصف والرياح

أحد مهجري تاورغاء يدعى رمضان أنطيط، يتحدث عن ظروف إنسانية ومأساة يعيشها الأهالي في المخيم بسبب الأمطار والعواصف والرياح، واصفاً الظروف التي يعيشها الأهالي حالياً بأنها مخيم «عقيلة رقم 2»، في إشارة إلى مخيم سابق اسمه «معتقل عقيلة» وكان شاهداً على مأساة في تاريخ ليبيا.

بكلمات تجسد مأساة آلاف العالقين، يضيف النازح محمد سالم، وهو رب عائلة لأسرة مكونة من خمسة أولاد، أنهم يصارعون من أجل مجرد الحياة في ظروف تقود البعض إلى الموت بسبب الظروف المرضية والأحوال الجوية، لافتاً إلى أن الرياح الشديدة اقتلعت عدداً من الخيام وبقي البعض في العراء.

وأضاف سالم بعداً آخر، يتمثل في التخوف من أن تؤثر الظروف الحالية في الحالة النفسية للأطفال فينشؤون على الكراهية وعدم الإنسانية بسبب الظروف الحالية، وهو ما يهدد بعدم الوئام في مفاصل الدولة.

وفي إطار الاجتماعات الجارية، أعلن رئيس لجنة الحوار بين مصراتة وتاورغاء يوسف الزرزاح لـ«الوسط» عقد مكونات مصراتة اجتماعات مكثفة لمناقشة قضية عودة أهالي تاورغاء، وذلك بهدف تشكيل لجنة من المكونات الاجتماعية ولجنة المصالحة مصراتة، لتحديد آلية دخول الأهالي مدينتهم مع استمرار الاتفاق المبرم بين الطرفين.

انتهاكات ومطالب بالتحقيق
على تماس مع الظروف السابقة فإن بيانًا لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، صادرًا الثلاثاء، دعا المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، إلى «التحقيق مع المتورطين في جرائم محتملة ضد أهالي مدينة تاورغاء كجزء من جهودها المتواصلة للتصدي للانتهاكات الجسيمة الجارية في ليبيا».

وقالت المنظمة: «إن الجماعات المسلحة والسلطات المدنية في مدينة مصراتة تمنع عودة آلاف الأشخاص من أهالي تاورغاء إلى بلدتهم بعد سبع سنوات من نزوحهم القسري»، مشيرة إلى وفاة رجلين بسكتة دماغية منذ 1 فبراير2018، في ظل ظروف متدهورة تمر بها الأسر العالقة في مخيمات صحراوية موقتة تفتقر إلى المرافق الصحية الكافية.

«هيومن رايتس ووتش»، تدعو المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، إلى «التحقيق مع المتورطين في جرائم محتملة ضد أهالي مدينة تاورغاء

وأشارت المنظمة إلى أن جهود العودة أتت بعد قرار طال انتظاره من حكومة الوفاق الوطني، لبدء عملية العودة، مستندة في هذه الجهود إلى اتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة بين ممثلي مصراتة وتاورغاء، وينص على المصالحة بين المجتمعات المحلية وتعويض ضحايا الجانبين.

ونقلت المنظمة تصريحات عماد إرقيعة الناشط والمكلف الإعلام عن «المجلس المحلي تاورغاء»، التي أكد فيها، أنه «عندما حاول سكان تاورغاء العودة إلى بلدتهم في 1 فبراير، أحرقت جماعات مسلحة من مصراتة الإطارات، وضايقت الناس، وأطلقت النار في الهواء لتخويفهم».

وقال إرقيعة إن العائلات نزحت إلى مخيمات موقتة أُقيمت حديثاً شرق تاورغاء، وفي قرارة القطف، 35 كيلومتراً شرق تاورغاء، مؤكداً أن بين 240 و300 أسرة تقيم في خيام وفرتها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، بالإضافة إلى عدد غير معروف ممن يقيمون مع أصدقائهم أو أقاربهم في المدينة القريبة.

رحيل عائلات
وأضاف أن عدد السكان في المخيمات متفاوت، مع رحيل عائلات كثيرة إلى طرابلس ومدن أخرى بسبب الظروف الجوية القاسية وسوء الصرف الصحي ونقص الرعاية الصحية والمعيشة السيئة، مشيراً إلى وفاة رجلين في حادثين منفصلين، إثر إصابتهما بسكتات دماغية.
وبحسب إرقيعة، فإنه في 13 فبراير اندلع حريق نحو الساعة 10 ليلاً في خيمة في قرارة القطف، بعد أن حاولت عائلات طهو العشاء، ما تسبب في إصابة امرأتين من تاورغاء بحروق خفيفة.

وعلى صعيد الاهتمام الدولي بالأزمة زار وفد من الأمم المتحدة طرابلس وعقد اجتماعاً مع المفوض بوزارة الدولة لشؤون النازحين يوسف جلالة لبحث أزمة أهالي تاورغاء ومشكلات النازحين في الداخل والمهجرين في الخارج، في إطار متابعة مستجدات تنفيذ اتفاق المصالحة بين مصراتة وتاورغاء والخطوات المتخذة من قبل حكومة الوفاق الوطني.

وذكر جلالة للوفد الأممي «أن هناك مجموعات عرقلت تنفيذ العودة»، مؤكداً «التزام المجلس الرئاسي بضمان جبر الضرر، وكل ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين» وأن حكومة الوفاق الوطني تواصل العمل على «مساعدة الفئات المستضعفة بالتعاون مع المنظمات الإنسانية» وفق ما نشرته إدارة التواصل والإعلام.

وأوضح جلالة أن «أهالي تاورغاء لازالوا يتمركزون في منطقة قرارة القطف، وهم يعيشون في ظروف صعبة جداً» وأن الحكومة «تقوم بتقديم الدعم الإنساني، ومعالجة الظروف الصعبة وفق الموارد المتاحة حالياً».

وأكد المفوض بوزارة الدولة لشؤون النازحين للوفد الأممي أن حكومة الوفاق «عازمة على تنفيذ الاتفاق وعودة أهالي تاورغاء بشكل آمن وفي القريب العاجل»، مضيفاً: «هناك مساعٍ من قبل الأعيان وبلدي مصراتة للوصول إلى حلول مجيدة تتماشى مع اتفاق العودة».

اهتمام دولي
مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أيضاً أبدت انزعاجاً من تدهور الوضع للعالقين، فشددت على ضرورة أن تعمل السلطات الليبية على ضمان سلامة وأمن المئات من أهالي الذين توقفت رحلة عودتهم إلى مدينتهم بالرغم من توقيع اتفاق يسمح لهم بعودة آمنة، منبهة إلى أن هؤلاء العائلات «يموتون في الصحراء».

وأشارت المفوضية في بيان، الأربعاء، إلى أن نحو 40 ألف نسمة تم إجلاؤهم قسرًا في العام 2011 من مدينتهم كعقاب جماعي على دعمهم المتصور للعقيد معمر القذافي، وأن الجماعات المسلحة عرقلت عودتهم إلى ديارهم التي تأتي وفق اتفاق أقرته الحكومة.

ونقل البيان عن المقررة الأممية الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للمشردين داخلياً، سيسيليا خيمينيز، قوله: «إنني أشعر بالجزع إزاء أنباء تفيد بأن آلاف الأشخاص من تاورغاء الذين اضطروا بالفعل إلى مواجهة سبع سنوات صعبة بعيداً عن منازلهم منعوا من العودة ويجبرون على العيش في ملاجئ موقتة في الصحراء».

مفوضية حقوق الإنسان تعدد الحالات المأساوية من بينها وفاة رجلين، بسبب الظروف الجوية القاسية مع انخفاض درجات الحرارة على مقربة من الصفر في الليل

وعددت المفوضية الحالات المأساوية من بينها وفاة رجلين، بسبب الظروف الجوية القاسية مع انخفاض درجات الحرارة على مقربة من الصفر في الليل، حيث يعاني كثيرٌ من الأطفال والنساء والرجال الذين تقطعت بهم السبل في الصحراء ظروفاً معيشية سيئة للغاية مثل سوء المرافق الصحية، ونقص المرافق الصحية، ونقص الأدوية، ومياه الشرب المحدودة.

ودعت المفوضية إلى ضرورة تعاون الحكومة الليبية والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، لضمان عدم فقدان مزيد الأرواح نتيجة هذا الوضع، وأن يسمح لأهالي تاورغاء بالوصول إلى ديارهم بأمان وكرامة، لافتة إلى أن نحو 200 عائلة يعيشون في خيام موقتة في قرارة القطف بالقرب من بلدة تاورغاء، في حين يعيش آخرون في خيام أو قاعات عامة في البلدات المجاورة.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقالت المقررة الخاصة المعنية بشؤون المشردين داخلياً: «على الرغم من أن بعض العائلات التي خيمت في الصحراء تتلقى مساعدات من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فمن الضروري أن تفي ليبيا بالتزامها الدولي بالحماية ومساعدتهم».

وكانت إحدى التوصيات الرئيسية التي قدمتها خيمينيز بعد زيارتها ليبيا في يناير الماضي هي أن «تضع الحكومة خارطة طريق وطنية تحدد بوضوح الأدوار وتحسن التنسيق بين الوزارات والمنظمات المكرسة لضمان حصول الأشخاص الذين يجبرون على ترك ديارهم على كل ما يلزم وتوفير الحماية والمساعدة لهم».

مساعدات إنسانية
وعلى الصعيد الإنساني بدأت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) تقديم مساعدات إنسانية للأسر النازحة في منطقة قرارة القطف من خلال تقديم الدعم النفسي وبناء دورات المياه لنحو 200 أسرة، مشددة على أن «الأطفال بشكل خاص هم الأكثر تأثراً بهذا النزوح الذي يؤثر على رفاههم وانتظام تعليمهم»، لافتة إلى أن هذه العملية تتم بدعم من وزارتي التعاون الدولي والتنمية الاقتصادية الألمانية، حتى تتمكن «من تقديم المساعدة للأطفال الأكثر ضعفاً، وكذلك عائلاتهم».

ومنذ مطلع الشهر الجاري تواجه عشرات العائلات من نازحي بلدة تاورغاء أزمة في استكمال رحلة عودتهم بعد أن سدت أمامهم منافذ العبور إلى البلدة؛ بسبب مطالبة جهات من مصراتة بتأجيل عودة الأهالي حتى الوصول «إلى معالجة موضوعية واقعية عادلة لهذا الملف بالغ الحساسية»، وذلك بعد نحو سبعة عشر شهراً من مصادقة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، على اتفاق المصالحة بين ممثلين عن مجلسي بلدي مصراتة ومحلي تاورغاء بتونس في الحادي والثلاثين من أغسطس 2016 برعاية أممية.

للاطلاع على العدد  118 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط