«الجنوب» يغلي على نيران الأزمات: فساد وانقسام وتهريب ونقص في السيولة والوقود

«يحتفلون بالذكرى السابعة من ثورة فبراير فوق المجاري والأوساخ والدمار والقتل والحرب»، هكذا يقول أحد أبناء مدينة سبها التي تعاني مثلها مثل سائر مدن ومناطق الجنوب الليبي من الإهمال.

فعلى مدى نحو ستة أشهر، قطع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني وعودا كثيرة على نفسه لحل الأزمات المعيشية الطاحنة في الجنوب، لكن مراقبين رصدوا استمرار تفاقم الأوضاع المتردية، وهو ما حدا بفعاليات احتجاجية إلى التهديد باللجوء إلى التصعيد أمام غياب أفق الحل.

مناطق الجنوب تعاني  انعدام الاستقرار الأمني، ونقص الخدمات الأساسية، وتفشي التهريب، وانقسام المؤسسات أو انهيارها

وتعاني مناطق الجنوب من انعدام الاستقرار الأمني، ونقص الخدمات الأساسية، وتفشي التهريب، وانقسام المؤسسات أو انهيارها، مما جعلها نقطة جذب مثالية للمتطرفين الباحثين عن ملاذ في الجنوب، والمهاجرين غير الشرعيين.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، يشكو السكان من تردي الخدمات خاصة في مجال الاتصالات والصحة، إذ إن أغلب المستشفيات لا تعمل أو بصدد الصيانة، باستثناء البعض على غرار مركز سبها الطبي الذي يقدم خدمات سيئة جدا. كما لا تنقطع شكاوى المواطنين -بشكل دوري- من «النقص الحاد» في المحروقات، مما أدى إلى اصطفافهم أمام محطات التزويد لساعات، واضطرارهم إلى شرائها من السوق السوداء بـ«أسعار خيالية».

يأتي ذلك رغم تقديرات رسمية تشير إلى أن الجنوب ينتج نحو ربع النفط الليبي، ويكتنز بموارد معدنية متنوعة. وفي خطوة لحلحلة الأزمات المتفاقمة، كان لقاء رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج مع وفد بلدية القطرون في يناير الماضي، والذي استمع خلاله إلى مطالب الوفد المتعلقة باحتياجات البلدية، في مجالات الأمن والصحة والتعليم، والطرق، وكشف عن مخصصات ستمنح مباشرة للبلدية.

وسبق هذا الاجتماع، لقاء آخر مع طرابلس ووفد من منطقة الجنوب يضم عمداء بلديات سبها وغات والشويرف والقطرون ووادي عتبة وأوباري وناشطين وأعيان من تلك البلديات ومناطق الجفرة، ووافق السراج على مقترح تشكيل لجنة يترأسها أحمد حمزة تكون حلقة وصل وتواصل بين المجلس الرئاسي وبلديات ومؤسسات المنطقة الجنوبية.

وفي أول اجتماع للجنة حمزة، بحث عضو المجلس الرئاسي مع أعيان مناطق الجنوب من حوض مرزق، الصعوبات التي تعوق تقديم الخدمات لسكان المنطقة في مختلف المجالات، كما تطرقوا للمشاكل الأمنية، وظاهرة الهجرة غير القانونية، وسبل الحد منها.
وأكد حمزة، دعم حكومة الوفاق كل عوامل الاستقرار في المنطقة، التي من شأنها أن تسهم في عودة الحياة إلى طبيعتها في مختلف المجالات، مطالبا بإعداد تصور ومقترح لمناقشته ووضعه موضع التنفيذ خلال الاجتماع المقبل.

الحكومة نجحت في تغطية 70% من احتياج المرافق الصحية في المنطقة الجنوبية للأطقم الطبية

ويقول رئيس لجنة الأزمات والطوارئ بوزارة الصحة في حكومة الوفاق الوطني، الدكتور فوزي أونيس، إن الحكومة نجحت في تغطية 70% من احتياج المرافق الصحية في المنطقة الجنوبية للأطقم الطبية، لمعالجة أزمة القطاع الصحي في المنطقة بعد مغادرة الأطقم الطبية للمستشفيات بسبب الوضع الأمني ونقص الإمكانات.

ووسط وعود وخطوات حكومية في هذا المضمار، نظم شباب «حراك كفى صمتا» في مدينة سبها، الاثنين الماضي وقفة أمام مقر المجلس البلدي، احتجاجا على إهمال الجنوب وتردي أوضاعه، مهددين باللجوء إلى الأعمال التصعيدية إذا لم تنفذ مطالبهم وتعالج الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية في المنطقة.

وحمل «كفى صمتا» المسؤولية التامة لهذه الأوضاع وما تعانيه مناطق الجنوب من أزمات على مختلف الأصعدة، إلى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج.

ونوه إلى الأوضاع التي تعيشها مدينة سبها وغياب الأجهزة الأمنية وتفشي الفساد الذي أثقل كاهل المواطن وارتفاع معدل الجريمة ونقص السيولة وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب وعدم إيجاد أية حلول من قبل حكومة الوفاق، والتقصير الواضح من ممثلي الجنوب بمجلس النواب والدولة عن سبها».

تفشي الفساد
ولم يكن هذا التحرك هو الأول، إذ لوح محتجون في سبتمبر الماضي بقطع خط مياه النهر الصناعي العظيم وخط الغاز في سبها، والأخطر أنهم هددوا بإعلان حكومة جديدة في المنطقة الجنوبية حال عدم الاستجابة لمطالبهم بخصوص خطف عضوين من وفد الجنوب الذي كان متوجها إلى إيطاليا في طرابلس.

يشار إلى أن مجموعة الأزمات الدولية دعت في أغسطس الماضي، في تقرير أصدرته للسلطات الليبية والحكومات الأوروبية إلى اتخاذ خطوات فورية لتيسير العلاقات بين القبائل في منطقة الجنوب وتحسين ظروف المعيشة، مشيرة إلى أن تحقيق الاستقرار في إقليم فزان جنوب ليبيا بات أمرا ملحا ويتطلب استثمارات على المدى البعيد.

ويحذر محللون من أن الجنوب الليبي أصبح لغما قابلا للانفجار في أية لحظة، ويقول الدكتور خالد حنفي علي الباحث في الشؤون الأفريقية إن الجنوب الليبي لغم قد ينفجر في وجه أي مسار سياسي يمكن التوصل من خلاله إلى إنفاذ اتفاق الصخيرات ما لم تؤخذ في الاعتبار معالجة معضلاته المزمنة، وما تعانيه المنطقة من أزمات كالمواطنة والهوية ونزاعات الموارد.