المجلس الأطلسي: تدخل روسيا وغياب واشنطن يدفعان ليبيا نحو مصير سورية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب (الإنترنت)

توقع مقال نشره موقع المجلس الأطلسي «أتلانتيك كاونسيل» أن تستغل روسيا الفراغ السياسي والأمني في ليبيا للتدخل، وكسب نفوذ سياسي وعسكري واسع على الأرض، وتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية، مثلما فعلت في سورية، وانتقد استراتيجية واشنطن «المترددة» للتعامل مع ليبيا، محذرًا من أنها توفر الفرصة الكاملة لموسكو للتدخل وتأكيد نفوذها.

وحذّرت كاتبة المقال، إرين نييل، من أن تواجه ليبيا المصير السوري نفسه، وقالت إن الظروف التي سمحت لروسيا بالتدخل في سورية، لصالح الرئيس بشار الأسد، متاحة حاليًا في ليبيا،  بعد تراجع الاهتمام الأميركي لحل الأزمة، وانتشار المجموعات «الجهادية» مثل تنظيم «داعش» و«القاعدة»، كما حذرت من أن تدخل موسكو في سورية «عقد الأزمة وتسبب في إطالة أمدها».

وقالت الكاتبة، الباحثة في مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط، أيضًا، إن عدم قدرة الإدارة الأميركية على التدخل بشكل أكثر فاعلية في سورية، وسع من حجم الفراغ السياسي في الدولة. وتحدثت عن عاملين تسببا في تراجع الاهتمام الأميركي في سورية، أولها ضعف الدعم المحلي، وانشغال الإدارة الأميركية في التحضير للاتفاق النووي مع إيران.

ورأى المقال أن «إهمال ليبيا من قبل المجتمع الدولي عقب الإطاحة بمعمر القذافي، واحد من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الأزمة السياسية والأمنية الراهنة»، وتابع: «غياب الاهتمام في العواصم الغربية لحل الأزمة الليبية مهد الطريق أمام موسكو للوقوف بثقلها خلف قائد الجيش المشير خليفة حفتر». واقتصر التحرك الأميركي في ليبيا، بعد 2011 على تنفيذ ضربات جوية عسكرية مستهدفة مواقع تنظيم «داعش».

وقالت الكاتبة إن «(مكافحة الإرهاب) كان الذريعة التي استخدمتها موسكو للتدخل في سورية، وتستخدمها حاليًا للتدخل في ليبيا ودعم خليفة حفتر، وتدعم خليفة حفتر تحت اسم محاربة المجموعات المتشددة».

وذكر المقال إن ليبيا وسورية، على وجه الخصوص، شهدتا موجات عنف متكررة على مدار السبع سنوات الماضية، وسمح الفراغ السياسي والأمني في كلا البلدين لتنظيم «داعش» بالظهور والانتشار. وفي سورية، سمح الفراغ السياسي لروسيا بالتدخل وكسب نفوذ عسكري واسع في الصراع.

واحتفل الليبيون، بداية الأسبوع الجاري، بالذكرى السابعة لثورة 17 فبراير، وقال المقال إن «ذكرى الثورة الليبية، وغيرها من ثورات الربيع العربي، هي تذكير مؤلم للكيفية التي تحولت بها توقعات وآمال الربيع العربي، مقارنة بالحقائق التي نشهدها على الأرض عقب سبع سنوات».


«النشاط الإرهابي»
وتطرق المقال إلى عامل آخر، تستغله موسكو للتدخل في ليبيا، وهو نشاط تنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة» في ليبيا، وقالت الباحثة إن «المجموعات الإرهابية المتعددة في ليبيا قد تكون سببًا تستغله موسكو لزيادة دعمها لخليفة حفتر»، وقالت إن «النشاط الإرهابي متزايد في ليبيا».

وذكرت أن «الهجمات المتكررة في شرق ليبيا، المنطقة الواقعة تحت سيطرة حفــتر، تعزز رؤية الأخير، وهو ما يمكن أن تدعمه روسيا دون إثارة غضب الليبيين، والذين يعانون من تكرار الهجمات الإرهابية».

ورغم هدفها المعلن وهو مكافحة الإرهاب في المنطقة، رأى المقال أن «هدف روسيا الحقيقي في سورية هو تعزيز نفوذها في المنطقة بأكملها، وتلك الاستراتيجية قد تمتد إلى ليبيا».

ولفت المقال إلى أن «داعش» نفذ سلسلة من الهجمات المعقدة في النصف الثاني من العام 2017. وشهدت مدينة بنغازي، هجومين منفصلين تسببا في مقتل وإصابة أكثر من مئتي شخص في الأسابيع القليلة الماضية، كما كشف تفجير مانشستر، العام الماضي، روابط بين منفذه وبين خلية تابعة لـ«داعش» في ليبيا، ما يؤكد أن عدم الاستقرار في ليبيا يؤثر سلبًا على باقي الدول المحيطة. 

«سياسة أميركية مترددة»
وعلى صعيد آخر، رأت الكاتبة أن الفراغ الذي خلقه تراجع الاهتمام الأميركي، نتيجة «هوس إدارة باراك أوباما بالاتفاق النووي الإيراني» عزز المصالح الروسية، ولهذا دعا المقال إدارة الرئيس دونالد ترامب العمل لتحقيق التوازن بين الأجندات الخارجية المتناقضة في ليبيا.

وانتقد المقال الإدارة الأميركية ونهجها في ليبيا، وقال إن الأزمة الليبية ليست أولوية بالنسبة إلى واشنطن في الوقت الحالي. وقال: «قرب ليبيا من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين يتطلب مزيدًا من الاهتمام الأميركي، لمنع تطور الموقف إلى الأسوأ».

وتابع: «إذا اتبعت واشنطن النهج المتردد نفسه في ليبيا، ستتاح لروسيا الفرصة كاملة للتدخل بفاعلية في ليبيا. ولا تقلل القوى الغربية من رغبة موسكو في دعم الرئيس السوري بشار الأسد، والنتائج السياسية المترتبة على ذلك. والأوضاع نفسها متاحة في ليبيا».

وقارن المقال بين الأزمة الليبية والسورية في ضوء تدخل موسكو، وقال إن جميع الأطراف في ليبيا ضعيفة نسبيًا، ولا يملك أيّ فصيل القوة الكافية للسيطرة على كامل ليبيا. وأوضح قائلًا: «الوضع في الواقع داخل ليبيا متعثر، حتى أن أقوى اللاعبين على الأرض، وهو خليفة حفتر، لا يملك القوى الكافية للسيطرة على ليبيا بأكلمها وحده».

وذكر أن تكلفة التدخل في ليبيا أقل بكثير من تكلفة التدخل في سورية، لكن في حال انتهت الأزمة السورية لصالح بشار الأسد، توقع الباحث أن تبحث روسيا عن مكان آخر للتوسع، وهذا المكان هو ليبيا.  

لكن الكاتب لفت إلى أن تدخل روسيا في ليبيا قد يصبح مكلفًا للغاية، في ظل الوضع الاقتصادي لها الآن، وقال إن «دعم قوات الجيش الليبي يحتاج إلى استثمار مستمر عالي التكلفة».

مصالح متنوعة
وتحدث المقال عن الأهداف التي تسعى روسيا لتحقيقها في ليبيا، وقال إنها أهداف ومصالح متعددة. فعلى الصعيد الاقتصادي، تضمن الاحتياطات النفطية الليبية تحقيق عائدات مالية ضخمة، وتسعى روسيا لتوقيع عدة عقود في مجال الطاقة للاستفادة من ذلك.

وعلى صعيد آخر، قد تصبح عمليات إعادة الإعمار مربحة جدًا بالنسبة للشركات الروسية، وقد تهتم موسكو بالمشاركة، وبالنسبة للسياسية الخارجية، وجود ليبيا على الحدود الجنوبية للقارة الأوروبية، يوفر فرصة لموسكو للوجود قرب القارة وعلى حدودها. 

وقالت الكاتبة: «بدأت روسيا بالتقرب إلى ليبيا من خلال التقرير إلى جارتها مصر. ففي مارس 2017، نشرت موسكو قوات عسكرية في مصر، ووقعت الدولتان اتفاقًا يسمح لموسكو باستخدام المجال الجوي المصري».

المزيد من بوابة الوسط