الشرطة الليبية: صعوبات في البناء وتشكيك في القيادات

مضى على انهيار جهاز الشرطة في ليبيا أكثر من عامين، وتحاول السلطات الجديدة منذ ذلك التاريخ لملمة هذا الجهاز وإنعاشه، لكن وزارة الداخلية اصطدمت بواقعين، الأول يتمثل في صعوبات بناء جهاز الشرطة، بجانب التشكيك في القيادات التي كانت تشرف على إدارته إبان النظام السابق، وهو الأمر الذي يبدو أكثر صعوبة، ويحتاج إلى تضحيات لا يمكن ضمان نجاحها، في إعادة وبسط الأمن داخل المدن، في ظل تنامي نفوذ المجموعات المسلحة.

التحدي الأول في إعادة بناء جهاز الشرطة بدأ في عهد وزير الداخلية السابق العميد عاشور شوايل، فعندما تولى الوزارة في يناير 2013 تحمس لمشروع حل منتسبي اللجنة الأمنية العليا ودمجها في جهاز الشرطة، عبر لجان تجنيد متخصصة، تقوم بفرز عناصر اللجنة وفرزهم وتسجيلهم كعناصر للشرطة كل حسب رغبته.

الحل والدمج ضرورة
ويقول العميد عاشور شوايل في هذا الصدد لـ"بوابة الوسط ": "من وجهة نظري حل منتسبي اللجنة الأمنية العليا ودمجهم في الشرطة ضرورة ملحة، وأثبتت نتائجها من خلال غربلة 140 ألف منتسب، وبعد التدقيق انحصر العدد لنحو 60 ألف فقط، وقمت شخصيًا باستحداث قوة دعم مديريات الأمن، وخصصنا لها جميع الإمكانات الفنية والمادية، وجل عناصر القوة هم من الثوار السابقين من منتسبي اللجنة الأمنية، وأثبتوا جدارتهم خاصة في طرابلس وبنغازي".

ويضيف شوايل "أما الحديث عن امتناع الثوار عن الانضمام للشرطة فهو غير دقيق، لأنه في الحقيقة هناك قادة بارزون في اللجنة الأمنية العليا في طرابلس وبنغازي، وهما هاشم بشر وفوزي ونيس، وقفا إلى جانبي ودعما فكرة دمج عناصر اللجنة، لأنهما اقتنعا بأن الشرطة هي المسار الطبيعي لرجال حماية المدن".

تشكيك
يصف أحمد الأمين الناطق باسم الحكومة الموقتة في تصريحه لـ"بوابة الوسط"، تخوف الثوار السابقين خاصة منتسبي اللجنة الأمنية العليا، من ضباط الشرطة الذين عملوا في عهد القذافي، قائلاً: "هذه المخاوف حقيقية لا يمكن إنكارها، وعندما اجتمع رئيس الحكومة أخيرًا بقيادات الشرطة على مستوى المنطقة الغربية، عرض عليهم التقاعد المبكر لتسوية هذه المشكلة، وأن يحل محلهم ضباط آخرون تتم ترقيتهم، حتى نتمكن من تخفيف التوتر وضخ جهاز الشرطة بدماء جديدة".

من جهته، علق وزير الداخلية السابق العميد عاشور شوايل على هذا الطرح: "دعمت هذا التوجه بالتقاعد الاختياري للضباط وليس الإجباري، لأننا بحاجة لضباط الشرطة السابقين المدربين والذين لديهم الخبرة، لكن الأمر صعب ومعقد مع الانهزام النفسي للشرطة السابقة، خاصة ومع وصفهم بأنهم شرطة القذافي وعنفوا بالاتهامات المتكررة".

ويتابع: "مشكلة ثانية تضاف للتشكيك في الضباط السابقين، تتمثل في تسيب بعضهم وتغيب بعضهم سنوات وهم يتقاضون رواتبهم، لا بد في هذه الحالة تفعيل العقوبات التي تصل إلى فصل الشرطي، في حال تغيبه عن العمل في 45 يومًا متواصلاً دون مبرر".

التدريب في الداخل ليس كافيًا
يرى المقدم عبدالرؤوف الجالي رئيس لجنة التجنيد الفرعية الثالثة بوزارة الداخلية، أن التدريبات الداخلية ليست كافية لأنها تقدم مبادئ أولية فقط، ويقول في حديثه لـ"بوابة الوسط" عن نوعية هذه التدريبات وتأثيرها: "بعد قبول منتسبي اللجنة الأمنية واجتيازهم الفحص الطبي، يتم تدريبهم لثمانية أسابيع على المبادئ الأساسية لرجل الشرطة، لكنهم حتمًا يحتاجون للتعمق في العلوم الأمنية، من خلال دورات خارجية تقدم لهم مستوى أعلى للتدريب".

وشكلت 70 لجنة فرعية لدمج الثوار المنتسبين للجنة الأمنية العليا سابقًا، ووزعت على عموم المدن الليبية.

وردًا على سؤال عدم نيل الشرطة فرصًا كبيرة للتدريب في الخارج مثل الجيش، لم يقدم الناطق باسم الحكومة أحمد الأمين تعليقًا على هذا التساؤل، واكتفى بالإجابة عن أن الأمر يحتاج للمراجعة، للتأكد من صحة أن الشرطة لا تحظى بفرص متساوية للتدريب خارجيًا.

وعن أهمية التدريب في الخارج، يقول العميد عاشور شوايل: "شخصيًا قمت بتوقيع عقود لتدريب خمسة آلاف من عناصر الشرطة الليبية في فرنسا (.)، وقعنا معهم بملايين الدولارات من أجل هذه العقود، ولا أعرف صراحة تأخر عملية إيفادهم للخارج، كما طالبت من الحكومة بأن تقوم بدعم وزارتي الدفاع والداخلية بالتوازي، لأن فرض الأمن يتطلب دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية بصورة مشتركة".

الشركات الأمنية
وعن الحلول التي يمكن لها أن تخفف الضغوط على طريق بناء جهاز الشرطة، يقترح وزير الداخلية السابق العميد شوايل "تبنيت مشروع تشكيل شركات أمنية لحماية مشروعات الشركات الأجنبية، وأن تقوم هي بتولي مصاريف هذه الشركات، والداخلية تقوم بتقديم أسلحة خفيفة ومعدات دعم لوجيستي لهذه العناصر".

ويضيف: "كم من الثوار السابقين الذين ستوفر لهم هذه الفكرة لو طبقت فرص العمل؟، حينها سيتركون المعسكرات ومقرات الدولة، وسيتشجعون على تسليم سلاحهم وبالتالي ستكون الفرصة أمام الشرطة لفرض هيبتها مجددًا، والاضطلاع بأدوارها في حماية الوطن والمواطن من الجريمة، بشكل يعيد الثقة بين المواطن ورجل الشرطة".