حسن الأمين: القذافي عسكر الثورة .. ولا حل للأزمة دون التعامل أولاً مع السلاح والميليشيات

في هذا الحوار، الذي يتزامن مع الذكرى السابعة لثورة 17 فبراير، تحاور «الوسط» السياسي والإعلامي حسن الأمين حول مسارات ومآلات 17 فبراير محليًا ودوليًا وما واكبها من اتهامات، وسبل الخروج من تلك الأزمة المعقدة.. وكان هذا نصّ الحوار:


• ماذا بقى من ثورة فبراير في ذكراها السابعة ..؟
- «الثورة» ما زالت قائمة لأنها لم تحقق أهدافها بعد.. ما زلنا نعيش المخاض.. مخاض عسير ينزف الدم ويبدد الأموال والثروات.. ويهدر الطاقات.. ورغم كل هذا فـ«ميلاد الوطن» سيكون وإن طال الزمن.

• لماذا تعسكرت الثورة في ليبيا عكس تونس ومصر  ...؟
- عسكرة الثورة الليبية كان أمراً لابد منه بسبب طبيعة نظام القذافي والطريقة التي تعامل بها مع معارضيه ومطالبهم. على خلاف تونس ومصر.. قوات القذافي لم تكن «جيشاً وطنياً» بل كتائب مهمتها الأولى والأخيرة الحفاظ على «عرش القائد».

 طبيعة نظام القذافي عسكر الثورة الليبية  خلاف تونس ومصر

• لماذا لم تقدم المعارضة الليبية في الخارج مشروعاً متكاملاً بعد ثورة فبراير يضمن إعادة بناء الدولة  ..؟
- للأسف المعارضة الليبية فشلت في التعامل بـ(مسؤولية وذكاء) مع حراك فبراير… لقد تعاملوا معها كأفراد وليس ككيان موحد -مع وجود «المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية- وكنت وقتها قد اتصلت بقيادات المؤتمر وطالبتهم بالدعوة لانعقاد المؤتمر في جلسة استثنائية لوضع استراتيجية موحدة تضمن حشد الدعم السياسي للحراك وتقديم الدعم والمشورة للمجلس الانتقالي، ولكن، وللأسف، لم تجد هذه الدعوة آذاناً صاغية لأن الغالبية كانت تسعى للحصول على جزء من «الكعكة».. حيث تسارع البعض منهم «أفراداً» للرجوع إلى ليبيا بحثاً عن مناصب.

• ما تقييمك لعمل المجلس الانتقالي وما أنجزه خلال الثورة .. ؟ وما أهم خطأ ارتكبه المجلس الوطني الانتقالي حسب وجهة نظرك  ..؟
- يحسب للمجلس الانتقالي أنه قاد عملية التحرير بنجاح وتميز وقام بتسليم السلطة في موعدها، ولكن أداءه بشكل عام بعد التحرير كان دون المستوى. أول أخطاء المجلس الانتقالي كان انتقاله إلى طرابلس بعد التحرير، حيث لم تكن هناك حاجة لهذا ونتج عنه وجود فراغ سياسي في بنغازي، وتركت بنغازي لنيران القبلية ومؤامرات الإسلام السياسي. المجلس الانتقالي أيضاً لم يكن صارماً في موضوع السلاح والميليشيات منذ البداية -عندما كان الأمر أكثر سهولة - وشجع ثقافة التعويض والمكافآت ولم يضع خطة طريق واضحة المعالم لليبيا ما بعد التحرير.

• ما تقييمك لعمل المكتب التنفيذي وما أنجزه خلال الثورة .. ؟
- المجلس التنفيذي -كما الانتقالي- تعامل مع الأزمة أثناء مرحلة التحرير بكثير من الديناميكية ونجح في أدائه السياسي وفي التعامل مع الوضع الإنساني إلى حد كبير.. غير أنه فشل في التعامل مع عدة قضايا تتعلق بوضع لبنات أولى لمؤسسات الدولة والمرافق والأجهزة الحكومية. كما أنه لم يعمل كفريق أزمة بل تمحور عمله حول أفراد.

• لماذا استقلت من المؤتمر الوطني العام  ..؟
- استقلت من المؤتمر الوطني العام لأنني وصلت إلى قناعة بأن هذا المؤتمر فقد البوصلة وتجاهل أولويات المرحلة وانقسم إلى مجموعات تعمل من أجل السلطة وليس من أجل الوطن.. وأصبح رهينة في يد أمراء السلاح وبات عاجزاً تماماً عن التعامل مع أزمات البلد والاستحقاقات التي من أجلها وُجِد. استقلت لأنني أدركت أن الطريقة التي يسير بها المؤتمر لن تقود إلا للمزيد من الأزمات. ولكوني نائباً مستقلاً أصبح من العسير عليّ ممارسة مهامي في كيان تتنازعه أجندات حزبية وجهوية.. إلى جانب هيمنة الميليشيات على قراره.

قوات القذافي لم تكن جيشًا وطنيًا بل كتائب مهمتها الأولي والأخيرة الحفاظ علي عرش القائد

• كيف يمكن حل إشكالية القوى الجهوية الإسلامية المتشددة التي تسيطر على القرار في مصراتة  ...؟
- إشكالية مصراتة أنها «بلا رأس» وتتنازع قراراتها مراكز قوى متعددة مصراتة -مثلها مثل باقي ليبيا-: استياء عام مما آلت إليه أحوال البلد.. رغبة جامحة لعودة الأمن والاستقرار.. دعوات صادقة لنبذ العنف وخطاب الكراهية.. نداءات للتسامح والمصالحة.. حاجة ملحة لتوفير الخدمات الأساسية.. تطلع إلى قيام دولة القانون والمؤسسات.. في المقابل، مصراتة -مثل باقي ليبيا-: لا قيادة شرعية واضحة ومتفق عليها.. مراكز قوى متعددة.. أمن هش تنتهي صلاحياته وتشل يده عند بوابة الميليشيات.. عناصر فاسدة ظالمة متخلفة حاقدة تنخر كالسوس في عظام المدينة.

• من المسؤول عن الوضع الحالي.. المجلس الانتقالي أم المؤتمر الوطني أم مجلس النواب   ...؟
- عند الحديث عن الأزمة الليبية وما وصلت إليه من انسدادات لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد بعينه، الجميع أخطأ والجميع قصر والجميع تمادوا في تعنتهم وعنادهم.. غير أنني أحمّل المؤتمر الوطني العام المسؤولية الأكبر لأنه جاء بتفويض شعبي كبير جداً، ومن خلال انتخابات نزيهة وشفافة شهدت إقبالاً منقطع النظير، ولكنه لم يستغل هذا ويضرب «ضربة معلم» من البداية كان بإمكانه تصحيح المسار والتعامل مع ما سبق من أخطاء، لم يفعل.. وضيّع عليه وعلينا فرصة ثمينة لوضع لبنات الدولة الليبية الجديدة.

• هل ترى أن اتفاق الصخيرات هو الحل للأزمة ؟
- لا حل للأزمة دون التعامل أولاً مع السلاح والميليشيات. السلاح يدفع للتعنت السياسي ويهدد أي اتفاقات أو توافقات يتم التوصل إليها .. قد نتفق في الصخيرات أو في غدامس أو في أي مكان، ولكن في وجود السلاح ستبقى الاتفاقات حبراً على ورق وحتى لو نفذت هذه الاتفاقات فلن تصمد طويلاً.

المعارضة الليبية فشلت في التعامل بـ (مسؤولية وذكاء) مع حراك فبراير

• ما رأيك فيما طرحه غسان سلامة بخصوص المؤتمر الجامع؟
- أي حوار وأي مبادرة لجمع الفرقاء بغية الوصول إلى حل هو شيء إيجابي ومطلوب ومهم، ولكن كما قلت على الأطراف الليبية المتخاصمة والأطراف الإقليمية «المؤججة» والأطراف الدولية «الراعية» أن تصل إلى قناعات بخصوص السلاح والجماعات العسكرية في ليبيا وتقدم خطة واضحة المعالم لحسم هذا الملف. لا بد أن يكون هذا الملف في المقدمة.

• كيف ترى طرح غسان سلامة بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة ..؟
كما قلت في تصريح سابق، لا شك لدي بأن الانتخابات هي الحل للخروج بليبيا من أزمتها ولكن... هذه الانتخابات لن تؤتي ثمارها ولن يكون هناك جدوى من نتائجها إذا لم يسبقها تعهد والتزام محلي وإقليمي ودولي بدعمها والاعتراف بنتائجها.. وإعداد خطة متكاملة وعملية لتفكيك الميليشيات ونزع سلاحها بإرادة حقيقية وجادة وتعهد بالتنفيذ تحت إشراف دولي.. وإعادة النظر في القانون الانتخابي والأخذ في الاعتبار الانتقادات الموضوعية التي أشار إليها العديد من الحقوقيين والقانونيين ونشطاء المجتمع المدني.. تعهد والتزام من قبل المنابر الإعلامية الليبية (بالداخل والخارج) بدعم هذه الانتخابات بموضوعية ومهنية وحيادية، والتركيز على توعية الناخبين بأهمية هذه الانتخابات وحثهم على المشاركة. هذا هو الاختبار الحقيقي للخصوم الليبيين وللمجتمع الدولي والمحيط الإقليمي والعربي وللإعلام الليبي إذا كانت هناك فعلاً جدية في دعم المسار الديمقراطي في ليبيا وإنهاء الفوضى والانفلات الأمني والوصول بالوطن إلى بر الأمان. إذا لم يحدث هذا فحتى لو أفرزت الانتخابات كياناً تشريعياً موحداً وحكومةً موحدةً فإننا سنبقى رهينة للميليشيات وسلاحها وابتزازها. لقد خضنا عملية انتخابية ناجحة بامتياز العام 2012 وماذا حصل بعدها... سلاح الميليشيات أجهض نتائجها وأوصلنا إلى ما نحن فيه الآن. وعلينا ألا ننسي بأن هذه الميليشيات أصبحت أداة طيعة في أيدي الخصوم السياسيين والكثير منها يحظى بدعم خارجي.

السلاح يدفع للتعنت السياسي ويهدد اي اتفقات او توافقات يتم التوصل اليها

• ما تفسيرك لدعم الولايات المتحدة وبريطانيا للإسلام السياسي وحرصهما على وجوده في السلطة في ليبيا؟
- أولاً يهمني أن أصحح جملة يكثر استعمالها بشكل مغلوط عند الحديث عن الملف الليبي، وهي «المجتمع الدولي».. ليس هناك شيء اسمه المجتمع الدولي.. هناك دول وهناك مصالح تحرك سياساتها، وهذا أمر طبيعي. أحد إشكاليات الملف الليبي هي عدم وجود رؤية دولية موحدة بخصوصه.. أوروبا ليست على قلب واحد فيما يتعلق بليبيا، والولايات المتحدة ما زالت ترى أن الملف الليبي هو ملف أوروبي ولا أعتقد أنها حسمت أمرها فيما يتعلق بليبيا. الإشكالية الأخرى هي تعدد أطراف الصراع في ليبيا وتعدد أطراف الحوار..هذا، من جانب آخر وضع «المجتمع الدولي» أمام صعوبات كبيرة (مع من نتعامل)، وبذلك كانت سياسة التوازنات والمهادنة و«اللعب على أكثر من حبل».

• كيف يمكن الخروج بحل يضمن وحدة المؤسسات الليبية خاصة العسكرية؟
الحلول الجزئية لن تثمر.. الحلول الوقتية هي فقط مسكنات، الحل في ليبيا لابد أن يكون شاملاً وبه مقومات الديمومة.. يبدأ أولاً بوضع حل للسلاح والميليشيات.

المزيد من بوابة الوسط