باحثان: تعدد الوسطاء في ليبيا عرقل التوصل إلى حل للأزمة السياسية

قال الباحثان كريم ميزران وإليسا ميلر، في دراسة نُـشرت الأسبوع الجاري، إن «تعدد الوسطاء الإقليميين والدوليين في الأزمة الليبية عرقل مسار المحادثات للتوصل إلى حل تفاوضي، إذ كان تدخل كل من اللاعبين الدوليين سواء من دول جوار ليبيا مثل مصر وتونس والجزائر أو فاعلين دوليين مثل فرنسا يهدف إلى تحقيق المآرب الخاصة لتلك الدول في ليبيا».

واعتبر الباحثان أن السبب الرئيس لفشل الوسطاء الدوليين كان «دعمهم الشفهي للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، في حين كان كل منهم يدعم على الأرض أحد الأطراف المتنازعة في البلد».

تدخلات الوسطاء الدوليين المتزامنة في ليبيا أضعفت فرص نجاح عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة

وذكر الباحثان في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، أن «الصدع الرئيسي في ليبيا اليوم يتمثل في الانقسام بين الشرق والغرب، مع تحالف قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر مع مجلس النواب في طبرق ضد حكومة الوفاق التي تحكم في طرابلس»، وقالا إنه «منذ العام 2014 حاول العديد من الفاعلين الوساطة للتوصل لحل توافقي للأزمة الليبية إلا أنهم أخفقوا».

وفي الدراسة التي نُشرت في العدد الأخير من مجلة «The Cairo Review of Global Affairs» الصادرة عن الجامعة الأميركية بالقاهرة، قال الباحثان إن إطلاق حفتر «عملية الكرامة لتطهير ليبيا من الإسلاميين كان السبب في تعميق الانقسام في البلد».

ولفتـا إلى أن فاعلين إقليميين ودوليين «سعوا مرارًا إلى حل الصراع المستمر، إلا أن سلوكهم بإظهار دعمهم للوساطة بينما كانوا يدعمون على الأرض طرفًا واحدًا ضد الآخر «عزّز قوة مختلف الفاعلين المحليين بما في ذلك حفتر الذي أعرب اسميًا فقط عن دعمه لفكرة التوصل لحلٍّ تفاوضي لكنه لم يلتزم مطلقًا بذلك».

وقال الباحثان «يبدو أن حفتر استغل جهود الوساطة المختلفة الذي بذلها في الغالب فاعلون أجانب، لشراء الوقت والتخطيط للتحركات اللازمة للتغلب على منافسيه في ضوء سعيه للسيطرة عسكريًا على البلد بأكمله»، ووصفا حفتر بأنه كان على مدار ثلاث سنوات «مفسدًا لعملية السلام في ليبيا».

«مبادرات الوساطة طويلة الأمد وغير المنظمة لا تصب في منفعة حفتر فقط لكنها أيضًا تضعف بشدة كل المفاوضات بشأن ليبيا»

وأوضحا أن «قوات حفتر سيطرت على المؤسسات النفطية في الشرق، فضلًا عن تقدم قوات الجيش الوطني لبسط نفوذها على المحليات الرئيسية بما في ذلك القاعدة العسكرية الاستراتيجية في الجفرة بهدف ترسيخ سيطرة الجيش خارج المنطقة الشرقية، مشيراً إلى أن تحركه الأخير أتى عقب محادثات أجراها حفتر مع السراج في أبوظبي مما يعني أن استراتيجيته تقوم على الانخراط في مفاوضات دولية مفرغة بينما يتقدم عسكريًا ويعيد تشكيل توازن القوى على أرض الواقع».

وذكر الباحثان أن «مبادرات الوساطة طويلة الأمد وغير المنظمة لا تصب في منفعة حفتر فقط بمنحه وقتًا أطول لتعزيز قوته في الشرق وبناء تحالفات مع القبائل في الغرب، لكنها أيضًا تضعف بشدة كل المفاوضات بشأن ليبيا».

وأضافا أنه في الوقت نفسه فإن مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين الساعين للوساطة قادوا تدخلات متزامنة سعيًا إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، وبالتالي تضاءلت فرص نجاح عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، وقالا إن نتيجة تلك العملية كانت تضاؤل فرصة إحلال السلام في ليبيا.

وساطة أممية دون اتفاق
كانت الأمم المتحدة تقود جهود الوساطة في ليبيا منذ العام 2014 بهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية، وانبثق عن توقيع اتفاق الصخيرات تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي يرأس مجلسها فائز السراج، و لم يعترف بها مطلقًا مجلس النواب في الشرق وبالتالي كانت «عديمة الفاعلية» منذ يومها الأول، بحسب الباحثين.

باحثان: الأمم المتحدة لم تهيئ الأوضاع في ليبيا لتطبيق أي اتفاق تتوصل إليه الأطراف المتنازعة

واعتبر الباحثان أن اتفاق الصخيرات «قوضته التطورات على الأرض باستمرار وتدخل فاعلين خارجين» إلا أنهما قالا إن اتفاق الصخيرات الناتج عن الحوار السياسي بالرعاية الأممية «لم يفعل شيئًا يذكر لإنهاء الصراع القائم».

وجاء في الدراسة إن «بدء المفاوضات بالحوار السياسي كان أمرًا خاطئًا إذ أنه لم يجمع بإحكام مختلف اللاعبين في الصراع»، وأشارا إلى أن المؤتمر الوطني العام لم يوافق على توقيع الاتفاق لأنه اعتبره تهميشًا له إذ أن الاتفاق وقَّع بين مجلس النواب وحكومة الوفاق الوطني، وتسبب ذلك في استمرار التوترات بين المؤتمر الوطني وحكومة الوفاق الوطني تمثلت في هجمات متكررة على طرابلس خلال عامي 2016 و2017 شنتها «ميليشيات» موالية للمؤتمر الوطني بهدف إضعاف حكومة الوفاق.

ووفق الباحثين فقد «ماطل أعضاء مجلس النواب تطبيق اتفاق الصخيرات عن طريق عدم الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني وبالتالي فقد همّشوا أي تقدم ينتج عن الوساطة الأممية»، وقالا إن أعضاء مجلس النواب «فعلوا ذلك تحت تأثير نفوذ حفتر الذي كان يسيطر فعليًا على البرلمان وبالتالي كانت له مصلحة في فشل الوساطة».

ولفتا إلى أن الأمم المتحدة في نهاية المطاف دفعت باتفاق ضغط على الفصائل الليبية للانخراط في مفاوضات لكنها لم تساهم بفاعلية في تهيئة الأوضاع للتطبيق الفعلي لأي اتفاق.

«التشكيك في شرعية عملية السلام الأممية بعد المبعوث برناردينو ليون في 2015 أثر بالسلب على اتفاق الصخيرات»

وقالا إن أحد العوامل التي أثرت سلبيًا على الاتفاق الأممي كان التشكيك في شرعية العملية التي تقودها الأمم المتحدة بعد مغادرة رئيس البعثة الأممية للدعم في ليبيا، برناردينو ليون، في العام 2015 وسط فضيحة بشأن علاقته بالإمارات مما أضرر بشدة بمصداقية جهود الوساطة الأممية في ليبيا خاصة مع تدخل الإمارات في النزاع الليبي بدعمها لحفتر ومجلس النواب.

التدخلات الإقليمية
ويري الباحثان أن «دول جوار ليبيا مصر والجزائر وتونس هي الأكثر عُرضة للتهديدات الناجمة عن الفوضى الإقليمية نتيجة الصراع الليبي. وانخرطت الدول الثلاث في سلسلة من الاجتماعات الثلاثية الأطراف بداية من نهاية 2016 وحتى منتصف العام الماضي بهدف التوصل لحل للجمود السياسي في البلد».

واتفقت الدول الثلاث على مبدئين مشتركين: الحفاظ على أراضي ليبيا وسيادتها ورفض التدخل الأجنبي العسكري والسياسي في الشؤون الداخلية الليبية، وإيلاء الأولوية للحوار السياسي على الحل العسكري، وقال الباحثان إن «انتهاك المبدأ الأول كان السبب في منع تحقيق المبدأ الثاني».

مصر
قال الباحثان إن الحفاظ على الاستقرار في ليبيا يصب في مصلحة مصر القومية التي بدورها «تقاتل بالفعل متمردين إسلاميين في شبه جزيرة سيناء ويعتريها القلق بشأن التهديدات الأمنية التي تمثلها الجماعات المسلحة النشطة في ليبيا».

وسعيًا لذلك الهدف أدت القاهرة دورًا مهمًا في تنظيم اجتماع بين السراج وحفتر في محاولة لدفعهما للتوصل إلى اتفاق سياسي، وفي ضوء ذلك زار كل منهما القاهرة في فبراير الماضي لإجراء محادثات ، إلا أن حفتر رفض بمجرد وصوله القاهرة لقاء السراج.

واعتبر الباحثان أن التحدي الأكبر بالنسبة للقاهرة كان دفع حفتر لعقد اجتماع مع السراج والمشاركة بحسن نية في المفاوضات.

وقال الباحثان إن «مصر كانت تقدم الدعم لحفتر منذ 2014 باعتباره الوحيد القادرعلى تحقيق الأمن على حدود مصر الغربية مع ليبيا، ورغم عدم توصل حفتر والسراج لاتفاق رسمي أثناء اجتماعهما الذي كان مقررًا في القاهرة، إلا أن الباحثان رأيا أنه مهد الطريق لمحادثات السلام التي عقدت بين الطرفين لاحقًا في أبوظبي وباريس، حيث اتفقا على عدد من التعديلات التي يجب إدخالها على اتفاق الصخيرات كجزء من اتفاق سياسي نهائي.

الجزائر وتونس
يرى الباحثان أنه ورغم مشاركة الجزائر وتونس في محادثات ثلاثية الأطراف مع مصر بشأن لييبا «إلا أنهما تؤديان أدوارًا بعيدة عن بعضها البعض في جهودهما المنفردة للوساطة للتوصل لحل»، وقالا إن «الجهود الدبلوماسية للجزائر تسعى إلى موازنة تلك الخاصة بالقاهرة في ليبيا، إذ تشعر الجزائر بالقلق من تدخل القاهرة القوي في النزاع لصالح حفتر ما قد يزيد من صعوبة التحديات الأمنية على حدودها مع ليبيا».

وأشارا إلى أن «تونس تشعر بدروها بالقلق من التهديدات الوافدة إليها من حدودها مع ليبيا وتأثير تلك التهديدات ألقى بظلاله بصورة كبيرة على النظام السياسي التونسي المتداعي واقتصادها المتعثر».

الإمارات
في أعقاب اجتماع القاهرة في أوائل العام 2017 برزت الإمارات كلاعب كبير في جهود المفاوضات. وقال الباحثان إن «تدخل الإمارات في الصراع الليبي لم يكن بالأمر الجديد، ولفتا إلى أن أبوظبي -إلى جانب القاهرة- وفرت الدعم المادي لحفتر وحملته العسكرية في ليبيا في بداية العام 2014 رغم تأييدها شفاهيةً للعملية التي تقودها الأمم المتحدة».

وفي مايو 2017 صعَّدت أبوظبي من دورها كلاعب رئيسي باستضافتها حفتر والسراج لإجراء أول محادثات بينهما منذ أوائل العام 2016، وقال الباحثان إن «اللقاء كان بمثابة كسرٍ للجمود بين الطرفين، وإنه ورغم عدم إصدار أي من الجانبين بيانًا رسميًا فإن اللقاء بدا وأنه قرَّب المسافة بين السراج وحفتر حول التعديلات الرئيسية في الاتفاق السياسي وإمكانية إجراء انتخابات في 2018».

وقال الباحثان إن «اللقاء في حقيقة الأمر أظهر رغبة حفتر في إجبار السراج على الاستسلام المشروط وعزز مكانته على الساحة الدولية»، ولفتا إلى أن اشتباكات دامية اندلعت بعد الاجتماع بين قوات موالية لحكومة السراج والجيش الوطني «أظهرت بوضوح الانفصال الكبير بين مثل تلك الاجتماعات على المستوى الدولي وبين التحركات على الأرض في ليبيا، فضلًا عن ضعف مكانة السراج في ليبيا».

«القمة الليبية في أبوظبي أظهرت رغبة حفتر في إجبار السراج على الاستسلام المشروط وعززت مكانته على الساحة الدولية»

ووفق الباحثين فإن «جهود الوساطة الإقليمية في ليبيا لم تسهم بشئ يذكر في تعزيز شرعية عملية المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة».

باريس
اعتبر الباحثان كريم وإليسا أن التطور الأهم في عملية الوساطة في الأزمة الليبية كان في يوليو الماضي عندما استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السراج وحفتر في باريس لإجراء محادثات مباشرة، رغم أن تلك المحادثات لم تُحرز أي إنجاز.

واتفق الجانبان رسميًا على إعلان مشترك أكد التمسك بحل سياسي لكنه لم يحدد مسارًا سياسيًا واضحًا للخروج من الصراع، بدلًا من ذلك بدا أن «المفاوضات أكسبت حفتر شرعية أكبر على الصعيد الدولي، كما أنها عززت دور فرنسا فيما يتعلق بالمشاورات الدولية بشأن ليبيا».

وجاء اجتماع باريس في وقت مهم لحفتر إذ أنه تلى انتصار الجيش الوطني في بنغازي بعد معركة استمرت ثلاث سنوات، وهو الأمر الذي عزز قوت الجيش الوطني وكذلك صورة حفتر «كمنقذ» ليبيا. وقال الباحثان إن حفتر «خرج من محادثات باريس رابحًا» إذ اكسبته شرعية.

وأوضحا أن «دوافع فرنسا لاستضافة القمة الليبية كثيرة، فباريس كانت تسعى للحفاظ على سلامة مصالحها في ليبيا، كما أن القمة عزّزت دور باريس كفاعل أوروبي في ليبيا وهمّشت الدور الإيطالي».

تعدد اللاعبين
وبرأي الباحثين كريم وإليسا، فإن الإفراط في جهود الوساطة التي يقودها العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين عرقل التقدم الشرعي صوب حل تفاوضي بشأن ليبيا، وقالا إن «جيران ليبيا وشركاءها الدوليين دعموا ظاهريًا العملية الأممية والاتفاق السياسي، لكن هؤلاء الفاعلين سعوا في آن واحد إلى تحقيق مصالحهم الخاصة في ليبيا وبدرجات متفاوتة أداروا عملية المفاوضات».

البعثة الأممية اعترفت بالتهديد الذي تمثله مسارات التفاوض المتعددة على العملية السياسية التي تقودها

وبدروها اعترفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتهديد الذي تمثله مسارات التفاوض المتعددة تلك على العملية السياسية التي تقودها، إذ قال المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا غسان سلامة في سبتمبر الماضي عقب قمة باريس إن «تعدد الطهاة يفسد الطبخة» أي أن تعدد الوسطاء يفسد المفاوضات.

وقال الباحثان إن «ماكرون وآخرين يزعمون دعم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ولكن مناوراتهم تضعف سلطة الأمم المتحدة، كما أنها تقوي موقف حفتر، إذ بدا أن القاهرة وأبوظبي وباريس تحالفوا مع الرجل القوي».

ومع إعلان سلامة عن خطة أممية جديدة نهاية العام الماضي للخروج من الجمود الحالي في العملية السياسية في ليبيا، يرى الباحثان أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كانت جهود سلامة نجحت في توحيد الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة الليبية تحت مظلة الأمم المتحدة، لكنهما قالا إن «سلامة قد تكون أمامه آفاق محودة للنجاح إذا كان الفاعلون مثل مصر والإمارت وفرنسا يرون أن ليبيا تحت سيطرة حفتر هي السيناريو الأفضل ملاءَمةً لمصالحهم».

كلمات مفتاحية