أهالي تاورغاء عالقون بين المعاناة وآمال العودة المؤجلة

لا تزال عشرات العائلات من نازحي بلدة تاورغاء عالقين في العراء بين المناطق التي عادوا منها وبلدتهم، بعد أن سدت أمامهم منافذ العبور إلى البلدة؛ بسبب مطالبة جهات من مصراتة بتأجيل عودة الأهالي حتى الوصول «إلى معالجة موضوعية واقعية عادلة لهذا الملف البالغ الحساسية» وفق بيان أصدره كل من المجلس العسكري ومجلس أعيان وحكماء مصراتة، الذين طالبا بتأجيل العودة، وذلك بعد نحو سبعة عشر شهرًا من مصادقة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، على اتفاق المصالحة بين ممثلين عن مجلسي بلدي مصراتة ومحلي تاورغاء بتونس في الحادي والثلاثين من أغسطس 2016 برعاية أممية.

العودة التي لا تزال معلقة حتى الآن لم تكن نهائية، وفق مندوب مهجري تاورغاء بالمنطقة الجنوبية، سالم القبي، الذي قال إنها «من أجل تفقد البيوت والممتلكات»، غير أنّ رابطة أسر الشهداء والمفقودين ومجلس الأعيان والمجلس العسكري في مدينة مصراتة اعتبرت أن الملف خضع لـ«مزايدات إعلامية ومتاجرة سياسية»، ويحتاج إلى تمهل «لتحقيق مصالحة سياسية شاملة قبل العودة».

لكنّ تلك التطورات لقيت استنكار العديد محليًا، قبل أن تصدر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بيانًا تعبر فيه عن «عميق أسفها إزاء منع أبناء تاورغاء وعائلاتهم من العودة لمنازلهم»، مندّدة بـ«التهديدات التي طالتهم أثناء محاولتهم العودة، كما انتقدت بشدة محاولات ابتزازهم مالياً للسماح لهم بالعودة الآمنة إلى ديارهم».

وكان السراج قد أعلن في ديسمبر الماضي، أن مطلع فبراير هو موعد عودة نازحي تاورغاء إلى مدينتهم بناء على الاتفاق المبرم بين ممثليي مصراتة وتاورغاء.

ولم تمض الأمور على ما يرام بالنسبة للأهالي في طريق عودتهم من المنطقة الشرقية اليوم، حيث طالبتهم جهات الأمن، في بوابة الـ 20 الواقعة في منطقة الـ 40 شرق مدينة سرت، بإذن موافقة من غرفة عمليات «البنيان المرصوص» مقابل السماح لهم بالمرور، وذلك وفق ما كشف مصدر محلي مطلع.

وأجرت «الوسط»، الخميس، اتصالاً بأحد أبناء تاورغاء، الموجودين في المنطقة أكد الواقعة. وفي تصريحات سابقة، أكدت مصادر مطلعة لـ «الوسط»، أن بوابة السدادة (80 كلم شرق مصراتة) لا تزال مغلقة من قبل المجلس العسكري، الذي يرفض عودة أهالي تاورغاء.

وناشد أحد مشايخ تاورغاء الجهات المعنية بتسهيل الإجراءات أمام أهالي المدينة وعدم عرقلة رحلاتهم في اتجاه مدينتهم.

وكان وزير الدولة لشؤون المهجرين والنازحين، يوسف جلالة، أعلن مفاوضات لبحث استكمال برنامج عودة الأهالي، فيما صرح رئيس لجنة المصالحة تاورغاء، عبدالنبي أبو عرابة، بأن تلك المفاوضات تجري حاليا في بوابة «14 ك» شرق تاورغاء.

وطالبت رابطة أسر الشهداء والمفقودين ومجلس الأعيان والمجلس العسكري في مدينة مصراتة بتأجيل عودة الأهالي إلى مدينتهم حتى الوصول «إلى معالجة موضوعية واقعية عادلة لهذا الملف البالغ الحساسية، بعيدا عن المزايدات الإعلامية، والمتاجرة السياسية، لتحقيق مصالحة سياسية شاملة قبل العودة».

وحملت الجهات الثلاث، في بيان صدر الأربعاء بشأن تطورات ملف تاورغاء، «الجهات المعنية المسؤولية المترتبة على المعالجة الخاطئة لملف مصراتة وتاورغاء»، معلنين إدانتهم لما وصفوه بـ«خرق الاتفاق الموقع بين اللجنتين المشكلتين لهذا الملف بتاريخ 31 أغسطس 2016، والمصادق عليه بتاريخ 19 يونيو 2017» من قبل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

عودة 500 عائلة
وتوقع وزير الدولة لشؤون المهجرين والنازحين يوسف جلالة، عودة 500 عائلة اليوم الخميس إلى المدينة. وأوضح جلالة الذي يرأس لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق بين مصراتة وتاورغاء، أن عودة الأهالي إلى المدينة ستكون تدريجية، لعدم إرباك المشهد.

وحول الترتيبات الأمنية، أكد جلالة في تصريحات إلى «الوسط»، أن هناك تكثيفا أمنيا من آمر المنطقة الوسطى التابع لوزارة الدفاع واللجنة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، مطالبا المواطنين المتوقع حضورهم، احترام كافة الإرشادات الأمنية والتنظيمية الصادرة من الجهات المعنية حفاظا على سلامة الجميع.

وتابع رئيس لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق بين مصراتة وتاورغاء، أن تلك اللجان لن يكتفي عملها على تأمين اليوم فقط بل ستستمر في تأمين المدينة، لذلك يجب التعاون معها.
وأشار إلى أنه تم تحديد أماكن بالمدينة آمنة للتحرك بها كما أن هناك أماكن وضع عليها علامات تحذير يجب عدم الاقتراب منها إلى حين تنظيفها نهائيا وتأهيلها لعودة الأهالي.
وحول الجهات المدعوة، قال جلالة إن اللجنة لم تقم بتوجيه دعوة رسمية لأية جهة اعتبارية أو دبلوماسية.

مساعدات دولية
وكان جلالة قد التقى، الأحد، بديوان رئاسة الوزراء، المقرر الخاص المعنية بحقوق الإنسان والنازحين داخليا بالأمم المتحدة، سيسليا قومينيز والوفد المرافق لها، في إطار تقييم حالة حقوق الإنسان وحالة النازحين على وجه الخصوص، حيث أعلنت أنها ستقدم تقريرا شاملا بضرورة تقديم المساعدة الفنية وتشجيع الشركاء الدوليين لتنسيق آلية تقضي بتهيئة مدينة تاورغاء بعد عودة الأهالي للمدينة.

واستعرض جلالة، وفق بيان نشرته إدارة التواصل والإعلام على «فيسبوك»، الإجراءات التي اتخذتها حكومة الوفاق الوطني لمعالجة مسائل النازحين داخليا، متمثلة في وصول الخدمات الأساسية للنازحين، والحصول على البيئة المناسبة للتعليم والصحة، إضافة إلى توفير الوظائف لهم.

وناقش اللقاء مدى نجاح حكومة الوفاق في إدارة ملف عودة نازحي تاورغاء، وعزم المجلس الرئاسي إنهاء حالة النزوح في ليبيا، بالتنسيق مع ممثلي النازحين على مستوى المجالس البلدية والمحلية، ومع لجنة الأزمة المعنية بهذا الشأن.

تقرير شامل
ومن جانبها عرضت «قومينيز» خلال اللقاء نتائج زيارتها لمخيمات أهالي تاورغاء النازحين، مشيدة بالجهود التي تقوم بها حكومة الوفاق، والإجراءات التي اتخذتها في معالجة ملف عودة النازحين. وأوضحت أنها ستقدم تقريرا شاملا يحتوي ضرورة تقديم المساعدة الفنية، إضافة إلى تشجيع الشركاء الدوليين لتنسيق آلية تهيئة مدينة تاورغاء بعد عودة الأهالي للمدينة.

وأكدت المسؤولة الأممية أنها ستعرض توصياتها ضمن أنشطة الدورة القادمة لمجلس حقوق الإنسان، مثمنة ما اطلعت عليه من خطوات هامة في مساعدة النازحين بالداخل، فيما جرى التأكيد على أهمية استمرار الحكومة في وضع وتنفيذ الحلول المستدامة، وأهمية العودة الطوعية، بالرغم من التحديات التي تواجه وزارة المهجرين والنازحين، المتمثلة في ضعف توفر الدعم المادي الكافي لتسهيل أعمالها.

ووصلت المقررة الخاصة للأمم المتحدة لشؤون النازحين، سيسيليا قومينيز -داماري، إلى العاصمة طرابلس في زيارة تستغرق سبعة أيام لتقييم ظروف واحتياجات النازحين.

وقال رئيس لجنة المصالحة تاورغاء عبد النبي أبوعرابة، الأربعاء إن اللجنة تعمل بأقصى جهد لتجهيز المدينة لاستقبال الأهالي، اليوم الخميس، مؤكدا أن هناك تكثيفا أمنيا تمهيدا لاستقبال الأهالي والزوار.

وأضاف أبو عرابة في تصريحات إلى «الوسط» أن عودة أهالي مدينة تاورغاء إلى مدينتهم تأتي بعد التوصل لاتفاق بين ممثلين عن مدينتي مصراتة وتاورغاء وإصدار رئيس المجلس الرئاسي تعليماته لمحافظ مصرف ليبيا المركزي بطرابلس الصديق الكبير، بتخصيص القيمة الأولية اللازمة لجبر الضرر والشروع بصرف الدفعة الأولى منها وتكليف لجنة برئاسة وزير الدولة لشؤون المهجرين والنازحين بحكومة الوفاق الوطني لتقييم الأضرار بالمدينة وتجهيزها لعودة الأهالي.

وأشار إلى أن اللجنة تعمل على تجهيز المدينة لاستقبال الأهالي والزوار، عبر التواصل مع الجهات المعنية بالأمر، مؤكدا: «تواصلنا مع كتيبة الهندسة العسكرية والتي قامت بمسح المنطقة ومن خلاله تم تحديد المناطق الخضراء التي يمكن التحرك بها والمناطق التي وضعت عليها لافتات لمنع دخولها من المواطنين إلى حين تنظيفها من الألغام».

تكثيف أمني
وتابع أنه تم التواصل مع آمر المنطقة الوسطى العميد محمد الحداد، والذي بدوره أكد أن هناك تكثيفا أمنيا تمهيدا لاستقبال الأهالي والزوار، مطالبا الأهالي بضرورة التعاون مع عناصر الأمن المتواجدين في المدينة والانصياع لأوامرهم حرصا سلامة الجميع.

وفي السياق نفسه، ناقش رئيس المجلس المحلي بني وليد، علي النقراط، الأربعاء، التجهيزات النهائية لعودة نازحي مدينة تاورغاء، خلال اجتماع عقده مع المسؤولين في البلدية.

وقال مدير المكتب الإعلامي بالمجلس المحلي بني وليد، زايد أبوقدندش، في تصريحات إلى «الوسط» إن الاجتماع ضم المجلس المحلي وإدارة الخدمات الصحية، ومراقبة الخدمات المالية ومستشفى بني وليد وشركة المياه والصرف الصحي ومفوضية المجتمع المدني بني وليد ومديرية أمن بني وليد وجمعية السلام الخيرية.

عودة المهجرين من الجنوب إلى تاورغاء تأتي على مجموعتين، تشمل 528 أسرة بمجموع 2045 فردا

وأضاف أبوقدندش أن المجتمعين تناولوا كيفية تقديم كل الدعم لتسهيل عودة أهالي تاورغاء والتي ستبدأ اليوم الخميس، وكان مندوب مهجري تاورغاء بالمنطقة الجنوبية، سالم القبي، قال في وقت سابق إن عودة المهجرين من الجنوب إلى تاورغاء تأتي على مجموعتين، تشمل 528 أسرة بمجموع 2045 فردا.

وأوضح القبي أن «هذه العودة ليست نهائية بل هي من أجل تفقد البيوت والمنازل والممتلكات، نظرا لانعدام البنى التحتية للمدارس والمستشفيات ومياه الشرب وغيرها».

«مبيت على الطريق»
وقال رئيس المجلس المحلي تاورغاء، عبدالرحمن شكشك، إنه تم الاتفاق مع عمداء البلديات التي تقع في طريق عودة أهالي تاروغاء إلى مدينتهم لاستقبالهم وتوفير المبيت لهم في طريقهم إلى مدينتهم. وأثنى شكشك في تصريحات إلى «الوسط» على مجهودات عمداء البلديات لاستقبال أهالي تاورغاء.

واختتم رئيس المجلس المحلي تاورغاء تصريحاته بقوله: «أثمن مجهودات المجلس الرئاسي وتواصله الدائم معنا لتحقيق تلك اللحظة التاريخية ودعم المصالحة الوطنية».

وكان السراج قد عقد اجتماعا الاثنين مع لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق بين مصراتة وتاورغاء، وأعضاء مجلس بلدية مصراتة والمجلس المحلي تاورغاء، بحضور رئيس اللجنة ووزير الدولة لشؤون المهجرين والنازحين الدكتور يوسف جلالة ووزير الحكم المحلي بداد قنصو وآمر المنطقة العسكرية الوسطى اللواء محمد حداد. وقدمت اللجنة تقريرها لرئيس المجلس الرئاسي، حيث جرى مناقشة ما تم تنفيذه من إجراءات لتهيئة المنطقة لبدء عودة آمنة لأهالي تاورغاء إلى مدينتهم.

واطلع السراج على برنامج الترتيبات الأمنية والخدمات المقدمة من القطاعات والهيئات الخدمية في هذا الإطار وما يحتاجه البرنامج من إجراءات لتذليل أية عقبات قد تصادفه.

وخلال الأيام الماضية عقدت لجنة متابعة الاتفاق المبرم بين مدينتي تاورغاء ومصراتة، عدة اجتماعات لمتابعة الإجراءات المالية الخاصة بجبر الضرر للمدينتين مع المجلس الرئاسي، وما يترتب عليها من إجراءات تنفيذية، والوقوف على الوضع الحالي للبنية التحتية والخدمية، تمهيدا لوضع خطة لعودة الأهالي، في الموعد المحدد من الاتفاق.

المزيد من بوابة الوسط