جريدة «الوسط»: تاورغاء تدشن «المسيرة الطويلة» نحو المصالحة في البلاد

الشروع في تطبيق الاتفاق الخاص بعودة نازحي تاورغاء إلى بلدتهم، وتنفيذ التزام المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بتحديد تاريخ الأول من شهر فبراير الجاري موعدا للعودة، فوق أنه يعدّ خطوة مهمّة على طريق المصالحة الشاملة في البلاد، إلا أنه جاء أيضا كاختبار حقيقي لأيّ مدى يمكن أن تنجح هذه المصالحة وتخرج من حيز التوقيع على الورق إلى حالة تتحرك على الأرض.

ولم يكن المتابع للشأن الليبي بل معظم الليبيين، حتى أكثرهم تفاؤلا يتوقع أن تمرّ هذه الخطوة بسهولة وسلاسة، بعد سبع سنوات من التجاذب ومحاولات تليين مواقف بعض الأطراف المتشددة خاصة من جانب بعض الجهات والأطراف المعروفة بتطرّفها إزاء هذه القضيّة وعلى رأسها «المجلس العسكري» و«مجلس حكماء وأعيان مصراتة»، وهو ما اتضح منذ الساعات الأولى لبدء تحرّك قوافل النازحين باتجاه تاورغاء، إذ طالبت «رابطة أسر الشهداء والمفقودين ومجلس الحكماء والأعيان والمجلس العسكري، بتأجيل عودة أهالي تاورغاء إلى بلدتهم إلى حين الوصول إلى ما وصفوه بـ«معالجة موضوعية واقعية عادلة لهذا الملف البالغ الحساسية بعيدًا عن المزايدات الإعلامية، والمتاجرة السياسية، لتحقيق مصالحة سياسية شاملة قبل العودة».

إعلان تاريخ عودة أهالي تاورغاء «جاء دون الالتزام بتنفيذ كافة بنود الاتفاق وفقًا للترتيب الوارد به، وعلى الأخص فيما يتعلق بالعدالة والمصالحة، وتسليم المطلوبين للعدالة

واعتبر بيان صدر عن هذه الجهات، أن إعلان تاريخ عودة أهالي تاورغاء «جاء دون الالتزام بتنفيذ كافة بنود الاتفاق وفقًا للترتيب الوارد به، وعلى الأخص فيما يتعلق بالعدالة والمصالحة، وتسليم المطلوبين للعدالة، واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة، والتهيئة العمرانية، والتعويضات وجبر الضرر لجميع الأطراف» منبهًا إلى أن الاتفاق «نصّ صراحة في المادة العاشرة منه على أنه (فور الانتهاء من هذه الخطوات تكون تاورغاء مفتوحة للعودة)»، ويرى القريبون من ملف القضيّة أن هذا الموقف ينطلق من مسألة دفع قيمة التعويضات التي نصَّ عليها اتفاق تونس، وقُدِّرت بــ« 463 مليون دينار» للجانبين، منها 170 مليون دينار، حصة تاورغاء وتشمل تعويضات القتلى والجرحى والمعتقلين، إلى جانب دفع 12 ألف دينار لكل عائلة من تاورغاء»، ما يعني أنّ المبلغ المتبقي هو نصيب مصراتة، من القيمة الاجمالية.

للاطلاع على العدد «115» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

والمعنيُّ بالأمر هو المجلس الرئاسي، وخلفه الأمم المتحدة التي رعت الاتفاق في هذا الشأن، من خلال بعثتها في ليبيا، وتشير معلومات أيضا إلى علاقة قيادة «البنيان المرصوص» بمحاولات تأجيل تنفيذ اتفاق العودة، بسبب ما تراه تراجعا من المجلس الرئاسي عن تنفيذ تعهداته بدفع تعويضات الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن مشاركتها في الحرب على تنظيم «داعش» في سرت، ولم يتوقف ردُّ الفعل عن حدِّ إصدار هذا البيان، بل تعدّاه إلى تحرّكات على الأرض، في إشارة إلى تنفيذ فحوى ما جاء في البيان بشأن تأجيل العودة.

ممثلو تاورغاء: هذه الخطوة «ليست نهائية بل من أجل تفقد البيوت والمنازل والممتلكات، نظرًا لانعدام البنى التحتية للمدارس والمستشفيات ومياه الشرب وغيرها»،

وانطلقت رحلة العودة، من تونس بمصادقة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج في الحادي والثلاثين من أغسطس 2016 برعاية الأمم المتحدة، على اتفاق مصالحة بين ممثلين عن مجلسي بلدي مصراتة ومحلي تاورغاء، وأعلن فائز السراج في ديسمبر الماضي، أنَّ مطلع فبراير هو موعد عودة نازحي تاورغاء إلى مدينتهم بناءً على الاتفاق المبرم بين ممثليي مصراتة وتاورغاء.

للاطلاع على العدد «115» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبدأت الخطوة الأولى لتنفيذ الاتفاق الأربعاء، واعتبر ممثلو تاورغاء أن هذه الخطوة «ليست نهائية بل من أجل تفقد البيوت والمنازل والممتلكات، نظرًا لانعدام البنى التحتية للمدارس والمستشفيات ومياه الشرب وغيرها»، وتوقع وزير الدولة لشؤون المهجّرين والنازحين يوسف جلالة، الذي يرأس لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق بين مصراتة وتاورغاء، عودة 500 عائلة مبدئيا إلى البلدة، وأن العودة ستكون تدريجية، لعدم إرباك المشهد، وفيما يتعلّق بالهاجس الأمني والتخوفات المتعلّقة بمدى ضمان عودة آمنة للنازحين، تحدّث جلالة إلى «الوسط»، عن وجود ترتيبات أمنية بالخصوص، وقال إنّ هناك تكثيفًا أمنيًا من آمر المنطقة الوسطى التابع لوزارة الدفاع واللجنة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، مطالبًا باحترام كافة الإرشادات الأمنية والتنظيمية الصادرة من الجهات المعنية حفاظًا على سلامة الجميع.

اختبار حقيقي
وتابع «إنّ تلك اللجان لن يكتفي عملها على تأمين يوم غد فقط بل ستستمر في تأمين المدينة، كما أنه تم تحديد أماكن بالمدينة آمنة للتحرك»، لكنّ ما يحدث على الأرض حتى الآن زاد من تلك المخاوف الأمنيّة، خاصة بعد المعلومات المتداولة التي أكدت غلق منافذ العبور إلى بلدة تاورغاء أمام العائدين إليها، وأنّ هناك مفاوضات بشأن تحقيق مطالب المعرقلين للعودة للسماح بتطبيق الاتفاق، ومن ثم الشروع في عودة حقيقية آمنة للعائدين.

للاطلاع على العدد «115» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي انتظار تطوّرات رحلة تنفيذ الاتفاق وبدء «المسيرة الطويلة» لأهالي تاورغاء في طريق العودة إلى بلدتهم، التي بقيت مهجورة على امتداد حوالي سبع سنوات، يبقى الجميع، المجلس الرئاسي وطرفا القضية«مصراتة وتاورغاء» والأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، وكل المراهنين على نجاح المصالحة الوطنيّة، أمام أول وأهمِّ اختبار حقيقي لمدى توفر شروط هذه المصالحة، انطلاقا من تاورغاء.

المزيد من بوابة الوسط