جريدة «الوسط»: الإرهاب يضرب بنغازي ويعيد السؤال عن مصير الحل السياسي

مرّة أخرى يضرب الإرهاب مدينة بنغازي، ويطغى صوت التفجير على صوت العمليّة السياسية التي شهدت ركودا ملفتا طوال الأسابيع الماضية، قبل أن تستأنف تحركها بزيارة المبعوث الأممي غسان سلامة بنغازي عقب التفجير الإرهابي الذي أودى بحياة حوالي 35 شخصا، ولقائه القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر.

وفي ليل الثلاثاء الأربعاء، وبينما كان عديد الليبيين منشغلين في متابعة مباراة منتخبهم أمام المنتخب الراوندي، في بطولة أفريقيا لكرة القدم للاعبين المحليين ، الـ«شان»، وإذا بانفجارين قويين يهزّان ليل مدينة بنغازي، قبل أن يتفاجأ السكان بأن الانفجارين كانا بسبب سيارتين مفخختين انفجرتا على التوالي أمام مسجد «بيعة الرضوان»، ما أسفر في آخر إحصائية عن سقوط 35 قتيلا، وأكثر من 80 جريحا، وفق بيانات رسمية، ولم تعلن أيّة جهة مسؤوليتها عن التفجيرين، اللذين قوبلا بتصريحات وبيانات محليّة وعربية ودولية واسعة، اعتبرت أنّ ما حدث هو عمل إرهابي شنيع، وطالبت بالتحقيق في الواقعة وملاحقة من يثبت تورطهم في هذا العمل الإرهابي.

وفي أول رد فعل من المسؤولين العسكريين والأمنيين، قال آمر القوات الخاصة، رئيس الغرفة الأمنية لمدينة بنغازي، اللواء ونيس بوخمادة: «رغم تحرير مدينة بنغازي، لا يزال هناك متسللون بيننا». وكشف أن من بين القتلى عناصر من وحدة القوات الخاصة التابعة للجيش الوطني.

محليّا أيضا، أعلن الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الحداد العام في البلاد لمدّة ثلاثة أيام، وتعهدت حكومته بأنها «ستسخر كل إمكاناتها للمساهمة في كشف الجناة والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاء ما اقترفوه»، داعية الليبيين إلى الوقوف صفاً واحداً في «مواجهة قوى الشر والبغي والعدوان الممثلة في تنظيمات الإرهاب والجريمة، وكل من أظلمت عقولهم، وسيطر الحقد على أفعالهم»
وأكدت الحكومة «الموقتة» من البيضاء، في بيان ، أنها ستستمر في «مواجهة آفة الإرهاب والتطرف لحين القضاء عليها تماماً»، ودعت إلى «ضرورة تعزيز التنسيق بين دول العالم لضمان اجتثاث هذه الآفة الخطيرة التي تهدد الأمن والاستقرار العالميين، والقضاء على مسبباتها وتجفيف منابع تمويلها»، مؤكدة التزامها العمل على «مواجهة الفكر المتطرف والمتشدد للتنظيمات الإرهابية التي تعتنق هذا الفكر الظلامي الخارج عن صحيح الدين».

واعتبر مجلس النواب تفجير الرضوان «محاولة من أيادي الإرهاب والتطرف لضرب أمن واستقرار المدينة عقب تطهيرها من الإرهاب والتطرف».

وعلى مستوى دول الجوار دانت مصر تفجيري بنغازي، وطالبت وزارة الخارجية المصرية في بيان صادر عنها عبر صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك» المجتمع الدولي بـ «ضرورة القيام بواجبه بصورة حازمة تجاه تجفيف منابع تمويل ودعم الجماعات الإرهابية»، مشيرة إلى أن «انتشار مثل تلك الأعمال الإرهابية في ليبيا هو نتاج مباشر لاستمرار ظاهرة تهريب السلاح دون رقابة صارمة من المجتمع الدولي»، وفي السياق نفسه دانت الجزائر التفجيرين، مُبديةً تضامنها مع ليبيا حكومة وشعبًا، مؤكدة على لسان الناطق باسم خارجيتها أن «التصدي لتكالب الإرهاب ولأعماله الهمجية يقتضي من الجميع العمل على دعم مسار الحوار الوطني الشامل، وتحقيق المصالحة الوطنية المنشودة».

أما على المستوى الدولي أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أن الاعتداءات المباشرة أو العشوائية ضد ‫المدنيين‬ محرمة بموجب القانون الإنساني الدولي، وتعد بمثابة جرائم حرب»، ومن جانبه كما طالب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان له «تقديم مرتكبي الهجوم في السلماني، وأية أعمال إجرامية نفذت انتقامًا، إلى العدالة»، إلى ذلك أكد الاتحاد الأوروبي في بيان صادرٍ عن مكتب خدمة العمل الخارجي في بروكسل «إن مثل هذه الهجمات تهدد في بيئة هشة أصلًا، العمل الجاري لاستعادة الأمن والاستقرار وسيادة القانون في ليبيا»، كما أكد الاتحاد مواصلة العمل من أجل التوصل إلى حلٍ دائم للأزمة، مسترشدًا بخريطة الطريق التي قدمها المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة».

وشهدت مدينة بنغازي، منذ إعلان ما عرف بـ«عملية الكرامة» عديد التفجيرات التي استخدمت فيها السيارات المفخخة، واستهدفت سياسيين وعسكريين ونشطاء مدنيين، إلا أن تفجيري الثلاثاء كانا أكثر ترويعا ودموية، وحصد أكبر عدد من الضحايا قياسا بتلك التي سبقته.

وتفتح تفجيرات بنغازي مجددا الباب أمام السؤال: إلى أين تمضي الأزمة في ليبيا؟ وأين آلت الجهود الدولية لتحريك العملية السياسية، بما فيها خطة المبعوث الدولي غسان سلامة الحائزة على تأييد دولي واسع، سيما وأنها اتسمت طوال الأسابيع الماضية بالركود، وتوقفت عند تصريحات يطلقها سلامة بين حين وآخر تحث فرقاء الأزمة على استمرار الحوار آخرها الإحاطة التي قدمها أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي، قبل أن يعود المبعوث الدولي إلى الواجهة ويزور مدينة بنغازي أمس الاربعاء، ويلتقي أحد أطراف الأزمة الرئيسيين المشير خليفة حفتر، واكتفى بيان صدر عن البعثة بالخصوص بالإشارة إلى أن رئيسها سلامة دان التفجيرين، وناقش مع حفتر«سير العملية السياسية في ليبيا، وشدّدا على أهمية إجراء الانتخابات في 2018»، بينما قالت القيادة العامة للجيش «إن اللقاء جاء لتقديم واجب العزاء في ضحايا «الهجوم الإرهابي الجبان والغادر».